
كيف يستعيد العلماء مكانتهم في الحياة؟!
يوليو 2, 2026قرع الطبول (2)
مؤمن سحنون
كاتب تونسي
إن الصراع الدائر اليوم، بين الأمة وأعدائها، ليس بالحدث الجديد الذي طرأ فجأة على صفحات التاريخ، ولا هو من الاستثناءات في أخبار الأمم والحضارات، ولا هو من الحملات العابرة التي لها أسباب وقتية بحيث يزول الصراع جملةً بزوال مسبباته الجانبية، بل إنه الوضع الطبيعي في ديناميكية التدافع بين الحق والباطل، ذلك التدافع الذي سيبقى ما بقي الحق وإن بدا عليه الضعف في بعض الحقب الزمنية، وما بقي الباطل ولو استعلى بطغيانه وتوهم التمكين الدائم.
لكن الجديد -وللغرابة- هو أن أصحاب الحق اليوم قد وقع تأسيس عالم أفكارهم وأسلوب حياتهم ورسم أفق حراكهم وتفاعلاتهم تحت سقف غياب حقيقة الصراع، بل وأشرف المحتل بنفسه على عملية صياغة محددات عالم أفكارهم، ما أنتج أجيالاً يعيش منهم الكثير طول حياته دون أن يشعر بموقعه في هذا الصراع أو موقفه منه، ودون أن يتفاعل مع مخاطره المحدقة به التفاعل الطبيعي الفطري في مدافعته، بل -وللغرابة- أننا أُصبنا بنوع من القابلية لوضع الاحتلال العام الذي تحياه كل أمة المسلمين، لدرجة أننا قد نحتفل بما يسمونه عيد “الاستقلال”، في بلدان تقبع تحت قيود أعدائها عن طريق وكلائهم من المحتلين المحليين، فالثروات منهوبة، والإرادة مسلوبة، والقوانين جائرة، والكرامة منتهَكة، والإنسانية مهدورة في مشهد درامي يسمى بالاستقلال.
أما أعداؤنا فيعلمون جيداً حقيقة الصراع، لقد شغلتهم طويلاً مسألة إيجاد الطريقة الفعالة لتركيع هذه الأمة وتقييد أهلها، ومن ثم تسهيل نهبها ونهبهم وسلب ثرواتها وسلبهم واستعباد ساكنيها وأَسرهم، وجاؤوا لنا في حملتهم الأخيرة بخبرة استعمارية حُشدت فيها الدروس المستفادة من مختلف تجارب الاحتلال وحملاته السابقة، لقد ساعدتهم تلك الدروس والتجارب في استخلاص الطريقة المعاصرة لصناعة الهيمنة العامة.
يقول أيوجين روستو، رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس جونسون لشؤون الشرق الأوسط حتى عام 1968: “يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب، بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية. لقد كان الصراع محتدماً ما بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى، وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصور مختلفة. ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب، وخضع التراث الإسلامي للتراث المسيحي”. ثم يعود فيقول: “ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام، وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية”1.
أما في أيامنا هذه فنجد وزير الحرب الأمريكي، في كتابه “American Crusade”، اعتبر هيغسيث أن الولايات المتحدة تعيش “لحظة صليبية” تشبه الحروب الدينية في القرن الحادي عشر، محذراً مما وصفه بخطر “الإسلاميين” الذين يسعون لإعادة تشكيل المجتمعات والحكومات على أساس ديني.
وكتب: “لا نريد القتال، لكن مثل إخواننا المسيحيين قبل ألف عام، يجب علينا أن نفعل ذلك”.
كما تحدث عن ضرورة تحالف الولايات المتحدة مع الاحتلال الإسرائيلي قائلاً: “نحن المسيحيين، إلى جانب أصدقائنا اليهود وجيشهم المميز في إسرائيل، يجب أن نحمل سيف الأمريكية غير الاعتذارية وندافع عن أنفسنا”2.
أما عن اللحظة التي وقع فيها العالم الإسلامي في القيد فقد جاءت بعد أن رصدت الخبرة الاستعمارية، في محاولاتها السابقة، نتائج الطرق المستخدمة، وكان لكل محاولة دروس جوهرية في مسار الصراع الذي لا يتوقف.
محاولات تغيير الإسلام ونتائجها
بدأت منذ فجر الإسلام بوادر محاولات تغيير جوهر هذا الدين، خاصة بعد بروزه كقوة عالمية يستطيع أن ينتج أمة جديرة بحمل الحق والرحمة والعدل والحرية لكل العالمين، لقد أدرك العالم الغربي خطورة التوسع الطوفاني الذي أعقب حركة المسلمين الصحيحة بدينهم، إلا أن هذه الحركة بدأت تتعثر عندما دبّ الخلاف الداخلي في أواصر الأمة، وبدأت ملامح دخلنة الصراع لتلهي الأمة عن رسالتها، لكن وبرغم ذلك الكيد الكبير لم يجرِ على الإسلام كما جرى على المسيحية ومن قبلها اليهودية.
لم تتمكن الأيادي المحرّفة من تحريف أصل النص الديني في الإسلام، لأنه محفوظ بحفظ إلهي، ومعنى كون النص الديني أو الوحيين (الكتاب والسنة) محفوظين بأمر إلهي لا يعني المعنى الكهنوتي الذي قد يظنه بعض الناس، إنما يعني أن الله استخدم لتلك المهمة الشريفة رجالاً أصحاب عزائم وهمم يرفعهم في درجات المجد باستخدامهم في تلك المهمة -مهمة حفظ الدين- ويشرفهم بها.
وإن كان القرآن الشريف قد جمع في عهد صحابة رسول الله ﷺ، ذلك الجيل القرآني الفريد الذي نزل فيهم وعليهم الوحي، الذين امتزجت آيات الذكر الحكيم بلحمهم ودمائهم وأنفاس أيامهم ولياليهم، ونزل يقوّم سلوكهم ويزودهم بالزاد في مهمتهم التي أدركوا معالمها منذ أن نطق الواحد فيهم الشهادة، فهم أخبر الناس بمواضع نزوله ومراميه، تم ذلك الجمع للكتاب تحت ظلال دولة الإسلام الحرة التي أقامها النبي ﷺ، والتي كانت الدرع الحامي والمناخ الذي وفره الله لحفظ القرآن، بخلاف ما حدث مع المسيحية مثلاً، فقد عاش صحابة النبي عيسى عليه السلام -الحواريون- في مناخ الاضطهاد الذي مارسته الإمبراطورية الرومانية الوثنية عليهم، عاشوا مطاردين ومختفين وملاحقين، ولم تُتَح لهم فرصة تواتر النص الديني ولا تدوينه وحفظه إلا بعد 200 سنة من بعد المسيح عليه السلام، لسبب الاضطهاد الذي ذكرناه سابقاً والذي كان لليهود فيه النصيب الوفير، فقد كانوا هم الساعين بالوشاية لدى الإمبراطور في ملاحقة الحواريين.
أما القرآن فقد حفظه الله سبحانه وحفظ سنة نبيه ﷺ، إذ قيض لها حركة علمية ساحت في الأرض تبحث وتدقق في أحاديث المصطفى ﷺ، وأنشأت لذلك علوماً بديعة لفرز الأحاديث وتنقيتها من الوضع الذي مارسه المغرضون لتحريف القسم الثاني من الوحي بعد أن عجزوا عن تحريف القسم الأول والمركزي، فكانت تلك الحركة العلمية ومجرياتها والعلوم المنبثقة منها من مفاخر الزمن لهذه الأمة في رصيدها الحضاري.
ولما عجز المحرفون عن استهداف أصل النص الديني المتمثل في الوحيين، انبروا إلى تدليس فهمه وتأويله، ولم تتوقف هذه العملية منذ بدأت إلى اليوم، إذ تطفو على السطح في كل زمن طفواً جديداً، ولا يزال الله سبحانه يستخدم للذب عن دينه في كل عصر مَن يدفع عنه الشبهات ويرد عنه الأباطيل، قال رسول الله ﷺ: “يحمل هذا العلم من كل خلَف عُدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. فقد كتب الله لهذا الدين التنقية الدائمة والتصفية المستدامة من جيل إلى جيل، قال ﷺ: “إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا”.
ورغم الدعم المهول الذي تلقاه أجهزة التحريف المعاصرة، فإن محاولات تغيير أصل الإسلام باءت بالفشل الذريع وستبوء بالفشل الذريع.
محاولات تغيير المسلمين ونتائجها
أما التغيير المباشر للمسلمين، فقد كانت محاولاته عديدة ولا تزال، وقد لا يخلو منها عصر وفصل من فصول الصراع بين أمة الإسلام وأعدائها، ونقصد بتغيير المسلمين أي محاولة إخراجهم من الإسلام وإدخالهم إما بالترهيب أو الترغيب في ملة أخرى، تبرز هنا الحملات التنصيرية المستهدفة لبلاد المسلمين، والتي رفعت الصليب كواجهة دعوية صريحة تستهدف نقل المسلمين إلى المسيحية، بل إن الحروب الغربية والحملات الصليبية الأولى كانت حملات صليبية معلنة بخلاف الصليبية ذات القناع المعاصرة، لقد عاش المسلمون ويلات التنصير ومحاكم التفتيش، والتي قد لا تحوي أهوالها وقصصها عدة مجلدات من كثرتها، ولعل ما حدث في الأندلس أكثر نموذج معروف لهذه الحملات، ثم خفتت النبرة الدينية لتصعد النبرة الإلحادية بعد الثورات المادية في الغرب، فعاش المسلمون في أصقاع عدة من الأرض حملات مشابهة لخلعهم عن دينهم وإدخالهم في دين المادة والإلحاد.
يقول صموئيل زويمر في كتاب (الغارة على العالم الإسلامي): “إن للتبشير بالنسبة للحضارة الغربية ميزتين: ميزة هدم، وميزة بناء، أما الهدم فنعني به انتزاع المسلم من دينه، ولو بدفعه إلى الإلحاد.. وأما البناء فنعني به تنصير المسلم إن أمكن ليقف مع الحضارة الغربية ضد قومه”3.
ولا تتوقف هذه الدعوات قديماً وحديثاً كلما ابتكر الناس ديناً جديداً، فما كانت ردة فعل المسلمين من طريقة إرادة نقلهم لدين جديد؟
كانت دائماً تعود بالخسران والفشل على أصحابها رغم الآثار التي قد تخلفها في مسار التاريخ، نعم، لقد نجح الغرب في إحداث موجات تشكيكية كبيرة وتمكين العلمانيين من أصحاب المذاهب المادية على بلادنا، ومارس الغرب سواء في فترة الاحتلال المباشر أو بعد ذلك أثناء الاحتلال المحلي -الذي يتواصل إلى يومنا هذا- مارسوا أشكالاً وألواناً من حيل ومكائد وإشاعة للفساد والإفساد لغاية صرف الناس عن المصدر الأساسي لعزهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة4.
لكن هذه الأمة وشعوبها، برغم ذلك، ما إن يظن أعداؤها أنها تشبعت بالدعاوى المنحرفة وشيوع الشهوات وانتشار الشبهات، حتى تعود وتنهض وتسقط المخططات المعادية باختيار أهلها للإسلام في كل لحظة فارقة أو حراك جماهيري، لتذهب الأموال والجهود التي أنفقت في الكيد سُدًى، بل قد تقوي الضدية المباشرة التي يعلنها العدو الداخلي أو الخارجي من الوازع الديني لدى المسلمين، ويؤدي ذلك إلى عودة حضارية صريحة للتمسك بملتهم والدفاع عن بيضتهم على اختلاف درجة الالتزام الفردي.
ولا تزال المحاولات قائمة إلى اليوم، ولا تزال دعاوى التغريب والتبشير بالأديان المنحرفة أو الوضعية متواصلة، وما أراه من أموال تنفق ووجوه تتصدر للدعوة إلى الأنسنة والإبراهيمية وعبادة الحكام… وغيرها من محاولات نقل المسلمين لملة أخرى قائمة، ولا يزال تدافع الأفكار على ساحة الصراع قائماً.. والله ناصر دينه لا محالة، لكن السعيد من استخدمه الله في مهام هذا الدين الشريف.
وبرغم كل هذا الكيد، بقي الميل العام للأمة لأهل الحق، لمن يحمل الإسلام النقي بصدق، ولا يزال الناس يتداولون تداولاً كبيراً آثار العلماء الذين غيبوهم في السجون في كل حادثة، ولا يزال الناس يحتقرون دعاة الباطل والمضللين.
محاولات تغيير النظم ونتائجها
طيلة الحملات السابقة فشلت موجات الاحتلال في ضرب الأصول الدينية للإسلام، وفشلوا في تحويل المسلمين عن دينهم تحويلاً مباشراً، لكنهم في الحملة المعاصرة أوقعوا الأمة في أسر جديد، أسر استخدموا فيه الخبرة الاستعمارية السابقة لكن مع أمر شديد الخطورة.
لقد استهدفوا هذه المرة لا الإسلام ونصوصه المركزية -رغم أن العمل على هذه الجبهة لم يتوقف- ولا المسلمين بإرادة تحويلهم عن دينهم -رغم أن العمل على هذه الجبهة تواصل ويتواصل إلى يومنا هذا ولم يتوقف- ولا بث الشبهات والشهوات في صفوف المسلمين -رغم أن العمل على هذه الجبهة لم يتوقف- إن الخطر الأعظم هو أن الغرب الاستعماري استهدف هذه المرة نظم الحياة التي تنبثق من الإسلام وتتجلى على واقعهم الاجتماعي ونشاطهم البشري وغاياتهم وحركتهم الكونية.
لقد عملت الحملات الاحتلالية المعاصرة على إعادة ترتيب حياة المسلمين داخل نظم غريبة عن تلك التي ينتجها الإسلام، وحدثت هذه العملية بطريقتين: طريقة الاحتلال المباشرة والمكوث بين ظهراني المسلمين، والعمل خلال هذه الفترة على هدم النظم الأصلية وبناء النظم المستوردة، وإما على طريقة صناعة القابلية للاستعمار.
وما إن خرج جنود الاحتلال الغربي من بلادنا، حتى وجد المسلمون أنفسهم يعيشون داخل شبكة مفاهيم وعلاقات ومهام حيوية غير التي كانت قبل الاحتلال، لقد وقع تغيير بنية المجتمع المسلم ورسالته من جذوره، مع الإبقاء على دين الناس وإسلامهم الفردي.
أنتج الوضع الجديد مسلمين يعيشون داخل نظم لا تنبثق من طبيعة هذا الدين، وهذه بالذات هي الحلقة التي ساعدت الخبرة الاستعمارية في إخضاع المسلمين وتقسيمهم وترويضهم، ومن ثم الهجوم على ثرواتهم وبلادهم بلا شعور من أهل هذه البلدان بوجود الاحتلال أصلاً أو بحقيقة الصراع.
الحلقة المفقودة
وقد قامت العديد من الحركات التي اجتهدت في إيجاد حل للخروج من حالة التيه والعدوة إلى الرشاد، وقد تنوعت هذه الاجتهادات، وكان لها آثارها المحمودة في كل اجتهاد منها، لكن بقيت دائماً هناك حلقة مفقودة، خاصة في تصور النظم المستوردة وأثرها على حياة المسلمين من جهة، وعلاقة تلك الاجتهادات بالنظم المستوردة في الواقع من ناحية العمل داخلها في أحيان دون انتباه لانعكاساتها على المسلمين، أو اعتبارها واقعاً يجب التعايش معه في أحيان أخرى، أو -وللأسف- محاولات أسلمتها وإلباس هذا النموذج المستورد لباس الإسلام.
إن هذه الحلقة، أي حلقة النظم، هي الحلقة المفقودة في مسار الصراع بيننا وبين عدونا المتربص بنا، وهي الأداة التي بها يقع تقييد كل أمتنا وشعوبها اليوم، وهذا ما سنحاول بإذن الله البحث فيه في بقية مقالات السلسلة.





