
الاحتلال يصادر عقارات قرب الأقصى لتهويده
مايو 18, 2026
وجدت السعادة الحقيقية
مايو 18, 2026
جان بول
أحد المسلمين الجدد من دولة الجابون
خلف نافذة مكسورة في حي “مازوكا” بمدينة “ليبرفيل”، هنا في الجابون حيث الرطوبة تخنق الأنفاس، والمطر الاستوائي لا يتوقف عن النقر فوق الأسطح المعدنية كأنه شيطان يقرع الطبول.. قضيت نصف عمري وأنا أتعامل مع الصخر والإسمنت والحديد. أنا مهندس إنشاءات متخصص في ترميم الأبنية الآيلة للسقوط. مهنتي ليست مجرد حسابات للأحمال والضغوط، بل هي صراع دائم مع الجاذبية والزمن. إنها مهنة تمنحك شعوراً زائفاً بالسيطرة؛ تظن أنك إذا وضعت العارضة “X” فوق العمود “Y” بزاوية ميل دقيقة، فستضمن للأرض ثباتاً وللناس حياةً. لكن كيف يثبّت المرء سقفاً فوق رأسه وروحه من الداخل فارغة منهارة؟!!
اليوم كان طويلاً كعمر كامل. كنت في موقع عمل أحاول إنقاذ مبنى مدرسة تصدعت جدرانه. بينما كنت أتفحص الشروخ في الخرسانة باستخدام جهاز “الألتراسونيك”، كنت أشعر أن تلك الشروخ ليست في الإسمنت فحسب، بل فيّ أنا. ما الفائدة من تدعيم الجدران إذا كان المهندس نفسه يفتقر إلى ركيزة يستند إليها؟ في عالمي، كل شيء يجب أن يكون له سبب ميكانيكي، لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه، هكذا علمنا “نيوتن”. لكنني كنت أواجه أسئلة لا تخضع لقوانين الفيزياء. لماذا نحن هنا؟ وإلى أين نذهب حين تصبح أجسادنا مجرد ركام تحت التراب؟
عدت إلى منزلي في “ليبرفيل” منهكاً، غارقاً في طين المواقع وصمت الأسئلة. فتحت هاتفي، كعادتي في الهروب من ضجيج أفكاري، وتوجهت إلى “فيسبوك”. هناك، وسط أخبار السياسة المحلية المعتادة وصور الغابات المطيرة، اصطدمت بمنشور من “مشروع بصيرة الدعوي”،كان يتحدث عن “عظمة وقدرة الخالق ” و”توازن الكون”. قرأت الكلمات بعين المهندس؛ كانت تتحدث عن النسبة والأساس والغاية. شعرت بشيء ما بداخلي لم يكن بسبب رطوبة الجابون. ضغطت على زر الرسائل، وكتبت جملة واحدة: “هل يمكن لمن يبني البيوت أن يفهم أين محل الروح من الجسد؟!”
لم يتأخر الرد. لم يقل لي “أهلاً بك في الإسلام”، ولم يلقِ عليّ دروساً جاهزة. جاء الرد من (المحاور) هادئاً متزناً: “المهندس يعرف أن خلف كل هيكل عظيم فكرة وتصميم، فما بالك بهذا الهيكل البشري المعقد”؟!
بدأت ليلتنا تلك، ليلة الخامس من أبريل، الليلة التي لم ولن تشبهها ليلة في حياتي. بدأت الحوار وأنا أتأرجح على كرسيي الخشبي، والبرق يضيء سماء الجابون من حين لآخر. سألت (المحاور) بحدة المصاب بداء الشك:
“اسمعني، أنا أتعامل مع المادة. إذا فسدت الخلطة الخرسانية، انهار المبنى. أنا لا أؤمن بالغيبيات التي لا يمكنني قياسها بمسطرتي أو حسابها في معادلاتي. كيف تقنعني بإله لا أراه؟”
أجابني (المحاور) بهدوء وحكمة: “يا أخي، حين تدخل مبنى صممه أعظم أشهر المعماريين، هل تحتاج لرؤية المعماري لتدرك عبقريته؟ ألا تكفيك حسابات الأحمال، وتوزيع الضوء، وانسيابية الممرات لتعرف أن هناك عقلاً راجحاً صمم هذا؟ أنت تؤمن بقوة الجاذبية رغم أنك لا تراها، بل ترى أثرها فقط في ثبات مبانيك. الإسلام يدعوك لرؤية أثر الصانع في كمال صنعه”!
توقفت قليلاً. هذه اللغة أفهمها. فكرت في جزيئات الماء التي تتجمع فوق ورق الشجر في غاباتنا، كيف تتكور وتنزلق بنظام هندسي بديع. سألته ثانية: “لكن العالم مليء بالخراب.. أنا أرمم أبنية توشك على قتل ساكنيها.. أين النظام في هذا الظلم والفقر الذي نعيشه في أفريقيا وغيرها من البلاد”؟!
قال (المحاور): “الخراب الذي تراه يا صديقي هو من فعل البشر الذين أخلّوا بقوانين البناء السماوية. الله وضع لنا نظاماً محكماً عادلاً تسير به الحياة على هذا الكون الفسيح، لكننا اخترنا أن نبني وفق أهوائنا. الإسلام ليس مجرد طقوس، بل هو نظام أخلاقي وهندسي لتنظيم علاقتك بالخالق وبالناس. تماماً كما تضع أنت شروطاً صارمة لجودة الحديد والإسمنت لضمان السلامة، وضع الخالق ضوابط لضمان سلامة الإنسان والحيوان وحتى الجماد!
استمر الحوار لفترة، كنت أشعر مع كل إجابة أن هناك باباً يُفتح لي، لم تكن مجرد كلمات، كانت بمثابة عملية لترميم شروخ نفسي من الداخل. سألته عن عيسى وعن التوحيد وعن غاية الوجود. كان (المحاور) يفكك تعقيداتي بمنطق رياضي مذهل. قال لي: “التوحيد هو نقطة الارتكاز الوحيدة التي تجعل كل شيء في مكانه الصحيح. إذا تعددت مراكز القوى في المبنى انهار. وإذا تعددت الآلهة في قلبك، تشتت”.
عند الساعة الثالثة فجراً، توقف المطر فجأة في في بلدتي، وساد صمت مهيب لا يقطعه إلا صوت صراصير الليل. شعرت بوضوح تام، كأنني أنظر إلى مخطط هندسي لفيلا فاخرة بعدما كان مشوشاً بالخطوط المتداخلة. لم يعد لدي أسئلة. كان المنطق قد اكتمل، والقلب قد استقر على “القاعدة الخرسانية” التي كان يبحث عنها!
كتبت لـ (المحاور): “أشعر أنني الآن فقط وضعت حجر الأساس الصحيح. ماذا عليّ أن أفعل؟” جاء الرد سريعاً ومباشرا: “انطق بالشهادتين، ليتحرر المهندس من ضيق المادة إلى سعة ورحابة الإسلام”. في غرفتي، وحيداً أمام شاشة هاتفي، وتحت ضوء مصباحي، نطقت بها: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”.
يا الله! ما هذا الشعور؟!! لم أشعر بهذا الاستقرار أو التوازن من قبل. كان جسدي يرتعش لا خوفاً، بل استقراراً. تذكرت كل المرات التي كنت أخشى فيها من انهيار التربة تحت أساسات مشاريعي، وأدركت أنني اليوم فقط وقفت على “الصخرة الصماء” التي لا تهتز.
قمت وتوضأت كما وصف لي (المحاور). كان الماء البارد على وجهي يغسل بقايا “جان بول” القديم، مهندس الترميم الذي كان يظن أنه ينقذ الآخرين بينما هو الغريق. صليت ركعتين، ولأول مرة في حياتي، لم تكن جبهتي تلامس الأرض، بل كانت تلامس السماء.
الآن، بدأت خيوط الفجر الأولى تلوح في سماء الجابون، وغداً سأذهب إلى موقع العمل، لكنني لن أكون “جان بول” الذي ذهب بالأمس. سأكون المهندس الذي يعرف أن خلف كل جدار يرممه، هناك خالق يحفظ الكون كله بقدرته. سأعمل بإتقان ليس لأنني أخشى سحب رخصتي المهنية، بل لأنني أصبحت أعبد الله الذي “يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”.
لقد انتهى ليل الشك الطويل، وبدأ صباح اليقين. شكراً لـ “مشروع بصيرة” الذي كان سبباً في النجاة في الوقت المناسب. أنا الآن، ولأول مرة، أبني من أجل الحياة الخالدة، لا من أجل مجرد سقف يقاوم المطر لسنوات قليلة. أنا المهندس الذي هداه الله للإسلام بفضله وكرمه وقدرته، وهذا هو أجمل مشروع أنجزته في حياتي..
والحمد لله نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.





