
الاحتلال يسيطر على أسطول الصمود ويعتقل ناشطين
مايو 19, 2026
أخطاء في مناسك الحج والعمرة
مايو 19, 2026
د. محمد مورو
رحمه الله*
كان احتلال الجزائر سنة ١٨٣٠ هو خاتمة المطاف لصراع طويل وصمود مذهل لأبناء الجزائر في وجه عشرات المحاولات التي لم تنقطع يوماً، والتي استهدفت دائماً الإسلام في المغرب العربي عامة وفي الجزائر خاصة، وإذا كانت الحروب الصليبية على الشرق (فلسطين والشام ومصر) قد بدأت سنة ١٠٩٥ وانتهت ١٢٩٤م، أي استمرت قرنين من الزمان ثم سكنت خمسة قرون كاملة منذ ١٢٩٤ وحتى ١٧٩٨م “تاريخ مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر”، فإن الحروب الصليبية التي استهدفت المغرب العربي عموماً والجزائر خصوصاً بدأت قبل الحملات الصليبية على الشرق واستمرت أثناءها ثم تواصلت بعدها بدون انقطاع إطلاقاً.
وواجهت فيها بلاد المغرب العربي عامة والجزائر خاصة جميع ألوان وأشكال وأجناس وأساليب الحروب الصليبية، وحظيت الجزائر فيها بالنصيب الأكبر على مستوى كم الحملات ونوعها وعلى مستوى صمودها المذهل والطويل والفظ.
والجزائر وحدها تعرضت لعدد من المحاولات الأوروبية عامة والإسبانية خاصة في الثلاثمائة عام الأخيرة قبل احتلالها تعد بالعشرات؛ فهناك الحملة الإسبانية على (بجاية) ثم الصراع على تلك المدينة ثم تحريرها من الإسبان سنة ١٥٥٨م، ثم القتال في مدينة مستغانم سنة ١٥٥٨ إلى أن تم تحريرها من الإسبان وهزيمتهم فيها سنة ١٥٦٠، ثم مساندة الأسطول الجزائري لثورة المسلمين في الأندلس سنة ١٥٦٩، ثم قيام الأسطول الجزائري سنة ١٥٧٨ بغزو إسبانيا ذاتها في شواطئها الشرقية والجنوبية فدمر منشآتها وأسر وسبى الحاميات الإسبانية فيها، ثم الهجوم في نفس العام على جزر البليار وتدمير منشآتها. ثم نزول الجنود الجزائريين في برشلونة سنة ١٥٨٢م ثم جزر البليار مرة أخرى، ثم تعرض الجزائر للأعمال العدوانية الإنجليزية سنة ١٦٢٠م. ثم عدوان فرنسا سنة ١٦٦٤م، ١٦٨٢م ثم قتال الإسبانيين في مدينة وهران لمدة ثلاث سنوات من ١٧٠٥م إلى أن تم تحريرها سنة ١٧٠٨، ثم التعرض للحملة الإسبانية الكبيرة ١٧٣٢م، ثم تدمير أكبر حملة إسبانية على الجزائر سنة ١٧٧٥م، ثم تحرير وهران من الإسبان وانتصار الإسبانيين نهائياً سنة ١٧٩١م.
وبالطبع تخلل ذلك عشرات العمليات البحرية وظهر عدد المجاهدين الكبار مثل عروج وخير الدين بربروس ثم حسان خير الدين ومحمد صالح رايس، الذين تركوا بصماتهم على ذلك الصراع الدموي الطويل.
إذن فاحتلال الجزائر سنة ١٨٣٠ لم يكن إلا آخر حلقة من حلقات الصراع مع الصليبيين على أرض الجزائر المجاهدة. وإذا حاولنا أن نرسم صورة للجزائر قبيل الاحتلال الفرنسي لنعرف ماذا فعل بها هذا الاحتلال البغيض نجد أن جزائر ما قبل ۱۸۳۰ كانت قد بلغت تطوراً اجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً كبيراً؛ فالجزائر كانت تمتلك قوة عسكرية تقدر بـ٣٠ ألف بحار من أكفأ رجال البحر، وكان الأسطول الجزائري يتكون من ۷۲ قطعة حربية كبيرة و١٤٠ سفينة متوسطة الحجم، وكان لها الهيمنة الكاملة على حوض البحر المتوسط ولم تكن أية قوة بحرية أخرى تملك أن تبحر أو تتجول في ذلك البحر إلا بعد دفع الإتاوة للجزائر وإلا فالعقاب ينتظرها. ولم يُستثنَ من هذا الأمر أحد حتى أولئك الذين أخذوا إذناً بذلك من الخلافة العثمانية مثل فرنسا لم تكن الجزائر تعترف به وكانت كل من إنجلترا وفرنسا والدانمارك وهولندا وسردينيا والبرتغال والسويد والنرويج وهانوفر وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية تخضع لهذا التقليد.
وكان عدد سكان الجزائر في ذلك الوقت عشرة ملايين نسمة، وسكان العاصمة ٥٠٠ ألف نسمة، وكان هناك تقدم زراعي وصناعي وتعديني مشهود في الجزائر، وكان كل جزائرى يعرف القراءة والكتابة وبعضهم يحفظ القرآن أو يتخصص في العلوم الإسلامية أو الدنيوية، عن طريق آلاف المدارس والمعاهد المنتشرة والتي كانت تدار بأموال الأوقاف، وكانت جميع مراحل التعليم مجانية (الابتدائي.. الثانوي العالي) على نفقة الأوقاف، وكان أغنياء الجزائر وفقراؤها يتبارون في وقف الأموال على التعليم، ويكفي أن تعرف أن قسنطينة كانت تضم ٨٦ مدرسة ابتدائية سنة ١٨١٠م، وعلى المستوى الاقتصادي يكفى أن تعرف أن معظم الدول الأوروبية كانت مدينة للجزائر؛ بل وفرنسا ذاتها كانت مدينة للجزائر بـ ٧ مليون فرنك سنة ١٧٩٨.
ما أن وطأت أقدام الفرنسيين أرض الجزائر المجاهدة سنة ١٨٣٠ حتى عملوا كل ما يستطيعون من أجل القضاء النهائي على تلك الأمة المجاهدة، التي صمدت وقاومت وحاربت أكثر من ألف عام متصلة بلا انقطاع ضد أوروبا الصليبية، وكان الفرنسيون يعرفون عناصر القوة في تلك الأمة المجاهدة فراحوا يضربونها ويحاولون اجتثاثها من جذورها بلا هوادة ولا رحمة؛ بل بفظاعة وقسوة منعدمة النظير.
كان في مدينة الجزائر وحدها سنة ١٨٣٠ أي سنة الاحتلال الصليبي الفرنسي مائة وستة مساجد، وعندما حرر المسلمون الجزائريون بلادهم سنة ١٩٦٢ لم يكن في عاصمة الجزائر أكثر من ثمانية مساجد فقط، أي أنه اختفى ٩٨ مسجداً من التي كانت موجودة، ومُنع أيضاً بناء مساجد جديدة. في سنة ١٨٣٢ صرح “روفيفو” الحاكم الفرنسي للجزائر: “أنه يلزمني أجمل مسجد في المدينة لنجعل منه كنيسة للمسيحيين”. وخاطب رجاله قائلاً: “عجلوا بذلك فجامع كتشاوة كيجاده وهو أجمل مسجد في المدينة وأكبرهم. يجب أن يتحول إلى كنيسة. وعلم المسلمون الجزائريون بنية الاحتلال فاعتصم منهم أربعة آلاف بالمسجد لحمايته بأجسامهم وأقفلوا الباب عليهم، وفي ١٨ ديسمبر ١٨٣٢ حضرت قوات من المدفعية والمشاة الفرنسيين وأحاطوا بالمسجد، وقامت فرقة من حاملي الفؤوس الفرنسيين بكسر أبواب المسجد وقامت أيضاً القوات الفرنسية باقتحام المسجد وإطلاق النار بوحشية على الأهالي الآمنين في مسجدهم وقتل جميع من في المسجد من المسلمين، وطلي الجامع بدمائهم، وجاء القساوسة وقاموا بتلاوة أناشيد الغفران على أشلاء المسلمين الممزقة، وتم تحويل المسجد إلى كنيسة عرفت باسم “كنيسة سان فيليب”. وحدث الشيء نفسه في كل المدن الجزائرية. وتحولت المساجد إلى كنائس أو اصطبلات للخيل أو ثكنات للجيش والشرطة.
وإذا كان المسجد هو محور الحياة الإسلامية، وهو النواة الطبيعية التي تلتف حولها عمليات المقاومة أو الصمود.. فإن الاستعمار الفرنسي الصليبي كان يدرك أهمية تدمير ذلك المحور وتلك النواة حتى يدمر حيوية شعب الجزائر المجاهد الصامد، ويلغي من تكوينه النفسي كل ملامح الصمود وبوادر المقاومة.
وكان الشق الثاني في عملية التدمير البشعة هو قتل وإبادة الشعب الجزائري، أو ما أمكن منه عقاباً له على أكثر من ألف عام من الجهاد ضد الصليبيين، ولزرع الخوف والرعب في قلوب هذا الشعب. لنقرأ ذلك في التقارير الفرنسية نفسها والتي نقلها الأستاذ بسام العسيلي في سلسلته الرائعة عن جهاد شعب الجزائر في أحد تلك التقارير الرسمية الفرنسية: “بناء على تعليمات القيادة الفرنسية خرجت قوة من الجنود في مدينة الجزائر، وانقضت قبل الفجر على أفراد القبيلة وهم نيام في خيامهم، فذبحتهم جميعاً دون أن يستطيع أحد الدفاع عن نفسه، وقد لقي الجميع حتفهم دونما تمييز بين رجل وامرأة أو طفل، وعاد الفرنسيون من هذه الحملة وهم يحملون رؤوس القتلى على أسنّة الرماح.
وجاء في تقرير فرنسي آخر: “بيعت كل الماشية إلى قنصل الدانمارك، وعُرضت بقية الغنائم للبيع في سوق باب عزون في عاصمة الجزائر ذاتها، ووُزع ثمنها على ذابحي أصحابها، وفي ليل ذلك اليوم أصدرت الشرطة الفرنسية أمرها إلى أهل المدينة بإضاءة الأنوار في الحوانيت علامة على الابتهاج”.
وجاء في تقرير إحدى اللجان الرسمية الفرنسية: “لقد ذبحنا أناساً كانوا يحملون إجازات بالتنقل، كما قضينا على مناطق بأكملها اتضح فيما بعد أن ضحايانا فيها أبرياء، رجالاً عُرفوا بالقداسة بين عشيرتهم وآخرون لا تنقصهم صفة الاحترام بين ذوي قرابتهم لمجرد أنهم مثلوا أمامنا سائلين الرحمة بزملائهم، وقد وجدنا قضاة ليحكموا عليهم ورجالاً متمرنين لشنقهم”.
وكتب الماريشال سانت ارنو إلى أهله: “إن بلاد الجزائر بلاد بديعة، وهي من أجمل ما رأيت، وقراها متقاربة وأهلها متحابون، لقد أحرقنا كل شيء فيها ولم نترك شيئاً لم ندمره، لقد ذهبت إلى أفراد قبيلة “التبراز” فأحرقتهم جميعاً ونشرت حولهم الخراب، وأنا الآن عند السنجاد أعيد فيهم الشيء نفسه ولكن على نطاق أوسع”.
وكتب مونتيناك في كتاب له أسماه (رسائل جندي): “لقد كانت مذبحة شنيعة حقاً، كانت المساكن والخيام في الميادين والشوارع والأفنية التي انتشرت عليها الجثث في كل مكان. وقد أحصيناهم في جو هادئ بعد الاستيلاء على المدينة؛ فكان عدد القتلى من النساء والأطفال ألفين وثلاثمائة، أما عدد الجرحى فلا يكاد يُذكر لسبب بسيط هو أننا قتلنا جرحاهم أيضاً”.
وكتب القائد الفرنسي الكونت هيريسون: “فظائع لا مثيل لها، أوامر بالشنق تصدر عن نفوس كالصخر يقوم بتنفيذها جلادون قلوبهم كالحجر، وكنا نقوم برمي الأهالي بالرصاص أو نقتلهم بالسيف، وذلك بدون جريره فعلوها، إن الميل إلى سفك الدماء وحب التعذيب وإزهاق الأرواح جملة وإبادة القرى والقبائل وإحراق البيوت والتمثيل بالموتى والإجهاز على الجرحى، والفتك بالأطفال والشيوخ والنساء والاتجار بأعضائهم المبتورة وحُليهم ومتاعهم الغارق في دمائهم، هذا الميل وتلك القسوة لم تكن تُشبع أو تُرضى. لقد تفننا في ابتكار وسائل أخرى لم يعرفها تاريخ البشرية على كثرة ما حفل به هذا التاريخ من الفظائع والآثام، لقد اهتدينا إلى طريقة جديدة سميناها (جهنم) وخلاصة هذه الطريقة أن يسد الجنود الفرنسيون باب الكهف أو المغارة التي يلجأ إليها الجزائريون بنسائهم وأطفالهم ومواشيهم فراراً من الموت والقتل والإحراق، ثم يشعلوا في بابها ناراً حامية فيختنق القطيع البشري داخل المغارة مع قطعان الماشية، فإذا انبلج الفجر ذهب الفرنسيون لمشاهدة هياكل الثيران والحمير والخرفان، ويظهر أنها اندفعت بغريزتها نحو مخرج الكهف بحثاً عن الهواء الذي انعدم في الداخل فتكدست بعضها فوق بعض وتكومت جثث الرجال والنساء والأطفال بين هذه الحيوانات ومن تحتها، وشوهد رجل ميت وهو جاثٍ على ركبتيه وقد أمسكت يداه قرناً محترقاً وبجواره امرأة ميتة تحتضن بين ذراعيها طفلها الميت، مما يدل على أن هذا الرجل قد اختنق وهو يدافع عن امرأته وطفله اللذين اختنقا أيضاً إثر هجوم الثور عليهما”.
ويصف أحد الجنود الفرنسيين في الجزائر ما حدث قائلاً: “أنها لم تكن عملية استعمارية بل هي حرب إبادة شاملة لشعب بأسره”.
بل إن “بيجو“ الاستعماري الفرنسي المشهور لم يتورع عن القول: “إن عملية احتلال الجزائر كانت أشبه بمرور قوافل الرحالة، الذين يهجمون على بلد ما فيقتلون ويذبحون وينهبون كل شيء“.
وفي كتاب مونتانياك (رسائل جندي) يقول على لسان أحد الجنود الفرنسيين واصفاً ما فعله بأحد الجزائريين: “لقد قطعت رأسه وقبضته اليسرى وقدمت إلى المعسكر شاكا رأسه على حربه معلقاً يده على قضيب بندقية، ثم أرسلناهما إلى الجنرال باراغاي ديلمليار الذي كان في المعسكر القريب منا، وكم كان الجنرال شديد الفرح والسرور”.
أما كريستيان صاحب كتاب “أفريقيا الفرنسية” فإنه يقول في إحدى فقرات الكتاب: “وفي اليوم التالي نزلت الحملة إلى “البليدة” وأحرقت كل شيء في طريقها، وهدمت هذه القرية الجميلة وكان خط النيران المشتعلة في الجبل هو المرشد إلى طريق سير الحملة”.
ويقول الأستاذ بسام العسيلي في كتابه الرائع (جهاد شعب الجزائر) الجزء السابع: “لم تقف جهود فرنسا الحضارية عند حدود أعمال الإبادة المباشرة للجزائريين، إنما تعدتها إلى أعمال الإبادة غير المباشرة، وفي طليعتها إهمال الناحية الصحية ونقل الأمراض والأوبئة إلى الجزائر، ومنها أمراض السل والأمراض التناسلية، ومعروف أن الجزائر لم تكن تعرف مثل هذه الأمراض والأوبئة قبل الاحتلال الفرنسي، ولم يأتِ بهذه الأمراض الفتاكة غير جنود الحملة المكونين من السجناء واللقطاء والمرتزقة، وهكذا فقد رافقت الحملة الفرنسية حملة من الأوبئة المخيفة التي صدرها المجتمع الفرنسي القذر”.
وبالطبع لم تقتصر أعمال الحملة الفرنسية على تحطيم محور المقاومة “المسجد” وعنصر المقاومة “الإنسان” بل تعدت ذلك إلى تدمير البيئة الاقتصادية الجزائرية وتغيير أشكال الحياة الاقتصادية وعلاقات الإنتاج السائدة بصورة تضمن لها إبادة الوجود والمستقبل لشعب الجزائر بحيث يساعد ذلك في تدمير الجزائر حضارياً وسكانياً وإنسانياً، ولذا تم تطبيق مخطط إجرامي لإحراق الغابات والمزارع والحقول والبساتين، وتخريب القرى والمدن وردم العيون والآبار، بحيث أنه لم يمر أقل من أربعين عاماً على الاحتلال إلا وبدأت المجاعات تنتاب الجزائر..
وكان أولها في سنة ١٨٦٧ تلك المجاعة الرهيبة التي حرمت كل شعب الجزائر من لقمة العيش؛ فأصبح الجزائرى يهيم على وجهه جوعاً، مع العلم أن المجاعات هي من الأشياء التي لم يعرفها الجزائر قط بسبب وفرة إنتاجه وكثرة الخيرات الطبيعية فيه. فانظر كيف تحول شعب الجزائر الذي كان يقرض أوروبا الأموال ويصدر لها الغلال بحيث كانت فرنسا ذاتها مدينة له بـ ٧ ملايين فرنك قبل الاحتلال وهي ثمن غلال ومواد غذائية، انظر كيف أصبح جائعاً بعد ٣٨ عاماً من الاحتلال.
وتتابعت الوسائل الفرنسية لتدمير كل ما من شأنه زيادة تماسك أو صمود أو استمرار الشعب الجزائري؛ فامتدت يد التدمير للأوقاف الإسلامية، تلك الأوقاف التي كانت تبلغ ٦٦% من مجموع الأملاك العقارية والزراعية في الجزائر قبيل الاحتلال، وهذه النسبة العالية من الممتلكات الموقوفة ترجع إلى شغف الجزائريين بحبس أموالهم على المساجد والمدارس وطلبة العلم والفقراء والمحتاجين، حتى أنها كانت تحقق الكفاية التامة لكل محتاج أو فقير أو طالب علم. وبسبب هذه الأوقاف لم يكن المجتمع الجزائري يعرف يوماً قبل الاحتلال الفقر أو الحاجة أو الجوع، كما أن أموال تلك الأوقاف كانت تشكل رافداً ضخماً يدعم مسيرة العلم والعلماء. أي: أنها كانت تحقق للجزائر التماسك الاجتماعي والتقدم العلمي في نفس الوقت.
وهكذا كان من الطبيعي أن تمتد إليها يد التدمير الفرنسية، أليست فرنسا تريد تدمير كل عوامل بقاء وتماسك الجزائر؟ وإذا كانت الشريعة الإسلامية هي إحدى العوامل الهامة في توحيد شعب الجزائر، وإذا كان القضاء الإسلامي يحقق الاستقرار الاجتماعي بعدالته ومثله العليا، وإذا كان ذلك من الأمور التي تدعم التميز في الهوية والانتماء وتحقق نوعاً من الصمود أمام جحافل الاستعمار.. فلابد من القضاء على الشريعة الإسلامية وضرب القضاء الإسلامي.. فتم استبدال القضاء الإسلامي بالقضاء الفرنسي، والشريعة الإسلامية أزيحت لتحل محلها شريعة فرنسا. والهدف واضح هو ضرب جذور الشعب واجتثاثها وضرب التماسك الاجتماعي وتحقيق نوع من الغربة الاجتماعية لشعب الجزائر أو ما بقي من شعب الجزائر.
وإذا كان التعليم هو محور الحياة الإسلامية لشعب الجزائر، وإذا كانت اللغة العربية هي عصب التواجد الإسلامي للشعب الجزائري.. فكان لابد من ضرب التعليم عموماً وضرب اللغة العربية خصوصاً. فكان من الطبيعي في سبيل القضاء على شعب الجزائر ودينه وحضارته ولغته وكل مقوماته أن يتم ضرب التعليم في الجزائر؛ فتم إغلاق أكثر من ٢٠٠٠ مدرسة في الجزائر، بل وقتل واعتقال معظم المعلمين والأساتذة والطلبة إذا لزم. ثم تحريم فتح المدارس إلا من خلال إرساليات التبشير المسيحي التي تزايدت في ذلك الوقت ووجدت مرتعاً خصباً لها في ظل حكم الاستعمار. وإذا كان ضرب الأوقاف الإسلامية قد حرم التعليم من رافد التمويل الأساسي فإن الإجراءات التعسفية من الإدارة الفرنسية قد تكفلت باستكمال عملية ضرب التعليم بلا هوادة.
بل وصدور القوانين التي تحرم اللغة العربية، والتي تحرّم أيضاً تفسير القرآن الكريم وخاصة آيات الجهاد، وكذلك تحريم تدريس تاريخ الجزائر وتاريخ العرب وجغرافية الجزائر والبلاد العربية والإسلامية. وتحريم تدريس الأدب العربي بجميع علومه، وتحريم تعليم العلوم التجريبية كالعلوم والكيمياء والطبيعة والرياضيات، ولم يسمح سوى بفتح المدارس الفرنسية وتعليم اللغة الفرنسية أي إعداد شعب الجزائر أو ما بقى منه ليكونوا خدماً في البيوت الفرنسية، أي يعرفون ما يزيد قدرتهم على تلك الخدمة ويلبي حاجات الأسياد. ولك أن تتصور إلى أى مستوى وصل هذا الأمر، إذا عرفت أنه في ٨ مارس عام ١٨٣٨ صدر قرار صريح يقول: “يمنع تعليم اللغة العربية في الجزائر، وأن اللغة العربية لغة أجنبية محظورة”.
وإذا تأملنا كل تلك الإجراءات الفرنسية نجد أن الهدف كان محدداً وواضحاً، وهو إبادة شعب الجزائر وحضارته ودينه ولغته. إبادته بإبادة كل ما من شأنه أن يكون عاملاً للصمود أو التميز. إبادة المساجد باعتبارها محور الحياة الاجتماعية والسياسية للشعب ونواة المقاومة، وإبادة الأوقاف الإسلامية لحرمان العلم من موارده وزيادة رقعة الجوع والفقر، إبادة الشريعة الإسلامية والقضاء الشرعي، إبادة شعب الجزائر عن طريق المذابح والتعذيب ونشر الأوبئة والأمراض، تدمير البنية الاقتصادية ليتحول ما بقي من الشعب إلى جياع عراة، تحريم التعليم عامة واللغة العربية خاصة ليتحول ما بقي من شعب الجزائر إلى جهلة ومغتربين وخدماً لدوائر الاستعمار ليس إلا.
أي المحصلة تدمير الجزائر كشعب وكحضارة وكدين وكلغة، فإذا بقي شيء من شعب الجزائر متمسكاً بأهداف الحياة رغم المذابح والجوع فليكن ما بقي من شعب الجزائر مجرد أفراد لا رابط بينها من دين أو لغة أو قضاء أو قانون، وليكونوا أيضاً جهلاء جياع، فإذا ما تحقق كل هذا وأصبح من بقي من شعب الجزائر هدفاً سهلاً تقوم إرساليات التنصير المسيحى بالتقاطه بأكثر من وسيلة وأكثر من أسلوب.. منها إلقاء الفتات لهؤلاء الجياع، أو اصطيادهم في المدارس الفرنسية ليصبحوا متنصّرين وليس فرنسيين، أي يصبحوا قادرين على أداء دور الخدم في قاع المجتمع الفرنسي.
وفي الحقيقة فإن العلاقة بين الاستعمار والكنيسة علاقة حيوية بل هما شيء واحد في الحقيقة. انظر مثلاً إلى إرساليات التبشير المسيحي التي نزلت إلى الجزائر مع الحملة الفرنسية تلتقط الجياع وتخيرهم بين الإسلام مع الموت جوعاً أو المسيحية مع الطعام. ويحكي الأستاذ بسام العسيلي في سلسلته (جهاد الجزائر) حكاية لها مغزاها في هذا الصدد:
“وذات يوم وقف أحد الجزائريين الجياع أمام باب إحدى الكنائس التبشيرية في وهران وطلب إعطاءه كسرة من الخبز تحفظ له ما بقي من الحياة، وكان الرجل في حالة تثير الرثاء في أقسى القلوب المتحجرة، واستقبله المبشر المحترم! ورحّب به وأدخله المعبد وأخذ يعرض عليه أنواع الطعام الشهية واصفاً لذائذها وفوائدها. ولم يتمكن الرجل من إيقاف لعابه السائل، فهمّ عبر يده ليحظى بشيء من الطعام، ولكن المبشر المحترم! منعه من ذلك، وقال له بصراحة: “لن يأكل هذا الطعام الشهي إلا من دخل الدين المسيحي، وانتابت الرجل رجفة ولم يلبث أن أدار ظهره للطعام وأخذ يسحب رجليه المنهكتين سحباً، حتى إذا ما ابتعد عن باب الكنيسة خر على الأرض فاقداً الحياة”.
ليس هذا فحسب بل إن الكنائس كانت تنتظر نتائج المذابح لتذهب وتأخذ من نجى من الأطفال لتدخلهم في الكنيسة وتقطع صلتهم بالإسلام والعروبة وتنشئهم على المسيحية والفرنسية، في ملاجئ للأيتام تم تجهيزها لهذا الغرض وحده، مثل دار ابن عكنون وبوزريعة في مدينة الجزائر، ودار بطيوه بالقرب من مدينة أرزيو.
بل إن القادة العسكريين كانوا أنفسهم يجمعون الأطفال لهذا الغرض؛ فها هو الجنرال بيجو يذهب إلى الأب “بريمو” ويسلمه دفعة من الأطفال قائلاً: “حاول يا أبت أن تجعلهم مسيحيين”. إن بيجو نفسه كان صريحاً حين أعلن أن “أيام الإسلام الأخيرة في الجزائر قد ماتت ولن يكون في الجزائر كلها بعد عشرين عاماً مِن إله يُعبد سوى المسيح، وإذا ما ارتبنا أن هذه الأرض ستبقى لفرنسا فمن الجلي على الأقل أن الإسلام قد فقدها، إن العرب لن يكونوا لفرنسا إلا حينما يصبحون مسيحيين.
إن الكنيسة الغربية كانت وما زالت في خدمة الاستعمار، أو قُل: إن الاستعمار كان وما زال في خدمة الكنيسة، وإن إرساليات التنصير كانت طلائع الاستعمار الأولى تمهد له الجو بالدسائس ونشر الأفكار الهدامة؛ بل ونشر الرذيلة وتسهيل الانحلال الخلقي، وبالتجسس أيضاً؛ فها هو الأب فوكو إمام أئمة الكنيسة الكاثوليكية يذهب إلى الصحراء ليجمع المعلومات ويرسم الخرائط ويعود بها ليقدمها إلى حكام فرنسا لتسهيل غزو الجزائر، حتى لقد قيل في فرنسا إنه “لولا خريطة الأب فوكو ووثائقه عن المغرب التي قدمها للحكومة الفرنسية لكان احتلال فرنسا للمغرب العربي من الصعوبة بمكان”. وبالطبع لم تجحد فرنسا فضل الأب فوكو فصنعت له تمثالاً ونصبته في حديقة (ليبرتي) بالدار البيضاء سنة ١٩٢٢.
أي أن الكنيسة في حالة الجزائر وكما يقول الأستاذ بسام العسيلي: “لم تقنع بالدعوات الضارعة أو مباركة المحاربين؛ بل سارت في ركاب الاحتلال وتلاحمت معه جسماً وروحاً، وباركت أعماله اللا أخلاقية من الألف إلى الياء”.
والكاردينال لانيجوري يلخص لنا الأمر كله بقوله: “علينا أن نخلص هذا الشعب وأن نحرره من القرآن، وعلينا أن ننشئ أطفالهم على مبادئ غير التي نشأ عليها أجدادهم، إن واجب فرنسا تعليمهم الإنجيل أو إبادتهم”.
الكنيسة هذه المرة في حالة الجزائر لم تبارك الغزو الصليبي أو دعت إليه أو غمست سيوف المحاربين في الماء المقدس كما كانت تفعل في المشرق أيام الحروب الصليبية فحسب؛ بل هي ذاتها حملت السيف وأغمدته في قلوب الجزائريين وشاركت في حرب الإبادة وحرق الغابات والأشجار، وشاركت في عمليات التجويع وموّلت المشاريع الاستعمارية.
ومع كل هذا وبرغم كل هذا صمد شعب الجزائر وتمسك شعب الجزائر بالإسلام وبالقرآن، حتى ولو كان الثمن الإبادة والجوع، ورفض الصليب مع الطعام. ولعل مقاومة شعب الجزائر وصموده تمثل أعظم ملحمة في تاريخ العالم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* محمد مورو، الجزائر تعود لمحمد ﷺ، ط1 (القاهرة: دار المختار الإسلامي، 1992م)، ص39 وما بعدها.





