
حين أضاء الفجر نافذتي لأول مرة
فبراير 7, 2026
الرحمة النبوية بين الرجاء الشرعي والانضباط العقدي
فبراير 9, 2026د. محمد الناهي
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي في اليمن
أبوابُ السماءِ بدأت تُفتَحُ لموسمٍ ليس في العام مثله، موسمٍ تتبدّل فيه المقاييس، وتُكتَب فيه الأعمار من جديد، ويُعاد فيه ترتيب الإنسان من الداخل.. إنَّه رمضان.
لكنَّ رمضان لا يهبط على القلوب فجأة، ولا يزهر في النفوس بقرارٍ متأخّر، بل يُبنى في شهرٍ يغفل عنه كثير من الناس: شعبان؛ شهر الإعداد، شهر الصدق مع الله، شهر بناء القلوب قبل أن تنزل عليها مواسم الرحمة.
وليس شعبان في ميزان النبوّة شهرًا عابرًا بين موسمَين، بل هو المختبر الذي تُعاد فيه صياغة القلوب، والمحراب الذي تُشحَذ فيه الإرادات، والبوابة التي لا يدخل رمضان إلا من خلالها.
وفي عالمٍ تمزّقه الجراح من غزّة إلى اليمن إلى السودان، وتُعاد فيه خرائط الخذلان والتطبيع، تصبح تهيئة القلوب مسؤولية، ويغدو استقبال رمضان مشروع أُمّة لا عبادة أفراد.
ومن منطلق أنَّ إحياء هدي النبي ﷺ في شعبان واستقبال رمضان هو إحياءٌ للقلوب، وبعثٌ للأمّة، وتصحيحٌ لمسار العلاقة بين العبادة والرسالة؛ نقدّم هذا المقال، راجين من الله أن يجعل هذه الصفحات نورًا في البصائر، وبذرة يقظة في القلوب.
شَعْبَانُ النُّبُوَّةِ.. وَرَمَضَانُ الأُمَّة
كيف نُحْيِي هَدْيَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَمَضَان؟ رمضان يبدأ من شعبان.. ولم يكن شعبان في حياة النبي ﷺ شهرًا عاديًا بين شهرين، بل كان جسر العبور إلى رمضان، وميدان إعدادٍ شاملٍ للروح والقلب والأمة.
قالت عائشة رضي الله عنها: “كان رسول الله ﷺ يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلًا”.
وقال ﷺ مبيّنًا سرّ هذا الإكثار: “ذلك شهرٌ يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم”.
هنا تتجلى مدرسة النبوة: إعداد العمل قبل عرضه، وتجهيز القلب قبل نزول الرحمات.
أولًا: بناء القلب قبل حلول الشهر
رمضان لا يُصلح قلبًا لم يتهيأ له. كان النبي ﷺ في شعبان: يُكثِر من الصيام، لترويض الشهوة وتحرير الإرادة، ويُداوم على قيام الليل، لتنشيط القلب على مناجاة الله، ويُكثِر من القرآن والذكر، ليدخل رمضان وقلبه مستعد لتلقي الوحي، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 185].
ولا يُفهَم القرآن بقلبٍ غافل، ولا يستقرّ في نفسٍ مشغولة بالدنيا.
ثانيًا: شعبان العمل.. لا العزلة
لم يكن شعبان عند النبي ﷺ شهر اعتزال الواقع، بل شهر حركة وبناء. فيه كانت السرايا، والبعوث، وترتيب شؤون الدولة، يجمع ﷺ بين: قيام الليل، وحمل همّ الأمة، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: 105].
فالعبادة في مدرسة محمد ﷺ لا تنفصل عن الرسالة، ولا تنفصل الروح عن المسؤولية.
ثالثًا: رمضان والأمة الجريحة
يدخل علينا رمضان اليوم: وغزة تحت الإبادة، واليمن في الحصار والخيانة، والسودان في النزف، وخريطة التطبيع تتمدّد كمرضٍ خبيث. فأيُّ صيامٍ هذا بلا وجع للأمة؟ وأيُّ قيامٍ بلا همٍّ للمظلومين؟ وأيُّ قرآنٍ لا يوقظ فينا مسؤولية الاستخلاف؟
قال ﷺ: “مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد”.
رابعًا: كيف نُحيي هذا الهدي اليوم؟
- على مستوى الفرد:
- صيام منتظم في شعبان.
- قيام ليل ولو بركعتين.
- ورد قرآني يومي متزايد.
- صدقة سرية.
- جلسة محاسبة قلبية صادقة.
- على مستوى الأسرة:
- إصلاح القلوب قبل البيوت.
- إحياء معاني رمضان في نفوس الأبناء.
- تصفية الخلافات قبل الهلال.
- على مستوى الأمة.
- دعاء حيّ صادق.
- وعي بالقضايا الكبرى.
- نصرة بما نستطيع.
- تربية الجيل على فقه الانتماء لا فقه الهروب.
خاتمة
رمضان مشروع بعث.. رمضان لا يغيّر من لم يغيّر نفسه قبله.. وشعبان هو بوابة التحول.
فلنُحيي هدي النبي ﷺ: قلبًا حيًا، وعبادة صادقة، ورسالة حاضرة، وأمة تستفيق.
وليس المقصود من رمضان أن نزداد تعبّدًا فحسب، بل أن نخرج منه بقلوبٍ جديدة، وإراداتٍ أقوى، وبصيرةٍ أصفى. وحين يُبعَث الإنسان من داخله، تُبعَث الأُمّة من جديد.
نسأل الله أن يكون هذا المقال خطوة في طريق اليقظة، ولبنة في مشروع البعث، ونقطة نور في زمن تكاثفت فيه العتمات.





