
بيان إلى المسلمين المخلصين
يونيو 13, 2026
إضراب الأسرى عن الماء
يونيو 15, 2026حوار مع النائب الأستاذ يوسف عجيسة (2/2)
- أي تدخل عسكري صهيوني نحو سفننا هو عدوان غاشم على مدنيين عُزل
- بوصلتنا موجهة نحو شواطئ غزة وهي امتداد لفلسطين لا للاحتلال
- إن مسعانا لا يقتصر على رحلة عابرة بل إلى إرساء ممر مائي حر ومستدام يكسر أطواق العزلة
- لقد سقط القناع وأصبح العالم قادراً على فضح إجرام هذا الكيان المتوحش
- إن المعلومة اليوم لم تعد مجرد خبر يُنقل بل باتت السلاح الأمضى في معركة الوعي
حاوره: م. خالد الأحمر الأنصاري – سفير الشباب في هيئة أنصار النبي ﷺ
مجلة أنصار النبي: أنتم تبحرون في مياه محفوفة بالمخاطر، ما هي ‘الدروع القانونية’ التي أعددتموها لحماية الناشطين والسفن في حال حدوث مواجهة في المياه الدولية؟ وكيف تخططون لتوثيق أي انتهاك قد يحدث؟
يوسف عجيسة: لم يكن إبحارنا يوماً قفزةً في المجهول، ولم نترك هذا الأسطول المهيب فريسةً للصدفة أو مسرحاً لغطرسة محتلٍ لا يرقب في الإنسانية إلاً ولا ذمة. بل على العكس تماماً؛ فكما جهزنا السفن بالمساعدات والدواء، حصّنا أشرعتنا بـ “ترسانة قانونية” صلبة ووازنة، تسير كتفاً بكتف مع التحرك البحري في الأمواج، لتكون الدرع الذي يحمي ظهور المتضامنين، والسيف الذي يقطع دابر أكاذيب الكيان الغاصب.
لقد حشدنا لهذه المهمة فيلقاً قانونياً متخصصاً، أشبه بجيش من خيرة العقول الحقوقية والمحامين الدوليين المنضوين تحت لواء “أسطول الحرية”. إن عقيدتنا القانونية لا تعتمد على رد الفعل المرتجف أو انتظار وقوع الفأس في الرأس، بل تعتمد على الهجوم الاستباقي. مهمة هذا الفيلق هي الرصد، والمتابعة، والتصدي الصارم لأي بوادر انتهاك أو تلميح بقرصنة، بدءاً من هذه اللحظة وقبل أن تعانق سفننا لجة البحر. ولم نكتفِ بهذا الطوق الخارجي، بل مددنا أيدينا لشراكة استراتيجية عميقة مع “مركز عدالة” الحقوقي الشجاع، الذي يمارس نضاله من قلب الأراضي المحتلة. هذه الشراكة العبقرية تمنح حراكنا ذراعاً قانونية قوية وطويلة، تضرب الاحتلال بالحجة والبرهان من داخل أروقة محاكمه، وتعرّي تلك المنظومة القضائية المشوهة التي طالما حاولت التغطي خلف سرديتها الكاذبة لتبرير جرائم الكيان الزائل.
إننا ندرك خبث هذا الكيان وآلته الدعائية الكاذبة، لذلك جعلنا من “التوثيق” الميداني أداة ردع فتاكة. لقد خضع جميع المتضامنين الأحرار لتدريبات مكثفة على أساليب المقاومة السلمية البحتة، لتكون سلميتنا المطلقة هي الرد المزلزل على أي افتراء. إن هذا الاستعداد النفسي والقانوني يهدف إلى وأد مزاعم الاحتلال في مهدها، ونسف تلك الأسطوانة المشروخة التي يروج لها زاعماً وجود أسلحة أو متفجرات. إننا نضع العالم أمام حقيقة واحدة لا لبس فيها: أي تدخل عسكري أو رصاصة تُطلق نحو سفننا، هي “قرصنة بحرية” سافرة، وعدوان غاشم على مدنيين عزل لا يحملون سوى ضمائرهم الحية وحليب للأطفال.
ومن الناحية السيادية، نحن نقف على أرضية دبلوماسية وبحرية لا تشوبها شائبة. يجب أن يعلم العالم أجمع أن بوصلتنا موجهة نحو “شواطئ غزة”؛ تلك الشواطئ التي هي امتداد طبيعي وأصيل للدولة الفلسطينية، وليست قيد أنملة من المياه الخاضعة لسيادة هذا الاحتلال البغيض. هذا التوصيف القانوني الدقيق يلتف كحبل المشنقة حول الرواية الإسرائيلية ويضع الكيان في مأزق الإحراج الدولي؛ فليخبرونا بأي شريعة غاب، وبأي مسوغ قانوني في هذا العالم، يُعطى الحق لجيش باعتراض سفن مدنية سلمية، تمخر عباب المياه الدولية، قاصدة ميناءً فلسطينياً حراً؟
في نهاية المطاف، إن كل هذه التحضيرات القانونية الدقيقة تعمل بمثابة “كاميرا مراقبة حقوقية” عملاقة، ترصد وتسجل وتوثق. ففي ظل وجود هذا الحشد المهيب من البرلمانيين الدوليين والحقوقيين الأحرار، فإن أي حماقة يرتكبها الاحتلال لن تمر بصمت، بل ستتحول فوراً إلى “جريمة نكراء” موثقة بالصوت والصورة والشهود أمام محكمة الضمير الإنساني.
لقد جئنا لننزع الغطاء السميك عن أكاذيب هذا الكيان التي لطالما ضلل بها حكومات العالم، ولنحول كل قطرة ماء ترتطم بسفننا جراء فعل اعتراضي، إلى دليل إدانة دامغ وملف قانوني متكامل، سنسوقهم به أذلة صاغرين إلى محاكم الجنايات الدولية، ليحاكموا بتهم التطهير العرقي، والإبادة الجماعية، والمنع المتعمد لوصول المساعدات الإنسانية.
مجلة أنصار النبي: بعيداً عن المساعدات المادية التي يحملها الأسطول، ما هي الرسالة التي تريدون إيصالها للفلسطينيين المحاصرين في غزة حين يرون أشرعة “أسطول الصمود” تلوح في الأفق؟
يوسف عجيسة: هذا هو الهدف الأسمى للأسطول، ففي جوهر هذا الحراك الكبير، يتجلى الهدف الأسمى لرفع الأشرعة خفاقة فوق سفن هذا الأسطول؛ فهذه المراكب بتواضع حجمها وبساطة إمكاناتها تحمل طموحاً يعانق عنان السماء. إن غاية ما نصبو إليه هو حشد أسطول ضخم، لتشق هذه السفن عباب البحر وتصل، ولو واحدة منها، إلى أهلنا الصامدين في قطاع غزة. لا تزال في ذاكرتنا صورة أولئك الأبطال الذين تسمرت أعينهم نحو الأفق في الموجات الماضية، حين اصطفوا على شواطئ رفح وخان يونس والمنطقة الوسطى وشمال القطاع، يترقبون بقلوب مفعمة بالأمل مَقدم أولى قوافل كسر الحصار.
إن مسعانا لا يقتصر على رحلة عابرة، بل يرمي إلى إرساء ممر مائي حر ومستدام، ممر يكسر أطواق العزلة ويسهل تدفق شريان المساعدات الإنسانية التي يشتد عليها الخناق في ظل حصار لا يمت للأخلاق ولا للإنسانية أو القانون بصلة؛ حصار يفرضه كيان متغطرس استمرأ التوحش. هدفنا أن نبعث برسالة طمأنينة لا تقبل الشك لإخواننا في غزة: أنتم لستم وحدكم في هذا الميدان، ولن نسمح لآلة البطش بأن تستفرد بكم أو أن تمضي في مخططات الإبادة والتطهير العرقي دون رقيب أو حسيب.
لقد أدرك أحرار العالم هذه الحقيقة، فتنادوا من كل فج عميق؛ من أمريكا وأستراليا وأوروبا وماليزيا، جاؤوا ليدكوا حصون السردية الصهيونية الزائفة، ويرفعوا لواء الرواية الفلسطينية العادلة. هؤلاء المتضامنون يحملون بين أضلعهم رسائل السلام والعدل، ويبذرون بذور الأمل في نفوس شعبٍ يأبى إلا أن يحيا بكرامة؛ شعب من أبسط حقوقه أن يبني دولته المستقلة، وأن يمتلك موانئه ومطاراته، وأن يشيد طرقه وسدوده ومستشفياته ومدارسه وجامعاته، ليعيش كما تعيش سائر شعوب الأرض بحرية وازدهار. ونحن بدورنا، كمسلمين وكعرب، نضم صوتنا إلى هذه القافلة الإنسانية ونحن أهلها والأولى بها مستلهمين من عقيدتنا الواجب النابض في المقولة الخالدة: “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” ومن الحديث النبوي: “مَثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّىّ”1. واستناداً لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحُجرات: 9]. وكيف لا ونحن نرى هؤلاء الأبطال في غزة يسطرون أروع ملاحم الصمود لعامين كاملين في وجه آلة إبادة هوجاء، ضاربين للعالم أجمع أروع الأمثلة في الصبر والثبات. إنهم خط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى المبارك، الذي لا يمثل رمزاً للفلسطينيين وحدهم، بل هو قلب نابض لكل مسلم في بقاع الأرض، وإلى جانبه تقف الكنائس شاهداً على قدسية هذه الأرض للمسيحيين أيضاً. ولأجل كل هذا، تتضافر اليوم جهود الأحرار من كل حدب وصوب، مصطفين كالبنيان المرصوص في وجه هذا الكيان الغاشم الفاجر، لدحض أباطيله وفضح جرائمه أمام محكمة الضمير الإنساني. لقد بات جلياً أن الخطر الذي يمثله هذا الاحتلال لم يعد منحصراً في حدود غزة أو فلسطين، بل غدا سرطاناً يهدد أمن المنطقة واستقرار العالم بأسره، مما يجعل الوقوف في وجهه وكبح جماحه واجباً إنسانياً وأخلاقياً لا يقبل التأجيل.
مجلة أنصار النبي: كثيراً ما تنتهي موجات الحماس بانتهاء الحدث، كيف يضمن المنظمون أن يتحول زخم هذا الأسطول إلى حراك دائم لا يتوقف عند موانئ الوصول، بل يستمر كضغط سياسي دائم في العواصم الأوروبية؟
يوسف عجيسة: صحيح، فجوهر هذه الحركية العالمية يكمن في استدامتها وثباتها؛ فنحن لا نتحدث هنا عن هبة عاطفية عابرة بل عن ستة عشر عاماً من النضال المستمر، وعن أكثر من تسع وثلاثين محاولة لكسر قيد الحصار البحري الظالم. لم ولن تتوقف عجلة هذا العمل يوماً، فهو جهد مستدام لا يهدأ، وما يشغلنا دوماً هو ابتكار آليات جديدة، والإبداع في أساليب المواجهة السلمية، وتجديد دماء محاولاتنا المرة تلو الأخرى.
ندرك تماماً، وبكل فخر واعتزاز، أننا في بدايات الطريق كنا نمخر العباب بسفينة أو بضع سفن، خاصة بعد الملحمة الخالدة لسفينة “مافي مرمرة” الأولى، التي اختلطت فيها دماء إخواننا الأتراك الأبطال بمياه البحر، ليرتقوا شهداء في سبيل كسر الحصار، وليكتبوا بدمائهم عهداً جديداً للمقاومة المدنية. ان نضالنا يتجاوز حدود البحر ليمتد إلى الساحة العالمية بجهد إعلامي وحقوقي مكثف يسبق الانطلاقة الرسمية نحو شواطئ غزة. فمن ميناء إلى آخر، تبحر سفننا محملة برسائل الحق؛ وكلما رست إحدى سفننا في ميناء ما كما شهدنا في موانئ الدول الإسكندنافية، وعواصم أوروبا، وصولاً إلى قارة أستراليا تحولت تلك الموانئ إلى ساحات للفعاليات التضامنية الحاشدة. هذه الفعاليات لا تكتفي بالهتاف، بل تسلط الضوء الكاشف على صميم القضية الفلسطينية بكل أبعادها؛ بدءاً من معاناة اللاجئين وحقوقهم، وآهات الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال، مروراً بفضح جرائم الإبادة الممنهجة وحملات التطهير العرقي، وصولاً إلى التنديد بالحصار الخانق، والتأكيد المطلق على حق الشعب الفلسطيني الأصيل في إقامة دولته المستقلة من النهر الى البحر.
ولإنجاح هذه الفعاليات وإيصال صداها واستمراريتها، نحشد طاقات ضخمة حيث تتضافر جهود الجمعيات الأهلية، والمؤسسات المدنية، والأحزاب السياسية، إلى جانب البرلمانيين والدبلوماسيين ورجال القانون والمدافعين عن حقوق الإنسان. هذا العمل الدؤوب والمستدام يمتد لسنوات طوال، وعهدنا الذي لا نحيد عنه هو أنه ما دام هذا الحصار الغاشم جاثماً على صدور أهلنا، وما دام قطاع غزة محاصراً تُمنع عنه قطرة المساعدة، وفي ظل استمرار إغلاق معبر رفح وسائر المعابر والمنافذ الأخرى بإحكام، فإن فتح شرايين الحياة عبر البحر، والانطلاق نحو غزة لكسر هذا الطوق، سيظل من أوجب الضروريات الإنسانية والأخلاقية.
وقد أينعت ثمار هذا الجهد الجبار وباتت ملموسة للعيان؛ فقد رأينا بأم أعيننا كيف تحولت بوصلة الرأي العام العالمي في دول كانت إلى وقت قريب بعيدة عن المشهد. شهدنا هذا التحول في إسبانيا، وبولندا، والمجر، وامتد الأثر ليصل إلى قلب أمريكا وكندا، فضلاً عن التفاعل المتجدد في العالمين العربي والإسلامي. كل هذا الزخم هو من أعظم الآثار التي تركتها هذه المحاولات وأساطيل الحرية، والتي تمتلك تأثيراً زلزالياً في الوعي العالمي، حتى وإن حالت قرصنة الكيان الغاصب واستيلاؤه عليها دون وصولها الفعلي لشواطئ غزة. لقد نجح هذا الأثر العميق في رفع منسوب الوعي الإنساني برمته، حتى بات العالم الحر اليوم يصدح بالحق ولا يخشى فزاعة اتهامه بـ “معاداة السامية” التي طالما استُغلت لتكميم الأفواه. لقد سقط القناع، وأصبح العالم قادراً على فضح إجرام هذا الكيان المتوحش، الذي يستفرد ببطشه بالشعب الفلسطيني الأعزل في قطاع غزة والضفة الغربية المكلومة. ولم يقف جرمه عند هذا الحد، بل امتدت يده الآثمة لتطال المسجد الأقصى المبارك، محاصراً إياه ومستبيحاً قدسيته بقطعان المستوطنين الذين يسعون، في وهمهم، للاستيلاء عليه وتهويده، وفرض التقسيم الزماني والمكاني عليه، في تعدٍّ صارخ على مقدسات الأمة وتاريخه.
مجلة أنصار النبي: في زمننا أصبحت سرعة المعلومة مطلباً ضرورياً، كيف ستستخدمون التكنولوجيا (البث الفضائي، ومنصات التواصل البديلة) لكسر الحصار الإعلامي وضمان أن يرى العالم الحقيقة دون تزييف وتحريف؟
يوسف عجيسة: في هذه المرحلة وجب أن ندرك التحول الاستراتيجي الكبير في مسار الصراع؛ لقد انتهى وإلى الأبد عصر الاحتكار الصهيوني للسردية. إن المعلومة اليوم لم تعد مجرد خبر يُنقل، بل باتت السلاح الأمضى في معركة الوعي. لقد أدركنا في قيادة “أسطول الحرية” أن كسر الحصار المائي لا يكتمل إلا بكسر الحصار الإعلامي، وأن فضح هذا الكيان يتطلب أدوات تتفوق على آلته الدعائية الضخمة التي لطالما سوّقت الوهم وزيفت الحقائق. لذلك حوّلنا كل سفينة من سفن الأسطول إلى محطة إعلامية متنقلة، مزودة بأحدث ما توصلت إليه تقنيات البث الفضائي المباشر والمستقل. إننا نتحدث عن منظومة اتصالات سيادية وعالية التشفير، صُممت لتكون عصية على التشويش أو القطع من قِبل أجهزة استخبارات الاحتلال.
عبر هذا البث، ستكون عيون العالم شاخصةً نحو أشرعتنا على مدار الساعة، ولن تُترك ثانية واحدة في عرض البحر دون توثيق حي ومباشر يشهده الملايين. أيضا نحن نعي تماماً التواطؤ المخزي لكبريات منصات التواصل الاجتماعي التقليدية، وكيف تحولت خوارزمياتها إلى حرس حدود رقمي يخنق المحتوى الفلسطيني ويحجب الحقيقة. رداً على ذلك، قمنا بهجرة جماعية ومنظمة نحو منصات التواصل البديلة، والشبكات اللامركزية التي لا تخضع لإملاءات اللوبيات الصهيونية ولا لسياسات الحجب الرقابية. في هذه الفضاءات الحرة، تتشكل اليوم أضخم جبهة دعم عالمية، تتناقل أخبار الأسطول وتكسر التعتيم بخطوات استباقية. في المحصلة، إن هذه الترسانة التقنية المتقدمة هي درعنا الفتاك. إنها تضمن لنا نقل الحقيقة الخالصة والمجردة بالصوت والصورة، وتقف كحارس يقظ يفضح أي حماقة، أو اعتداء، أو محاولة قرصنة بحرية قد يُقدم عليها هذا الكيان الغاشم ضد المتضامنين السلميين العزّل. في عام 2026، جرائم الظلام لم تعد ممكنة؛ لأن العالم كله سيشاهد سقوط قناع المحتل، على الهواء مباشرة.
مجلة أنصار النبي: لو قُدر لرسالتك أن تصل إلى كل شاب وشابة في العالم يشعرون بالعجز تجاه ما يحدث في غزة، ماذا تقول لهم لتحويل هذا الشعور من تعاطف سلبي إلى فعل مقاوم ومشاركة حقيقية؟
يوسف عجيسة: حين نتأمل المشهد بعد كل تلك المحاولات الجبارة التي عايشناها وشهدنا تفاصيلها، ندرك أننا أمام تحول تاريخي فريد. لقد هبّ الشباب من كل أصقاع الدنيا؛ الغربي والأوروبي، جنباً إلى جنب مع العربي والمسلم، ليرسموا لوحة تضامن عالمية لم يسبق لها مثيل. لم يعد في قاموس هؤلاء مكان للسلبية أو الركون للصمت، بل أضحى الجميع يعملون كخلية نحل لا تهدأ، مستثمرين كل ما أوتوا من قوة، وكل ما تفتقت عنه أذهانهم من إبداع. فمِن مرابطٍ على جبهات التواصل الاجتماعي يوصل صوت الحق، إلى إعلامي يصدح بالحقيقة في شتى المنابر، مروراً بمن يجوبون الشوارع في مسيرات هادرة، وصولاً إلى مبدعين كرسوا طاقاتهم الفكرية لدحض السردية الصهيونية وتفكيك زيفها بالكلمة والحجة البالغة. أمام هذا الزخم، يبرز نداؤنا الدائم والأبدي؛ بألا نجعل من تضامننا مجرد ردة فعلٍ عاطفية مؤقتة، تشتعل فقط حينما تطالعنا مشاهد دماء أهلنا وهم يُقتّلون، أو حين تُدمّر بيوتهم وتُقصف أمنياتهم. إن التفاعل الحقيقي والصادق مع القضية الفلسطينية يجب أن يكون تفاعلاً مستداماً، وحراكاً لا يخبو ولا يفتر، حتى ينتزع هذا الشعب الأبيّ كامل حقوقه المسلوبة، ويتوج نضاله الطويل بنيل استقلاله الفعلي وإقامة دولته الحرة ذات السيادة.
من هذا المنبر، نجدد دعوتنا المخلصة لكل الشباب الطامح للعدالة، أولئك الذين أثلجوا صدورنا بحراكهم الطلابي المهيب في أرقى جامعات الغرب وأمريكا وكذلك في كثير من الجامعات العربية، أن يحيلوا كل أشكال الضغط ومحاولات الحصار الفكري إلى طاقة دافعة لمزيد من الإبداع في العمل النضالي والتحرك الميداني. نحن على يقين أن هؤلاء الأحرار لن يُعدموا الوسيلة، ولن تنفد خياراتهم، بل سيجدون في دروبهم كل معاني الدعم، وسيلقون من كل حرٍ في هذا العالم أصدق آيات المساندة.
قد أثبت هؤلاء الشباب للعالم أجمع أنهم قادرون على اجتراح المعجزات وصناعة الفارق. ويكفينا فخراً أن نرى شابة سويدية في مقتبل العمر، تقف بشجاعتها شوكة في حلق الكيان الصهيوني، حتى اضطر لوضعها ضمن قائمة الشخصيات العشر الأكثر إزعاجاً ومعاداةً لمشروعه. ولم يقتصر الأمر عليها، بل امتد ليشمل صحفيين كباراً وأصحاب برامج “بودكاست” بارزين في الولايات المتحدة، بات الاحتلال يصنفهم صراحةً كألد أعدائه؛ وما هذا الانزعاج الإسرائيلي إلا دليل قاطع على نجاعة هذا الحراك وقوة تأثيره.
إن ثمار هذا الإبداع النضالي لم تتوقف عند الشعوب، بل ارتقى صداها ليطرق أبواب صناع القرار. فها نحن اليوم نرى رؤساء وحكاماً في أوروبا وأمريكا الجنوبية، يتبنون خطاباً سياسياً منصفاً، ويتحدثون بلغةٍ شجاعة لم يكن أحد ليتصور أن تصدر عنهم في الماضي القريب. ويترافق هذا التحول الرسمي مع حراكٍ شعبي دؤوب تقوده الجاليات واللاجئون الفلسطينيون في أوروبا، عبر سلسلة لا تنتهي من المظاهرات، والمحاضرات، والوقفات الاحتجاجية التي تملأ شوارع العواصم الكبرى.
هؤلاء الأحرار، أينما وُجدوا، قد نفضوا عن كواهلهم غبار اليأس، وكسروا قيود الإحباط والقنوط. لقد اختاروا طريق الإبداع اليومي المتجدد في شتى فعالياتهم، لضمان استمرارية هذا الحراك العظيم، ولإيصال الحقيقة الفلسطينية النقية، وصوت الحق الصادح إلى مسامع العالم بأسره.





