
استشهاد طفل واعتقالات واسعة بالضفة المحتلة
مايو 13, 2026
دراسة تاريخ مصر الحديث فرض
مايو 13, 2026
الشيخ فرج كُندي
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في ليبيا
نشأ علم الجدل في الوسط الإسلامي في بدايته في عصر الصحابة والتابعين مقصوراً على ما تقتضيه الحاجة من تبيين وتوضيح للحق، ودفع بعض الشبهات أو المفاهيم المغلوطة لبعض نصوص القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية الشريفة، ولم يتناول العقيدة إلا نادراً بسبب معرفتهم للدليل معنى ومبنى مع نقاء فطرتهم.
وعدم إغفال المنهج الجدلي في القرآن الكريم في قصص القرآن الكثيرة، وكذلك ما جاء في جدال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع قومهم أو مع المستكبرين في الأرض.
بعد انتشار الفتح الإسلامي ودخول كثير من الشعوب إلى الإسلام، ومحاولات البعض التشويش على الداخلين في الدين أفواجاً من تلك الشعوب، وظهور حركة الترجمة.. تغير الأمر “وبعد أن تُرجمت الثقافات والعلوم اليونانية والفارسية إلى اللغة العربية، وظهرت مدارس علم الكلام وعُقدت الندوات وأُلقيت المحاضرات في مختلف العلوم والفنون، وانتشرت المذاهب الفلسفية وهب الصراع الفكري بين دعاة الحق ودعاة الباطل؛ تكونت من تلك المجالات الكلامية والآراء الفلسفية ثروة فكرية هائلة”، فتحت الباب أمام اتساع الجدل الذي يتخذ من القرآن الكريم أساساً ومنطلقاً لكل طرف، إما مدافع أو مهاجم.
تعريف الجدل
يمتاز القرآن الكريم بأساليبه البلاغية العظيمة التي تخاطب العقل والوجدان معاً، ومن أبرز هذه الأساليب الأسلوب الجدلي الذي يُستخدم في محاورة الخصوم وإثبات الحق ودحض الباطل بأسلوب مقنع. وقد جاء هذا الأسلوب في القرآن ليواجه أهل الجدل بالباطل ويهدي العقول إلى التفكير الصحيح.
الجدل لغة: هو “اللدد في الخصومة، والقدرة عليها، وقد جادلته مجادلةً وجدلاً، ورجل جدل ومجدل: شديد الجدل”.
الجدل اصطلاحاً: “المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة لإلزام الخصم، أما المجادلة فهي مخالفة تبغي إلزام الخصم بطريق مقبول محدد بين الجمهور”.
“الجدل يرجع بمعناه العام إلى نزعة البيان والإفصاح المودوعة فطرياً في الإنسان، وهو إما لإظهار مبدأ أو تصحيح خطأ أو توجيه مفهوم أو غير ذلك مما جُبلت عليه النفوس البشرية، فالجدل يمثل نزعة إنسانية”.
أهمية الجدل ومكانته
يحتلّ الجدل مكانة بارزة في مجال الدعوة وله مكانة عالية في القرآن الكريم؛ حيث أمر الله تعالى نبيه الكريم ﷺ في عدة مواضع من القرآن الكريم باستخدام المنهج الجدلي في الدعوة إلى الله؛ فكانت الآيات متعددة ومتكررة متنوعة بتنوع المدعوين إلى الله وحالهم ودينهم وأمانتهم.
نذكر منها على سبيل المثال ما يقرب لنا كيف استعمل القرآن المنهج الجدلي في الحوار والاقناع والمحاجة مع الخصوم والمعاندين والمتشككين؛ ليتعلم الدعاة كيفية استخدام المنهج الجدلي في القرآن ومدى نجاعته في تحقيق الإقناع ودعوة الناس إلى دين الله؛ مع تنوع الأسلوب والطريقة في الجدل الموصل إلى الهدف الأساسي وهو الإقناع بحجية الإسلام وأنه هو الدين الحق الذي يجب أن يُتبع. “الجدل في القرآن الكريم له دور كأداة بلاغية وإقناعية لتوجيه الناس، وتقويم أفكارهم، وإقامة الحجة عليهم. فقد نزل القرآن الكريم الجدل بأشكاله المختلفة، سواء كان لإظهار الحق ودحض الباطل، أو لتعليم المؤمنين أساليب الإقناع والحوار، ويظهر القرآن أهمية الجدل كوسيلة لتحقيق الهداية والإصلاح”.
- أمر الله باستخدام المنهج الجدلي في قوله ﴿وَجَـٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ﴾ [النحل: 125]، وقال تعالى: ﴿۞ وَلَا تُجَـٰدِلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ﴾ [العنكبوت: 46].
- كذلك جاء تقرير منهج الجدل القرآني في سياق دعوة الأنبياء، قال تعالى: ﴿قَالُوا۟ یَـٰنُوحُ قَدۡ جَـٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَ الَنَا﴾ [هود: 32]. وقال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِی حَاۤجَّ إِبۡرَ ٰهِـۧمَ فِی رَبِّهِۦۤ﴾ [البقرة: 258]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَ ٰهِیمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَاۤءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ یُجَـٰدِلُنَا فِی قَوۡمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74].
فهذه بعض مجادلات بعض الأنبياء في سياق الدعوة إلى الله تعالى، وبيان طريق الحق بالأدلة المقنعة الواضحة التي تتناسب وحال المدعوين، وفي هذا دليل وهدي للدعاة للأخذ بالمنهج الجدلي بالاقتداء بطريق الأنبياء الكرام وفق هدي القرآن الكريم في الدعوة إلى الله.
- اهتمام الدعاة بالمنهج الجدلي منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم إلى يومنا هذا بوصفه وسيلة مهمة في إظهار الحق؛ لأنه لا يظهر إلا بالجدل والمناقشة، يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله عن المجادلة: “وقد تكون لمسترشد طالب حق لم يبلغه أو بلغه، ولكن عورض ذلك بشبهات فاحتاج إلى جواب تلك المعارضات؛ لأن مجاهدة الكفار باللسان ما زالت مشروعة من أول الأمر”.
أنواع الجدل
وردت مادة “جدل” ومشتقاتها في مواضع عديدة، منها:
١- الجدل بالحق
قال تعالى: ﴿وَجَـٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: 125]، أسلوب يدعو إلى استخدام اللين والإقناع بالحجة لا بالعنف.
٢- الجدل بالباطل
قال تعالى: ﴿یُجَـٰدِلُونَكَ فِی ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَیَّنَ﴾ [الأنفال: 6]، يظهر هذا في أسلوب المشركين الذين يحاجّون النبي ﷺ دون برهان أو دليل.
٣- جدال المعاندين حول رب العالمين
تتجلى هذه الصورة في المعاند الذي جادل إبراهيم في ربه: ﴿ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 258]. يحكي القرآن جدال النمرود لإبراهيم عليه السلام، ويُظهر ضعف الحجج عند أهل الباطل.
أساليب الجدل
قال في (فيض القدير): “وقد ورد الترغيب في ترك المخاصمة؛ ففي أبي داود عن أبي أمامة رفَعه: “أنا زعيم ببيت في ربَض الجنة لمَن ترك المِراء وإن كان محقاً، وأبغض العباد إلى الله تعالى الألدّ الخصِم”. كما في الصحيحين. ولهذا قال داود لابنه: “يا بُني، إياك والمِراء فإن نفعه قليل، وهو يهيج العداوة بين الإخوان”. قال بعضهم: “ما رأيت شيئاً أذهب للدِين ولا أنقص للمروءة ولا أضيع للذة ولا أشغل للقلب من المخاصمة”. فإن قيل لا بد من الخصومة لاستيفاء الحقوق فالجواب ما قال الغزالي: “إن الذم المتأكد إنما هو خاص بباطل أو بغير علم”… وقال بعض العارفين: إذا رأيت الرجل لجوجاً مرائياً معجباً برأيه فقد تمت خسارته”.
“وأسلوب القرآن في الجدل أفضل الأساليب وأنجحها؛ لأنه يستخدم الأسلوب المناسب لكل مقام، وهذه هي المحاجة المحكمة، وكلما كانت أشد إحكاماً كانت أثارها أجدى وأنجع وأشد تأثيراً”.
فالحكمة والأسلوب المناسب لهما الأثر البالغ في التأثير، و”في كل حوار يُتخذ الشكل المناسب للموضوع ولدرجات التوافق والتقارب والاختلاف بين الفرقاء… فليس هناك سور صيني يعزل الحوار عن الصراع”. و”الجدل القرآني يتميز بأسلوبه الراقي والدقيق الذي يعتمد على الحكمة والبيان، مع استخدام الحجج القطعية التي تخاطب العقل والفطرة، وهو أسلوب متكامل يُظهر قوة الحجة الإلهية مثل قوله تعالى: ﴿قُلۡ مَن یُنَجِّیكُم مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ﴾ [الأنعام: 63]، حيث يُقدم سؤالاً للتفكر والتسليم”.
من أساليب الجدل في القرآن الكريم
- أسلوب السؤال الاستنكاري: لتوجيه العقل إلى استنكار الباطل وإدراك الحق.
- أسلوب المقارنة: من خلال عرض القرآن الكريم للحق والباطل في سياقات مقارنة بينهما لتوضيح التباين الجوهري بينهما لاختيار الحق وترك الباطل. قال تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِیرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِی ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُۗ﴾ [الرعد: 16].
- أسلوب الحجة بالمثال: لتوضيح المفاهيم وتقريب المعاني إلى الأذهان حتى تكتمل الصورة واضحة لا غبش فيها، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَ اتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةࣲ فِیهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِی زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبࣱ دُرِّیࣱّ﴾ [النور:35].
- أسلوب الحوار القصصي: من خلال عرض الجدل في إطار القصصي بأسلوب مؤثر وفيه العبر والدروس؛ مثل حوارات سيدنا موسى مع فرعون، وحوار إبراهيم مع النمرود ومع قومه، وكذلك خطاب نوح مع قومه، عليهم جميعاً السلام.
- أسلوب التحدي وأسلوب الإقرار والتسليم.
- أسلوب القلب والمغالطة؛ قال تعالى: ﴿أَمۡ خُلِقُوا۟ مِنۡ غَیۡرِ شَیۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَـٰلِقُونَ * أَمۡ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَ اتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا یُوقِنُونَ﴾ [الطور: 35-36]. هذا يعالج قضية إنكار الخالق سبحانه وتعالى.
وتتصف أساليب الجدل في القرآن -التي تهدف إلى إقناع المخاطب وإقامة الحجة وتوجيه الناس إلى الحق- بأسلوب يراعي الحكمة والتدرج، وتُظهر إعجاز القرآن من خلال عرض الحقائق بأسلوب مؤثر ومقنع، يجعل منه مرجعاً خالداً في فن الحوار والجدل.
أهداف الجدل
يُعد الجدل في القرآن الكريم من وسائل الدعوة المؤثرة؛ فهو يقوم على المناظرة الفكرية والمنطقية لإقناع المخالفين وفق الحجج والبراهين الدامغة والمقنعة. وقد تناول القرآن الكريم الجدل في عدة مواضع من خلال مواجهة تحديات فكرية ومعتقدات مخالفة وتصدى للباطل والانحراف بالبراهين العلمية والمنطقية والحكمة معاً، لهذا نجد أن القرآن لا يهدف إلى التناظر الكلامي بقدر ما يهدف إلى تحقيق استراتيجية عقائدية وتربوية في نفس الوقت.
ومن أبرز أهداف الجدل في القرآن الكريم:
- إثبات الحقائق الإيمانية المتعلقة بالعقيدة: مثل توحيد الله سبحانه وتعالى، والإيمان باليوم الآخر وصِدق رسالة الإسلام، من خلال تبيين القرآن الكريم الدلائل القطعية على ما جاء به أثناء حوار المسلمين مع خصومهم من المشركين العرب واليهود مستخدماً البرهان العقلي، وما نقله عن الأنبياء السابقين.
- تصحيح المفاهيم الخاطئة: يواجه القرآن الكريم المفاهيم المغلوطة التي يحاول معارضوه بثها فيما يتعلق بالعقيدة أو الخلْق أو اليوم الآخر، وكذلك يواجه المفاهيم المغلوطة في جانب الشريعة، مِن أحكام فقهية وما شابه ذلك، يهدف بذلك إلى تصحيح المفاهيم وبيان الحق.
- يهدف القرآن الكريم إلى تعزيز منهج الاستدلال المنطقي:
يسهم الجدل في القرآن الكريم في تنمية القدرة على التفكير المنطقي ولا يقتصر على استخدام المقدمات أو الحجج النصية؛ بل يدعو إلى التفكر والتدبر في الكون والحياة وهو ما يعزز دور المنهج العقلي والمنطقي في الفكر والفهم.
- يهدف القرآن الكريم إلى إظهار ضعف مناهج وأساليب الجدل الفاسدة التي ينتهجها الخصوم ويضعها أمام ميزان الشرع الإلهي.
- يهدف الجدل في القرآن إلى تحقيق السلام المجتمعي سواء المحلي أو الدولي؛ فالجدل القرآني يهدف إلى الحوار مع المخالفين ودعوتهم إلى التعايش السلمي واحترام الأديان والاحتكام إلى البرهان والدليل للوصول إلى الحق.
- يهدف الجدل في القرآن إلى إظهار الحق والعجز البشري أمام قدرة الله تعالى، من خلال مواجهة التحديات من معارضيه، وأن الإنسان عاجز عن الوصول للحقيقة إلا من خلال الوحي الإلهي، ولا يستطيع أحد أن يعارض حكمة الله تعالى.
وللحديث بقية في العدد القادم إن شاء الله





