
شَعْبَانُ التَّهْيِئَةِ.. وَرَمَضَانُ البَعْث
فبراير 8, 2026
نَبِيٌّ يُكْرِمُ النِّسَاء ﷺ
فبراير 9, 2026د. إسماعيل رفعت
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في ألمانيا
من أخطر مظاهر الانحراف في الخطاب الديني المعاصر تضييق دائرة الرحمة، والتوسع في إطلاق أحكام التضليل والتبديع والتكفير، حتى غدا بعض المنتسبين إلى الدعوة أحرص على إخراج الناس من دائرة السنة أو الإسلام من حرصهم على هدايتهم أو إصلاحهم.
وهذا المسلك ليس وليد اجتهاد فقهي معتبر، بل هو انحراف عن المنهج النبوي، ومصادمة صريحة لأقوال أئمة الإسلام وقواعدهم المحكمة.
النص النبوي ونقض منطق الغلو
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَال: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَال يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟! أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: “أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ” فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيهِ، قَال: “إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا”، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إلا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةٌ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰۤ أَحَدࣲ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدࣰا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦۤ إِنَّهُمۡ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمۡ فَـٰسِقُونَ﴾ [التوبة: 84]. قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
وهذا الحديث يهدم من جذوره منطق الغلاة؛ إذ يكشف أن الأصل في المنهج النبوي هو الرحمة، وطلب المغفرة، وفتح باب الرجاء، لا المسارعة إلى الإدانة ولا الفرح بسقوط المخالف، حتى فيمن عُرف نفاقه واشتهر أذاه.
وقول النبي قوله ﷺ “لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا” ليس تهاونًا في الدين، ولا تعطيلًا للنصوص، بل هو تعبير صريح عن نزوع نبوي دائم إلى إنقاذ الخلق من الهلاك ما دام باب الاجتهاد مفتوحًا، قبل ورود الحكم القاطع من الوحي.
الرحمة النبوية في مقابل القسوة التحزبية
إن مَن يتأمل هذا الموقف النبوي يدرك بوضوح المسافة الشاسعة بين قلب النبوة وخطاب الغلو؛ فالنبي ﷺ لم يجعل الذنب سلّمًا للإقصاء، ولم يتخذ الخطأ ذريعة للتشنيع، ولم يكن يتلذذ بإعلان الهلاك على الناس، بل كان يتمنى لو أن كثرة الاستغفار تنقذ، ولو أن الإلحاح في الرجاء يُحيي.
أما الغلاة في هذا الزمان، فقد قلبوا الموازين: فضيّقوا ما وسّعه الله، وأغلقوا أبواب الرحمة، وجعلوا التكفير والتبديع شعارًا، وكأنهم أُوكلوا بحراسة الجنة والنار.
وهذا المسلك لا يمتّ إلى المنهج النبوي بِصلة، بل هو أقرب إلى مسالك الخوارج الذين وصفهم النبي ﷺ بقوله: “يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ”.
دعوى التفريق بين مذاهب أهل السنة
ومن أعظم أبواب الغلو في العصر الحديث تحويل خلاف أهل السُّنَّة الداخلي إلى معارك عقدية، فجعلوا من ألقاب: أشعري، وسلفي، وصوفي، وسائل للتكفير أو التبديع، مع أن أهل العلم قديمًا وحديثًا قرروا أن هذه مذاهب سنية لا فرق ضالة.
فهي مدارس في الاستدلال والتقرير، لا فرق متباينة في أصول الإيمان، وقد اشترك أهلها جميعًا في: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتنزيه الباري جل وعلا عن النقائص، وتعظيم الوحيين.
لكن الغلاة من الجميع تجاهلوا هذا الأصل، وصوّروا الخلاف في العبارات والمناهج على أنه اختلاف في المعبود، وهو بهتان عظيم.
أقوال الأئمة في نقض التكفير والغلو
وقد سار أئمة الإسلام على هذا المنهج النبوي، ومن ذلك ما رواه الذهبي عن أبي الحسن الأشعري رحمه الله أنه قال قبيل وفاته: “اشْهَدْ عَلَيّ أَنِّي لَا أُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَّ يُشِيرُونَ إِلَى مَعْبُودٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ اخْتِلَافُ الْعِبَارَاتِ”.
وعقّب الذهبي رحمه الله بقوله: وَبنحو هَذَا أَدين، وَكَذَا كَانَ شَيْخُنَا ابْنُ تيمِيَّة فِي أَوَاخِرِ أَيَّامه يَقُوْلُ: أَنَا لَا أَكفر أَحَداً مِنَ الأُمَّة، ثم استدل بقول النبي ﷺ: “لَا يُحَافِظُ عَلى الْوضُوء إِلَاّ مُؤْمِنٌ” فَمَنْ لَازَمَ الصَّلَوَاتِ بوضوءٍ فَهُوَ مُسْلِم”.
كما قرر الذهبي قاعدة فاصلة تقطع مادة الغلو من أصلها بقوله: “وَلَوْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ -مَعَ صِحَّةِ إِيْمَانِهِ، وَتَوَخِّيْهِ لاتِّبَاعِ الحَقِّ- أَهْدَرْنَاهُ، وَبَدَّعنَاهُ، لَقَلَّ مَنْ يَسلَمُ مِنَ الأَئِمَّةِ مَعَنَا، رَحِمَ اللهُ الجَمِيْعَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ”.
وهذه النصوص مجتمعة تمثل حائط صد أمام كل خطاب يوسّع دائرة التكفير أو التبديع باسم السنة أو السلف أو الدفاع عن مذهب.
المنهج الحق في مواجهة الغلو
إن الداعي الحق ليس من يكثر من إسقاط الناس، ولا من يفتش عن الزلات، ولا من يتخذ الخلاف مطية للفرقة، بل هو من: يلتمس طرق الهداية، ويفرق بين الخطأ المكفِّر والخطأ الاجتهادي، ويجمع القلوب على الأصول، ويزن الخلاف بميزان العلم لا بميزان العصبية.
أما المتحزب الغالي، فأول ما يسقط منه روح الرسالة، وأول ما يخسره الاقتداء الحقيقي بالنبي ﷺ مهما أكثر من الشعارات وادعى الانتصار للسنة.
إن الغلو والتكفير ليس حمية للدين، بل جناية عليه، وليس نصرة للسنة، بل تشويه لها.
والمنهج النبوي، كما دل عليه النص الصحيح، وكما قرره أئمة الهدى، هو الجمع بين الرحمة والبصيرة، وبين حفظ العقيدة وصيانة الجماعة.
والواجب على الأمة أن تعتصم بحبل الله جميعًا، وأن تحذر من المسالك التي تمزق الصف، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].





