
توغل الاحتلال يتصاعد في ريف القنيطرة الجنوبي بسوريا
مايو 16, 2026
الاحتلال يصادر عقارات قرب الأقصى لتهويده
مايو 18, 2026طبيعة العلاقة مع د. خليل الحية لا تقاس بالمقاييس العادية؛ لأن قصر المدة التي عرفته فيها عن قرب، تغذيها جذور ضاربة في القدم، وتقوم على أركان عتيقة راسخة؛ منها دراسة الشريعة والتخصص في علومها، والانخراط في مشروع الأمة الكبير. لكن العجيب في هذه العلاقة، وأنا أسترجع مشاهدها القليلة الكبيرة، وجدتها كانت تدور حول موضوع واحد من زوايا مختلفة، وهو موضوع الشهادة.
أذكر أنه قال بعد تعزيتي للقائد الشهيد إسماعيل هنية في أولاده وأحفاده: “هذه ليست الحالة الأولى عندنا، وهي صورة متكررة في العامة والقادة”، وعندها كلمني عن استشهاد ولديه حمزة الذي استشهد في 2008 قبل أن يتزوج، ثم أخيه الأكبر أسامة الذي استشهد مع زوجته وثلاثة من أولاده في عدوان 2014.
ثم جاءت قصة التوائم الثلاثة: همام وعزام وعز الدين؛ حيث اختار د. خليل لهم أسماء العلماء والشهداء، إذ يفخر بالتلمذة على يد عالم الحديث وأستاذ التربية والدعوة د. همام سعيد ملحم -حفظه الله-، وذكّر بقادة الأمة وعلمائها شيخ المجاهدين د. عبد الله عزام، ورمز الجهاد والاستشهاد الشيخ عز الدين القسام. وهؤلاء الرموز الثلاثة تخرجوا في الأزهر الشريف، وتحققت بهم القدوة المرجوة في أبناء الشيخ خليل الحية؛ فتسابق التوائم في حفظ القرآن الكريم، ودراسة الشريعة وعلوم السنة، وفي الوقت نفسه كانوا في طليعة كتائب القسام.
بدأ طريق الشهادة مع التوائم بعزام الذي أصيب في 2021 وسافر للعلاج في تركيا ورفض البقاء خارج فلسطين، ثم أصيب عز الدين أثناء “طوفان الأقصى” واستشهد أولاده، وما زال يحتاج إلى رعاية صحية وعلاج. ونظراً لطول مدة حرب الطوفان وتولي د. خليل الحية مسؤولية التفاوض، تشاور التوائم فيمن يسافر لخدمة والديه ورعاية شؤونهما، واستقر الأمر على همام لصغر أولاده، ولعلها تكون استراحة محارب يكمل فيها دراسته العليا التي قطع فيها شوطاً مهماً. لكنه كان يرى أن بُعده عن صفوف القسام وخنادق غزة سيبعده عن طريق الشهادة، أما وقد طلبها بصدق فقد تبعته إلى الدوحة، حيث استشهد في القصف الصهيوني الغادر الذي استهدف قادة حماس في قطر؛ فكتب الله نجاة القادة، وكان لهمام دور رئيس في ذلك، واصطفاه الله للشهادة، ليصبح الشهيد الثالث من أبناء د. خليل، أو الرابع باعتبار الشهيد الحي عز الدين -أتم الله عافيته-.
ومعلوم للجميع أن التوائم بينهم ارتباط من نوع خاص، وكأنهم روح واحدة تفرقت في أجساد مختلفة، ومن هنا نظر عزام لاستشهاد همام بعيداً عن ميدان القتال من زاوية مختلفة، وأخذ يحاسب نفسه على التقصير الذي جعل همام يسبقه إلى الشهادة وهما توأمان تشابهت أعمالهما، وبعد إعمال ذهن وزيادة تدقيق قال عزام: “وجدتها وجدتها! ما سبقني همام إلا من باب بر أمه؛ فإنْ كنا في البر بها سواء، فإن هماماً يسمع ويطيع ولا يلتفت، وأنا أسمع وأطيع وأستفسر أحياناً”، فلله عليَّ ألا أستوضح في قليل ولا كثير. وطلب قبل استشهاده رؤيتها في مكالمة مرئية، واستوثق من تمام رضاها عنه، وطلب منها الدعاء له بالشهادة كما أكرم الله توأمه.
في السادس من مايو الحالي 2026، استهدف جيش الاحتلال عزام ورفيقه حمزة الشرباصي؛ فاستشهد حمزة، وأصيب عزام إصابة بالغة بترت منها ساقه وبقي في حالة حرجة. ولما سمعت بذلك والدته السيدة أم أسامة -خنساء هذا العصر- قالت: “يا رب إن عزاماً قد طلب الشهادة، فحقق مراده”. وفي اليوم التالي أكمل الضلع الرابع في مربع الشهادة من أبناء خليل الحية، وهنا قالت أمه: “على هذا ربيته وعند الله احتسبته”، وجددت المثل الأعلى الذي ضربته الخنساء الأولى الصحابية الجليلة. وكذلك كان رد فعل شقيقته -المقيمة في غزة أيضاً- حيث قالت: “عزام جدير بالشهادة وكانت أمنيته”، وجدير بالذكر أن زوجها مصاب إصابة شديدة وهي التي تقوم على رعايته، ولو طلب والدها أن تُنقل هي وزوجها بطائرة طبية للعلاج في الخارج لكان ذلك.
هذه الأمثلة الحية من أسرة خليل الحية تدحض شبه المتخرصين الذين قالوا إن أبناء القادة في الفنادق، وإذا بهم يستشهدون في الساحات والخنادق، بل إن الشهيد عزام الحية لما ترقى إلى درجة مدرب في قوات النخبة، اشترط ألا يحول التدريب بينه وبين صفوف الاشتباك وخطوط التماس، وأن يكون مكانه في مقدمة الصفوف الأولى.
استهداف أبناء القادة متعمد مقصود، وسيسجل التاريخ على قتلة الأنبياء أنهم أول من سعى لاغتيال المفاوض ثم استهداف أولاده، لكن غاب عنهم أن قادة المقاومة لا يفرقون بين أولادهم وأبناء شعبهم، ولا يفتُّ هذا في عضدهم؛ فقد رأينا القائد المكلوم صامداً، وبعد يومين من استهدافه واغتيال ابنه كان مفاوضاً شامخاً.
كنا قد تذاكرنا بعد استشهاد همام طائفة من أخباره وتنافسه في الخير مع عزام، فلما ذهبت لتعزيته في عزام الشهيد الرابع انعقد لساني، ولم تطاوعني الحروف واستعصت علي الكلمات، وتذكرت كيف وضع د. خليل خارطة الطريق لأولاده من لحظة اختيار الأسماء لهم، وفطن عزام إلى رمزية اسم شيخ المجاهدين، وبالفعل سمى ابنه عبد الله عزام خليل الحية، وسار على خطى الشيخ الشهيد، فأكرمه الله بما تمناه.
كنت قد عزمت على التعزية في عزام بما عزى به رجل عبد الله بن عباس في والده عندما قال:
اصبر نكن بك صابرين فإنما… صبرُ الرعيةِ بعد صبر الرأسِ
خيرٌ من العباس أجرك بعده… والله خيرٌ منك للعباسِ
لكن ما رأيته من صبر د. خليل وثباته، ونشره الطمأنينة فيمن حوله، وإعلاء قيمة الشهادة، جعلني أجلس متعلماً في دوحة الصبر والرضا، وأستحيي من توجيه الكلام إليه؛ إذ كيف أقول كلاماً لمن فعله فعالاً؟!
وعندما طُلبت مني الكلمة وجهتها للحاضرين؛ لأن مقام والد الشهداء الأربعة لا يُجترأ عليه بتعزية أو تسلية، فقد جعل الله من آل الحية وهنية وأمثالهم نماذج حية على بقاء الخيرية في هذه الأمة، وأن خلافة الحية للسنوار في قيادة غزة هي خلافة عطاء ومكانة، وليست مجرد خلافة قيادة وإدارة، وأن ما قدمه هذا الجيل من تضحيات تُروى مع الأساطير لهو جد جدير بالنصر والتمكين، وظهرت فيه أمارات جيل النصر المنشود.





