
المنهج الجدلي في القرآن الكريم (1)
مايو 13, 2026
مئات المستوطنين يقتحمون الأقصى وسط قيود مشددة على الفلسطينيين
مايو 14, 2026
د. محمد مورو
رحمه الله*
دراسة التاريخ فريضة إسلامية، ودراسة التاريخ المعاصر لمصر بالتالي فريضة إسلامية وواجب شرعي تمليه كثير من الظروف، وهذه المهمة تقع على عاتق الطليعة المؤمنة، وإذا كان من المسلّم به أن التاريخ المعاصر لمصر قد تعرض لعملية تشويه مقصودة ومتعمدة من قِبل المدرسة الاستعمارية.. فإن الواجب يصبح أوجب والفريضة تصبح أكثر إلحاحاً.
ومن البديهي أن مسألة دراسة التاريخ المعاصر لمصر هي أحد أهم شروط النصر الإسلامي المرتقب بإذن الله تعالى، ليس لأن التاريخ هو صانع المستقبل، وليس لأن فهم ما حدث سيجعلنا أكثرة قدرة على فهم ما سوف يحدث وبالتالي يجعلنا ندرك خصائص القوى المعادية، ويجعلنا نرتب أولويات مهامنا في اللحظة الراهنة ولأعوام كثيرة قادمة فحسب؛ بل لأن التاريخ المعاصر لمصر هو الذي حدد ملامح اللحظة التي نعيشها ومناخ شكل الصراع في عصرنا اليوم.
ومن نافلة القول: إن دراسة التاريخ المعاصر لمصر مسألة لا يقدر عليها شخص، بل تحتاج إلى مجهود العشرات بل المئات من الباحثين الجادين الذين يحبون بلادهم، ويكرهون أعداءها، والذين هم على استعداد لبذل الجهد العلمي الدءوب من أجل ترسم خطى النضال اليومي للشعب المسلم في مصر.
إن المدرسة الاستعمارية التي قدمت لنا تفسيرها المزيف ورصدها المبتور لحركة التاريخ المعاصر في مصر كانت تقصد ذلك عن سبق إصرار، وذلك لقطع ذلك التواصل الفذ لجهاد شعبنا المسلم في مصر بعضه عن البعض الآخر، وعن مجريات الأحداث في العالم الإسلامي الذي ترتبط مصر به عضوياً بحكم التاريخ والجغرافيا.
كما أن تلك المدرسة أرادت أن تضرب وعي الشعب المسلم في الصميم وذلك لطمس معالم البطولة في تاريخه المعاصر، أو تفسيرها تفسيرًا إقليمياً أو طبقياً أو غيرها من تفسيرات المدارس الاستعمارية، إنا سنضرب عدداً من الأمثلة على تلك الطريقة التي عالجت بها المدرسة الاستعمارية تاريخنا المعاصر في محاولتها الشيطانية لضرب حيوية الأمة والسير بها في مسارات جانبية.
ترى المدرسة الاستعمارية مثلاً:
- أن التاريخ ما هو إلا سلسلة من المؤامرات وأن القوى الكبرى مثلاً هي التي تتحكم بمصائر شعوبنا، وهكذا فإن التاريخ لديها ليس إلا صراعات القوى الكبرى وانعكاسها علينا، ليس إلا تتبع حركة وزراء الخارجية والدفاع في الدول الكبرى، وتسقط تلك المدرسة عن عمد دور الشعب المسلم في صياغة حياته، وجهاده الدءوب الذي لم ينقطع يوماً. وبديهي أنها تريد بهذه الطريقة أن تقول: إن شعبنا المسلم في مصر ليس له إلا دور ثانوي وإن مصيرنا يتقرر في العواصم الكبرى. وبالتالي فليس علينا أن نجهد أنفسنا في العمل، بل علينا أن نقنع هذه العاصمة أو تلك بأهدافنا، أو نلعب على التناقضات بين تلك العواصم، والهدف الأخير من ذلك هو إخراج الشعب المسلم من العملية تماماً.
- تحاول المدرسة الاستعمارية إغفال دور العلماء الشرفاء الذين قادوا الأمة في مواجهة الاستعمار والصهيونية، أو تحجيم دور هؤلاء العلماء، وذلك لأن المدرسة الاستعمارية تدرك أن التلاحم بين الأمة والعلماء هو الطريق الصحيح والوحيد لإنجاز أهداف أمنتنا وتحررها وتقدمها. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى1.
- تحاول المدرسة الاستعمارية دائماً أن تقول إن جهاد الأمة وانتفاضها لم يكونا سبباً في تقليل المد الاستعماري وتحجيمه ولكن العكس، بمعنى أنها تؤدي إلى كوارث وطنية ومصاعب للأمة2.
المدرسة الاستعمارية مثلاً، تصنف القوى السياسية في مصر إلى قوى ديموقراطية وتقصد بها الوفد، وأحزاب الأقلية، والحركة الشيوعية، ثم قوى غير ديموقراطية وتقصد بها: الحزب الوطني، والإخوان المسلمين، ومصر الفتاة، وبديهي أنها تنعي على القوى غير الديموقراطية، وتنحاز إلى ما تسميه القوى الديموقراطية، وأخطر ما في المسألة أنها تحاول التشكيك في قيمة القوى الثانية، وأن تبشر بالقوى الأولى، في حين أن القوى الأولى لم تقاتل الاستعمار إطلاقاً بل استخدمت أسلوب المفاوضات، كما أنها لم تتصدَ للاستبداد إلا بالعمل الدستوري، في حين أن القوى الثانية قاتلت الاستعمار والاستبداد والهدف النهائي هو إسقاط نهج الكفاح المسلح ضد الاستعمار، وبديهي أن الكفاح المسلح هو الأسلوب الوحيد الصحيح لمواجهة الاستعمار3.
***
إننا بإذن الله تعالى نعتمد في دراستنا للتاريخ على ما نسميه “المنهج الاستراتيجي”، وهو المنهج الذي يعتمد على التحليل الموضوعي للأحداث وتقييم القوى السياسية من خلال مجموعة من القيم المتفق عليها، فمن كان مع هذه القيم فهو قد أخذ الموقف الصحيح، ومن كان عكسها فقد أخذ الموقف الخاطئ.
فمثلاً إن قيم الوحدة الإسلامية: الحرية، والجهاد.. إلخ هي قيم إيمانية ومن وقف معها فموقفه صحيح، ومن وقف ضدها فموقفه خاطئ.
وفي حالة مصر المعاصرة، فإن التحديات التي واجهت الشعب المسلم كانت تتمثل في محاولات السيطرة الاستعمارية، وقطع صلة مصر بالعالم الإسلامي، وتدمير البيئة الاقتصادية المستقلة لمصر، وإذابة الشعور المتميز وضرب الشريعة الإسلامية، وإلحاق مصر ثقافياً بالحضارة الغربية.
وعلى ذلك فالقوى الشريفة هي تلك القوى التي تصدت بالكفاح المسلح للاستعمار؛ لأن الكفاح المسلح هو الوسيلة الوحيدة لمواجهة الاستعمار، وهي تلك القوى التي ربطت بين الاستعمار والاستبداد ووقفت مع المستضعفين وهي تلك القوى التي آمنت بالوحدة الإسلامية وانتماء مصر الإسلامي.
وفي الحقيقة فإن التقييم الصحيح والموضوعي لحركة الشعب المسلم في مصر يجعلنا نقسم القوى السياسية إلى معسكرين: قوى إسلامية وقوى استعمارية.
الأولى تقاتل الاستعمار، والثانية تتفاوض معه.
الأولى تنتفض ضد الظلم الاجتماعي، والثانية تكرس ذلك الظلم4.
الأولى تدعم الانتماء الإسلامي لمصر، والثانية تقوم بعملية زرع لقيم الحضارة الغربية في بلادنا .
الأولى تجد جماهيرها في المستضعفين، والثانية في الوجهاء.
الأولى تحاول قطع دائرة الاستقلال الاقتصادي وبناء اقتصاد محلي غير تابع، والثانية تريد إلحاق بلادنا اقتصادياً بالمستعمر.
الأولى تقف مع الحريات وتناضل ضد الاستبداد، والثانية تأخذ موقفاً متردداً من هذه القضايا.
الأولى تتمثل في جماهير ثورتي القاهرة الأولى والثانية ضد الحملة الفرنسية وحركة الجهاد اليومي ضد الوجود الفرنسي في كل مصر، وتتمثل في عمر مكرم وجماهير المقاتلين في موقعة رشيد، وتتمثل في الأفغاني، وعبد الله النديم وأحمد عرابي، ومصطفى كامل ومحمد فريد وعبد العزيز جاويش، وحسن البنا، وأحمد حسين، وسيد قطب، وصالح سرية، وخالد الإسلامبولي، وحافظ سلامة، والثانية تتمثل في الشيخ الشرقاوي، ورياض باشا، ومحمد عبده، وسعد زغلول، ومصطفى النحاس، وجمال عبد الناصر، وأنور السادات.
يخطئ الباحثون خطأ كبيراً حينما يعتمدون في دراستهم التاريخية لمصرنا المعاصرة على أسلوب الوثائق، لسبب بسيط هو أن الوثائق قابلة للتزوير، كما أنها تخضع لسيطرة القوى الاستعمارية، بينما التقييم الاستراتيجي أفضل كثيراً وأكثر وأكثر صدقاً، ولا مانع طبعًا من الاستفادة من الوثائق بشرط وحيد هو أن ندرك أن تلك الوثائق تخرج من دوائر الاستعمار أصلاً، وبالتالي فإن حجب بعضها أو تزوير البعض الآخر أمر وارد تماماً.
إننا نثق ثقة مطلقة في أن الأصل في الكون هو حركة القوى الربانية، وأن حركة القوى الشيطانية ما هي إلا رد فعل لها، وبرغم أن قوى الاستكبار في حالة انتصار الآن، فإن القوى الربانية: المستضعفين – الطليعة المؤمنة هي أقوى جداً، وذلك لأنها تستمد قوتها من الله تعالى، ولأن الإنسان بفضل الله تعالى أقوى من الآلة وأقوى من كل الأسلحة.
إن كل هذه الترسانات من الأسلحة الذرية، وآلاف الطائرات والغواصات أضعف من أن تواجه الإنسان المؤمن، وأن انتصار قوى الاستكبار الآن ليس إلا بسبب عوامل داخلية داخل المعسكر الرباني، وفور أن تقوم القُوى الربانية بواجبها فإن معسكر الشيطان سيتساقط سريعاً بدرجة مثيرة.
الظاهرة الاستعمارية ظاهرة صليبية في الأصل، وتأتي في إطار الصراع الطويل بين القوى الشيطانية والقوى الربانية، ويمكننا اعتبار الاستعمار مجرد حلقة جديدة من حلقات الغزو الصليبي، وليس من الغريب أن يقف أحد القادة الأوروبيين على قبر صلاح الدين الأيوبي محرر القدس قائلاً: “لقد عدنا يا صلاح الدين”5 .
والحقيقة أن التطور الرأسمالي للغرب يعود في مجمله إلى الظاهرة الاستعمارية، على عكس المقولات الشهيرة بأن الاستعمار ناتج عن الرأسمالية، وهو ما أكده عدد من الباحثين من أمثال الأستاذ سعود المولى6، أي أن الرأسمالية نشأت نتيجة تراكم الثروات والخامات و”العبيد” من المستعمرات، ولم يكن غريباً أن معظم كبار رجال البنوك وأصحاب المؤسسات الرأسمالية في الغرب كانوا في الأصل إما تجار رقيق، أو أصحاب مقاهي الأرصفة التي تدار عليها صفقات البيع والشراء “للعبيد” المجلوبين من المستعمرات.
وإذا كان الاستعمار يمثل القوى الشيطانية في عالمنا المعاصر، فبديهي أنه يستخدم أساليب تلك القوى الشيطانية، وهي أساليب الاستبداد والظلم الاقتصادي في نشر الأفكار الاجتماعية المنحرفة والمذاهب الوضعية.
وبديهي أن الاستعمار كان قد استوعب درس الحملات الصليبية الأولى فلم يركز فقط على الغزو العسكري، بل مارس غزواً عسكرياً وسياسياً وثقافياً مكثفاً، وجاء نابليون معه بالعلماء، وتدخل المندوب السامي الإنجليزي في شئون البلاد التعليمية والتشريعية، كما زرع الاستعمار مدارس التغريب ومؤسسات الاغتراب، ونشأت مدارس أدبية ومناهج تعليمية وأفكار مغتربة، كما تم التلاعب في طرق الإنتاج ووسائله بطريقة تخدم الاستعمار. لقد ركز الاستعمار على إفقاد بلادنا شعورها الجماعي وروح الانتماء فيها.. وزرع ثقافته وأنماط فكره وحضارته ولغاته فينا، كما دمر كل صناعة وطنية محلية تعتمد في إنتاجها على السوق المحلية، وراح يرسم سياسة اقتصادية تربط مصر بالعجلة الاقتصادية للغرب، ولم يتسامح قط في ظهور صناعة محلية منقطعة الصلة إنتاجاً واستهلاكاً عن دوائره الاقتصادية.
الكيان الصهيوني رأس حربة شيطانية
وقد تعمّد الاستعمار أن يزرع الكيان الصهيوني في قلب الأمة ليكون حائطاً بين شرق الأمة وغربها، ولتكون إحدى أهم قوى الشيطان في المنطقة موجودة بداخلها، وجاهزة للعمل دائماً وفوراً خدمةً لمخططات الشيطان، والكيان الصهيوني استغل فرصة رغبة الاستعمار لإقامة رأس حربة شيطانية في المنطقة وقدم نفسه للقيام بهذا الدور، وهكذا التقت رغبة قوتين شيطانيتين.
وفي الواقع أصبح التماس مع الكيان الصهيوني، وهو التناقض الأكبر في المنطقة، بل وأصبح المفتاح لهم كثير من معادلاتها.
ويأخذ الصراع بين القوة الربانية والكيان الصهيوني ورأس الحرية الشيطانية شكله الخاص إذا ما أدركنا أن هناك تناقضاً جوهرياً بين الطليعة المؤمنة وعموم الأمة، وبين رأس الحربة الشيطانية (إسرائيل)، وأن هناك تناقضاً ثانوياً آخر بين الحكومات العربية وبين إسرائيل.
والتناقض الأول لا يحسمه إلا الكفاح المسلح، والثاني يحسم بالمفاوضات أو بالحروب المحددة.
كما أن التناقض الأول لا يحسم إلا بفناء أحد الطرفين، ولا أرضية مشتركة أصلاً بين الطرفين، والثاني يمكن أن يحسم بتحقيق شكل من أشكال التعايش وتبادل المنفعة بين الطرفين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* محمد مورو، تاريخ مصر الحديث من 1798 – 1952، (القاهرة: مكتبة جزيرة الورد، 2006م)، ص19 وما بعدها.
1 مثل عبد القادر الجزائري، عمر المختار، آية الله الشيرازي، عبد الكريم الخطابي، جمال الدين الأفغاني، عبد الله النديم.. إلخ.
2 مثلاً يقول هيكل في كتابه “خريف الغضب”: إن انتفاضة الشعب في مصر في ۱۷ و۱۸ يناير ۱۹۷۷ قد أدت إلى تفكير السادات في زيارة القدس.
3 انظر كتاب د. عبد العظيم رمضان “تطور الحركة الوطنية في مصر”؛ حيث قسّم القوي على النحو المذكور.
4 وكذلك الانتفاضات الفلاحية في قرى الريف المصري 1950-1951، انظر کتاب محمد مورو: “دور الحركة الإسلامية في تصفية الإقطاع”، دار البحوث العلمية، ۱۹۸۰.
5 اللورد اللنبي.
6 مجلة الطليعة اللندنية، ١٩٨٤.





