
وفد من وزارة الدفاع السورية في الحسكة لبحث إجراءات دمج قسد
فبراير 7, 2026
شَعْبَانُ التَّهْيِئَةِ.. وَرَمَضَانُ البَعْث
فبراير 8, 2026رازيانا راسولوفا
مدغشقر
وُلدت في حيّ بسيط قرب الميناء القديم، حيث تختلط رائحة السمك الطازج برائحة الخشب المبتل الذي يستخدمه الصيادون لإصلاح قواربهم. كنت الابنة الوسطى في أسرة كبيرة: أمّ تعمل خياطة في البيت، وأبٌ كان صيادًا ثم توقف عن العمل بعد إصابته في كتفه.
كبرتُ بين أصوات الأمواج وصراخ الباعة المتجولين وأحاديث النساء في سوق السمك. لكن رغم هذا الضجيج اليومي.. كان داخلي هادئًا بطريقة لم أفهمها قط.
كنت أعمل مصوّرة للمنتجات في متجر إلكتروني صغير تديره امرأة فرنسية. كنت أحب التصوير، أحب الضوء والظلال وزوايا الأشياء، لكنني كنت أشعر دائمًا أنني أصوّر شيئًا لا يشبهني.
كانت حياتي بسيطة، لكنها فارغة. كنت أرى الناس يركضون نحو شيء ما.. وظيفة، زواج، أحلام.. أما أنا فكنت أعيش يومي كأنني أنتظر حدثًا لا أعرف شكله.
رغم أن معظم سكان الحي مسيحيون، إلا أن عائلتي لم تكن ملتزمة كثيرًا. كنا نذهب للكنيسة في عيد الميلاد فقط. كنت أؤمن بوجود الله، لكني لم أعرف كيف أقترب منه. كنت أحيانًا أجلس أمام البحر ليلاً، وأفكر: “هل هناك طريقة أعيش بها بطمأنينة حقيقية؟ ليس فقط لحظات سعادة عابرة؟”
قبل عام ونصف تقريبًا، فقدتُ صديقة قريبة مني في حادث سير. كانت معنا في العمل، تضحك طوال الوقت، لا تفوّت مناسبة دون أن تجعلها خاصة.. ثم فجأة انتهت حياتها خلال دقيقة واحدة! لم أبكِ فقط.. بل أصابني نوع من الصمت الداخلي القاسي.. صدمة!
كنت أنظر إلى صورها في هاتفي وأسأل نفسي: “لو متُّ أنا الآن.. ماذا بعد؟ ما مصيري؟”
لم أجد جوابًا!
بدأت أبحث على الإنترنت عن “الحياة بعد الموت” و”الغرض من الوجود”.. كنت أشاهد مقاطع كثيرة، أغلبها من أديان مختلفة أو أفكار فلسفية مشتّتة.. وفي إحدى الليالي، ظهر لي منشور بعنوان: “الموت مجرد بداية” كان صادرًا عن مشروع يسمى “بصيرة الدعوي”.
قرأته بدافع الفضول والمعرفة فقط.
كان المنشور يحمل الكثير من المعاني: “القلب يشعر بالحقيقة قبل العقل. لكنه يحتاج كلمة واحدة.. كلمة تُعيده إلى أصله”. لا أدري لماذا شعرت بأنني أنا المخاطَبة. تابعت القراءة حتى النهاية، ثم ظهر رابط للحوار مع أحد الدعاة في المشروع.. ضغطت عليه في الحال.
كتبت: “لقد فقدت معنى الحياة، وأريد أن أفهم”.
وصلني الرد في الحال: “أهلاً بكِ يا رازيانا. نحن هنا للحوار والمساعدة.. اسألي ما تشائين”.
أحسست براحة وهدوء، ربما لأنني لأول مرة أتكلم مع أحد دون خوف من الإدانة.
بدأت بكلمات خجولة: “هل الإسلام دين صعب ومتشدد؟”
فأجاب المحاور: “الإسلام رحمة.. أقرب للإنسان مما يظن. هو الطريق الأوحد بينك وبين الله، لا أحد يتحكم فيه”.
ثم سألته: “لماذا لا تصوّرون إلهكم؟”
قال: “لأن الله أعظم من أن يُجسّد في صورة. كل صورة محدودة.. والله ليس كمثله شيء في الأرض ولا في السماء”.
تأملت كلامه طويلاً. لطالما فكرت: كيف يمكن لخالق الكون أن يشبه مخلوقاته؟!! فكرة تنسجم مع قلبي.
بدأ الحوار بيني وبينه يستمر على مدار عدة ليال، وأسأله:
لماذا خلقنا الله؟ما معنى التوحيد؟ ماذا يحدث بعد الموت؟ كيف أعرف أن الله يَقبلني؟
كان يجيبني بصبر ووضوح، ولم يطلب مني أبدًا أن أغيّر ديني، ولم يضغط عليّ، وهذا ما جعلني أثق به أكثر.
ثم أرسل لي آية مترجمة، جعلتني أبكي دون إرادتي: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16].
لم أستطع تفسير مشاعري، لكنني شعرت براحة لم أشعر بها من قبل.
نقطة التحول
أرسل لي المحاور مقطعًا قصيرًا عن “معنى السجود”. كان فيه امرأة مسلمة تسجد وتقول بصوت خافت: “هنا أضع قلبي في مكانه الصحيح”. تجمدت أمام الشاشة.. كأن كل شيء في داخلي انكسر ثم عاد ليتشكل من جديد. وقلت في نفسي: “هذا ما كنت أبحث عنه.. ركوعٌ لا يُذِلّ، بل يرفع”.
في إحدى الليالي، بعد يوم مرهق في العمل، دخلت غرفتي الصغيرة وأغلقت الباب.
كتبت للمحاور: “أشعر أنني أريد أن أعرف الله حقًا. كيف أبدأ؟”
سألني: “هل تؤمنين أن الله واحد لا شريك له؟”
قلت بلا تردد: “نعم”.
ثم قال: “وهل تؤمنين أن محمدًا عبد الله ورسوله؟”
فكرت للحظة.. ثم قلت: “نعم، رغم أنني لا أعرفه جيدًا، لكنني أشعر أنه صادق”.
قال: “إذن أنتِ قريبة جدًا من الإسلام”.
فجأة.. شعرت بارتباك شديد. ضربات قلبي تسارعت، يداي ارتجفتا.
قلت له: “ماذا أفعل كي أصبح مسلمة؟
قال: “إن كان قلبك مؤمنًا بذلك.. فقولي الشهادة الآن. الله ينتظرك”.
وأرسل لي نص الشهادتين : “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله”.
رفعت رأسي إلى السماء، شعرت كأن نافذتي الصغيرة اتسعت فجأة.
ثم قلت بصوت باكٍ: “أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمدًا رسول الله”.
لم أستطع التوقف عن البكاء، كانت دموعي ساخنة، لكنها كانت خفيفة، كأنها تغسل داخلي.
شعرت كاني ولدت من جديد!
قال المحاور: “مبارك يا رازيانا.. اليوم وُلدتِ من جديد بالفعل وعدتِ إلى فطرتك.. إنه الإسلام”.
استيقظت في اليوم التالي قبل الفجر.. لا أدري لماذا.. لكنني شعرت بنور غريب في الغرفة.
رفعت الستارة.. فكان الفجر لأول مرة يبدو حيًا، كأنه يخاطبني!
بدأت أتعلم الوضوء، والصلاة خطوة بخطوة. كنت أتوضأ من دلو صغير قرب باب البيت، ثم أفرش قطعة قماش نظيفة في غرفتي لأصلي عليها.. كنت أخطئ كثيرًا.. لكنني كنت أتعلم مع الوقت.
زميلتي في العمل، واسمها “إيلين”، لاحظت الهدوء الذي غشِي وجهي في ذلك اليوم. كنّا نلتقط صورًا لمنتجات جديدة، وكانت تنظر إليّ بين حين وآخر ثم تقول: “رازيانا.. هل أنتِ بخير؟ وجهك مختلف اليوم”.. ضحكت بخجل، وقلت لها: “نعم، فقط أشعر براحة”.
لم أفصح لها بشيء، لم أكن مستعدة لشرح ما حدث. كنت أخشى أن لا تفهم. الناس هنا في ماجونغا لا يعرفون الكثير عن الإسلام، ومعظمهم يتصورونه دينًا بعيدًا عنهم. لكن الحقيقة أنني كنت أشعر أن العالم كلّه صار قريبًا مني، وكأن قلبي انفتح على نورٍ جديد لم أكن أتصور وجوده.
في المساء، عدت إلى البيت. جلست أمي أمام ماكينة الخياطة القديمة، وكانت الإبرة تصدر صوتًا متواصلاً. نظرت إليّ وسألت: “لِمَ أنتِ مبتسمة هكذا؟ حصل شيء جميل في العمل؟” لم أجب. فقط اقتربت منها واحتضنتها. لم أفعل ذلك منذ سنوات. شعرت أن الإسلام منحني دفئًا لم أعرفه من قبل، دفئًا يجعلني أحب الخير لكل من حولي.
في الليلة التالية، تواصلت مع المحاور من مشروع بصيرة. قلت له: “أنا لا أعرف من أين أبدأ. كيف أعيش مسلمة؟”
فعرض عليّ أن أنضم إلى قسم التعليم بمشروع بصيرة لتعلم تعاليم الإسلام.. وبالفعل وافقت في الحال وسعدت كثيراً بهذه الخطوة التي ستقربني من الله بمعرفتي للإسلام أكثر فأكثر. وبدأت مشاهدة مقاطع تشرح الوضوء والصلاة، وكنت أعيد مشاهدتها مرارًا. كنت أخطئ كثيرًا، أحيانًا أقف مترددة، أحيانًا أنسى حركة أو آية.. لكنني كنت أشعر أن الله لا يغضب. بل كنت أستشعر قربه كلما حاولت.
كنت أستيقظ قبل الفجر بدقائق. أفتح نافذتي الصغيرة، وأسمع صوت الميناء الكامن في السكون. الهواء الرطب يدخل غرفتي، ومعه إحساس بالصفاء.
كنت أفرش قطعة القماش النظيفة التي أصبحت “سجادتي” الأولى وأضع جبهتي على الأرض، فأشعر كأن قلبي ينزل معها. كنت أقول في نفسي: “يا الله.. لم أعرفك إلا الآن، لكنني كنت أشتاق إليك”.
مع مرور الأيام، بدأت ألاحظ تغيرًا في كل شيء حولي،الصور التي كنت ألتقطها في العمل صارت تبدو مختلفة، الضوء لم يعد مجرد ضوء.. بل صار علامة على رحمة الله في الأشياء الصغيرة. كنت أنظر إلى ظلال المنتجات وأقول في نفسي: “سبحان من خلق الظل والنور”.. حتى التعامل مع الناس تغيّر. أصبحت أكثر صبرًا وتفاهمًا. لم أعد أغضب بسهولة، ولم أعد أضيع وقتي في الحزن على أمور صغيرة.
وهناك أمر آخر.. المال
كنت سابقًا أسعى لزيادة دخلي لأشتري هاتفًا جديدًا، أو كاميرا باهظة، أو ملابس على الموضة. واليوم صار همّي أن أدخر قليلًا لشراء مصحف، ثم لاحقًا حجاب. لكنني لم أتعجل. أردت أن أفهم الإسلام جيدًا، وأثبت خطواتي واحدة تلو الأخرى.
ذات مساء، سألت المحاور: “هل كل ما أكسبه من عملي حلال؟”
فقال: “إن كان تصوير شيء مباح ونافع، فالكسب مباح وحلال بإذن الله”.
تأملت كلامه. كانت هذه أول مرة أفكر في “أثر عملي” وليس فقط في راتبي.
فقررت أن أطلب من صاحبتي في العمل أن أُكلف أكثر بتصوير الأدوات المنزلية والأثاث. كنت خائفة من ردّها.. لكنها وافقت بسهولة، لأنها في الأصل كانت تحتاج لمساعدة إضافية في هذا القسم.. شعرت أن الله يسهل لي الطريق خطوة خطوة.. بلطفٍ عجيب.
بعد أسبوعين من إسلامي، اشتريت مصحفًا مترجمًا للفرنسية من متجر صغير قرب السوق المركزي. كان صغيرًا، بغطاء أزرق داكن. في تلك الليلة فتحت أول صفحة وقرأت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. لم أعرف لماذا.. لكنني بكيت طويلًا. كأن هذه الآية كانت دعائي المختبئ منذ طفولتي. كأن حياتي كلها كانت محاولة للوصول إلى هذا الطريق.
كنت أرددها كلما شعرت بضياع: “اهدني.. اهدني يا رب”.
بعد شهر من إسلامي، بدأتُ أرتدي ملابس أكثر احتشامًا. أمي لاحظت ذلك وسألت: “هل انضممتِ إلى جماعة دينية؟” ضحكت وقلت: “لا.. فقط أحببت أن أغيّر بعض الأشياء”. لكن بعد يومين، عرفت الحقيقة. سمعتني وأنا أستمع إلى تلاوة القرآن بصوت خافت. فتحت الباب فجأة وقالت: “رازيانا.. هل أصبحتِ مسلمة؟”
تجمدت. كنت أخشى لحظة المواجهة هذه. قلت: “نعم.. وهذا القرار أسعدني كثيرًا”. جلست أمي بصمت لثوانٍ طويلة. كنت أسمع صوت ماكينة الخياطة خلفها، كأنه يُذكّرني بنبض البيت القديم.. ثم قالت: “لا أفهم هذا الدين.. لكنني أريدك سعيدة”. احتضنتها وبكيت. لم أكن أتوقع منها هذا القبول. الله كان أرحم بي من خوفي.
لم أخبر أبي مباشرة، لأن صحته ضعيفة وأخشى عليه من التوتر. لكن أختي الصغيرة “ليما”، كانت الأقرب إليّ. قالت لي: “أريد أن أرى كيف تصلّين”. أريتها وضوئي وصلاتي. وقفت تراقبني بتركيز، ثم سألت: “هل الله يسمع كل هذا؟” قلت: “نعم.. يسمع حتى قبل أن نتكلم”. جلست بجانبي وقالت: “أريد أن أفهم الإسلام مثلك”. أحضرت لها مقطعًا من مشروع بصيرة، باللغة الفرنسية، وكانت تنصت له بإعجاب.
كنت أشعر أنني لا أغيّر حياتي فقط.. بل أفتح بابًا من النور في بيتنا.
مع كل شهر يمر، كنت أرى نفسي تتغير: صرت أكره الغيبة والكلام الفارغ، لم أعد أسهر ليلًا بلا هدف، صرت أكثر حنانًا على أمي، أكثر اهتمامًا بالصدقة ولو بالقليل، أكثر قربًا للبحر.. لكن ليس للهرب، بل للتأمل. كنت أجلس على الصخور قرب الميناء القديم قبل صلاة المغرب، أراقب الشمس وهي تغرب، وأقول: “يا الله.. كيف كنت أعيش دونك؟”
كنت أشعر أن روحي تتنفس للمرة الأولى منذ سنوات.
مشروع بصيرة.. البوابة التي أنقذتني
مع الوقت، بدأت أشارك في مجموعات صغيرة يشرف عليها مشروع بصيرة. مجموعات لتعليم الأساسيات، ثم القرآن، ثم الأخلاق.. كل شيء كان عبر الإنترنت.. ومع ذلك، كانوا قريبين مني أكثر من أي شخص قابلته في حياتي.
كانوا يسألونني دائمًا: “كيف قلبك اليوم؟ ماذا تحتاجين؟ ماذا فهمتِ من الدرس السابق؟”
ذلك السؤال -“كيف قلبك؟”- لم يكن أحد يسألنيه من قبل. كنت أشعر أن الإسلام لا يعتني بجسدي فقط.. بل بروحي.
في أحد أيام الأحد، كنت أجلس في غرفتي أرتّب صوري القديمة على الحاسوب. رأيت صورًا كثيرة لي على الشاطئ، وفي العمل، وفي رحلات مع الأصدقاء.. لكن الصورة التي استوقفتني كانت صورة لوجهي قبل عام: نظرة حائرة.. مبتسمة من الخارج فقط.
تأملت الصورة طويلاً، ثم قلت لنفسي: “سبحان الله.. كنت أعيش لكنني لم أكن حيّة”. أغلقت الحاسوب، ووقفت للصلاة. كنت أردد في السجود: “الحمد لك يا رب.. أنك لم تتركني تائهة”. وحين رفعت رأسي.. شعرت أن نور الفجر الذي دخل نافذتي يوم نطقت الشهادة لم يخرج منها أبدًا.
فالحمد لله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة.





