
هل ينجح أسطول الصمود الجديد؟
يونيو 14, 2026
مقابلة خاصة مع الدكتور محمد أكرم الندوي (1/2)
يونيو 15, 2026بقلم: محمد سعيد إغبارية – فك الله أسره*
لقد سجل الأسرى الفلسطينيون بلا ريب بتضحياتهم صفحات مشرقة، وقدموا نموذجًا يُحتذى به للنضال وتحقيق الإنجازات وانتزاع الحقوق على مدار سنين الأسر والمسيرة الاعتقالية، ورغم ما تعرضت له من معاناة وحرمان واضطهاد وضغوطات نفسية ومادية، ومحاولات لكسر إرادتهم ومعنوياتهم من قِبل آلة البطش الممثلة في مصلحة السجون ومنظومتها الأمنية إلا أنها تميزت بتمكنها من انتزاع إنجازات ومكتسبات وحقوق من بين شدقي الذئب والمحافظة عليها عبر العديد من الطرق والخطوات النضالية المرحلية منها والاستراتيجية كخطوة الإضراب عن الطعام.
والأسرى الفلسطينيون لا يلجؤون إلى الإضراب عن الطعام إلا بعد أن يقتنعوا تمام الاقتناع أن كافة الوسائل الناعمة الأخرى لم تحمل إدارة السجون على التجاوب إيجابيًا مع مطالبهم. فدومًا كان الإضراب عن الطعام آخر الخيارات، وكان يُنفَق لأجله الوقت والجهد داخليًا وخارجيًا في سبيل الإعداد المحكم والشامل لتأمين أعلى فرص النجاح له.
غير أن ما ميَّز الإضراب عن الطعام عام 2019م أن انفرد عشرة أسرى عن زملائهم الأسرى المضربين باستحكام القناعة لديهم أن الإضراب عن الطعام لم يعد فعالاً كما كان في السابق لتحقيق المطالب بفترة زمنية معقولة، ومعرفتهم بمدى سيطرة الإدارة عليه، وقدرتها على إدارته بثقة عالية، وبأقل الخسائر من طرفها، وعلى حساب معاناتهم هم، وتحت عيونهم الشامتة.
فأراد هؤلاء الأسرى العشرة أن يقصروا مدة معاناتهم الطويلة عن الطعام، فبدل أن يضربوا عن الطعام 20 أو 30 أو 40 يومًا، وربما أكثر، كما حدث في إضراب عام 2017م الذي قاده المناضل مروان البرغوثي1 اعتزموا تبني الوسيلة الأكثر تضحوية والأشد معاناة، وهو الإضراب عن الماء، اجتهادًا منهم أنه من شأنه أن يدخلهم إلى حالة الخطر في بضعة أيام قليلة، مما يجبر الإدارة للتعاطي إيجابيًا مع مطالبهم في غضون فترة قصيرة.
وقام الباحث هنا مدفوعًا بإيمانه العميق وبما يوجبه الضمير وتقتضيه الأمانة بتسجيل أسمائهم، أسماء من بادروا ونحتوا وصنعوا بدمهم وآلامهم ومعاناتهم التجربة الأولى غير المسبوقة في سبيل كرامة الأسرى كافة، وبصرف النظر عن حكم الباحث القيمي والأخلاقي والموضوعي به، بل تسجيلها بفضل ما تميزوا به من روح تضحوية عالية في أنصع صفحة من كتاب تاريخ نضال الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة.
وأسماء هؤلاء الأسرى على النحو التالي:
- أحمد رشاد السكني غزة – حي الزيتون.
- ياسر محمود أبو حمد غزة – خانيونس.
- رمضان عيد مشاهره القدس – جبل المكبر.
- فهمي أسعد أبو صلاح غزة – بيت حانون.
- محمود عامر نصار نابلس – مأدما.
- محمود عبد الغفار مفارجه المثلث – الطيبة.
- عبادة أبو راس القدس – بيرنبالا.
- عودة فريد حروب الخليل – دير سامت.
- بهاء الدين العدم الخليل – دير سامت.
- محمود إسماعيل حروب الخليل – دير سامت.
والأسيران اللذان ابتدآ الإضراب عن الماء هما: الأسير أحمد السكني، والأسير ياسر أبو حمد؛ حيث كان ذلك في شهر مارس (آذار) 2019م، ثم بعد ستة أشهر أي في سبتمبر (أيلول) خاض باقي الأسرى العشرة إضرابهم عن الماء احتذاءً بتجربتهما، واستكمالًا لنفس المطالب، بكلمات أخرى كان خيارهم المعادلة التالية: مركزّ قصير ولا تقطير طويل، أي أنهم يفضلون عذابًا مركزًا لفترة قصيرة، ولا معاناة بالقطّارة لفترة طويلة.
وكان السبب المباشر الذي حمل الاثنين مع باقي الأسرى على الإعلان عن إضرابهم عن الطعام، ثم استكمالهما له بالإضراب عن الماء هو تركيب مصلحة السجون أجهزة تشويش إرسال ضخمة وقوية جدًا، في الأسبوع الأول من شهر مارس (آذار) 2019م، كانت قد استوردتها دولة الاحتلال من بريطانيا بغرض منع الأسرى الفلسطينيين من الاتصال بأهاليهم عبر البلفونات المهربة، وأول قسم زودوه بهذه الأجهزة هو القسم الذي يقطنه هؤلاء الأسرى (قسم رامون)، وكان التشويش قويًا جدًا ومرعبًا جدًا بشكله وقوة تأثيره لدرجة أن تأثيره قد طال إذاعات الراديو المحلية FM، وأجهزة التلفزيون، حتى السماعات اللاسلكية قد تعطلت بالكامل، فكانت هذه الأجهزة المخيفة بحق إعدامًا لكل وسيلة يتواصل بها الأسرى مع ذويهم ومع العالم الخارجي.
غير أن الأمر الأشد رعبًا والأكثر تأثيرًا على قناعات الأسرى هو ما شاع بينهم عن فداحة تأثير هذه الأجهزة على صحتهم، وأن أشعتها قد تتسبب بالإصابة بالسرطان.
وهذا ربما ما يفسر أيضًا قوة الاندفاع وشدة القناعة للذهاب إلى أكثر الوسائل تطرفًا في تضحيتها: الإضراب عن الماء، فكان شعارهم إزالة هذه الأجهزة الفتاكة أو الموت دونها.
فأعلنت مجموعة من الأسرى إضرابهم عن الطعام بعد أيام من إحراق قسم رقم (2)، حيث تم حرقه من الأسرى أنفسهم في 18/ 03/ 2019م، وفي نفس اليوم تطور الإضراب عن الطعام عند الأسيرين: أحمد السكني وياسر أبو حمد إلى إضراب عن الماء.
ثم في تاريخ 24/ 3/ 2019م قام الأسير إسلام وشاحي2 في قسم رقم (4) بسجن النقب بطعن سجان برتبة ضابط وإصابته بجروح خطيرة احتجاجًا على تركيب الأجهزة في قسمهم.
فتباين الفعل بين رامون ونفحة وكان هدفهم واحدًا: إزالة الأجهزة المسرطنة (كما سماها الأسرى)، وفي 25/ 03/ 2019م أُطلق صاروخ من غزة إلى شمال تل أبيب، وتعامل معه إعلام الاحتلال أنه دعم لقضية الأسرى، فبضغط من الفصائل الفلسطينية في غزة، وتدخل الجانب المصري العاجل لخطورة الوضع الآخذ بالتصاعد؛ قدم مكتب رئيس حكومة الاحتلال (نتنياهو) عرضًا وسطًا: تبقى بموجبه الأجهزة مكانها مع تخفيف قوتها، وتركيب تلفونات عمومية في القسمين، دون الدخول في التفاصيل، وكذلك دخل الممثل الأممي ميلادينوف على خط المفاوضات والضغط.
وافق الأسرى على هذا العرض غير أن إدارة السجون لم تلتزم به إلا في شهر أغسطس (آب) 2019م، فتم تركيب أربعة تلفونات عمومية في قسم (1) بسجن رامون، وأربعة في قسم (4) بسجن النقب بعد أن فرض مكتب رئيس الحكومة هذا الاتفاق على مصلحة السجون حيث كان قد أبدى جزء من ضباطها معارضتهم واعتبروه خضوعًا للأسرى الفلسطينيين.
ومع ذلك فإن مصلحة السجون كعادتها بدأت تتلاعب مرة أخرى في تطبيق الاتفاق: فهي لم تقم بتشغيل التلفونات بالرغم من وجودها بالقسم، ولم تخفف من قوة أجهزة التشويش، وصارت تتلكأ وتماطل في تنفيذ الوعود، وبعد أسبوعين من المفاوضات مع قيادات الأسرى، تبين للأسرى أنها لا تزال تماطل، حينها قام الأسرى الثمانية بعد أن رأوا هذا التعنت ومحاولات المماطلة بإعلان إضرابهم عن الماء -مسبوقًا بالطبع بإضرابهم عن الطعام- في شهر سبتمبر (أيلول) 2019م.
وكعادتها مرة أخرى استجابت مصلحة السجون تحت ضغط الإضراب عن الماء بتقديمها حلاً وسطاً هي الأخرى؛ يقضي بإبعاد هذه الأجهزة قليلاً عن مكانها بحيث تخفف من حدتها، وبتشغيل التلفونات ثلاثة أيام في الأسبوع وربع ساعة لكل أسير في كل يوم من الأيام الثلاثة (أحد، ثلاثاء، خميس)، على أن يأخذوا من كل أسير بصمة صوته، وأن يكون الاتصال محصوراً بخمسة أرقام للأهل من الدرجة الأولى فقط، وبشرط أن يفحصها الشاباك ويوافق عليها.
ثم بعد عناء، انتهى الاتفاق بإتاحة الاتصال في ثلاثة أيام بين الأحد والخميس، على أن يبقى مجموع اتصالات الأسير 45 دقيقة فقط.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* محمد سعيد حسن إغبارية، الإضراب عن الماء، ط1، مؤسسة مهجة القدس، غزة، مارس 2023م، ص9-14.
- إضراب قاده القائد مروان البرغوثي في سجن هداريم عام 2017م مع مئات الأسرى، واستمر 41 يومًا، ورفع فيه شعار التليفون العمومي.
إسلام يسري الوشاحي، ينتمي إلى حركة حماس، من قرية مثلث الشهداء، تم اعتقاله في 01/ 12/ 2002م ومحكوم 19 عامًا، وحين تنفيذه للعملية كان باقيًا له سنة ونصف، وقدمت بحقه لائحة اتهام يطلب فيها الاحتلال إضافة من 10 إلى 15 سنة إلى حكمه.





