
حين يصبح الصمت سلاحًا
ديسمبر 4, 2025
خير الدعاة أبو بكر الصديق
ديسمبر 5, 2025أحمد هاني
كاتب وطالب بكلية الطب
هو أبو الخيرات، وخاقان الإسلام، قيصر الروم، إمبراطور الشرق والغرب، أبو الفتوح والمعالي، محمد خان الثاني بن مراد بن محمد العثماني، الشهير بـ”محمد الفاتح”..
قد تتعجب وتتساءل: ما العلاقة بين العنوان والمقدمة؟! وحقيقة الأمر أن هذه الفقرة هي صلب الموضوع..
كانت أول مرة أتعرف فيها على الدولة العثمانية هي من خلال مسلسل “حريم السلطان” -نعم هذا المسلسل المسيء للسلطان سليمان العظيم- ولكن كيف لي أن أعرف هذا أصلاً وقد كنت ما زلت في الابتدائية؟! وعلى الرغم من محاولات تشويه صورة السلطان في ذلك المسلسل من اتهامه بأنه زير نساء، وبأنه قاتل الأبناء، وغير ذلك من فظائع الأشياء والأوباء.. إلا أن عيني غفلت عن كل هذا -وهي نعمة ربانية أحمد الله عليها- ولم يلفت نظري سوى العظمة والعزة والقوة التي كان فيها السلطان، وكيف كان يجلس على العرش ويركع أمامه الصليبيون، وكيف كان الصليبيون في المسلسل يحسبون له ألف ألف حساب.. ولعل هذا كان بسبب ولعي الفطري منذ الصغر بالحروب والقتال والغزو. وهذه نعمة ربانية أحمد الله عليها كذلك.
ثم مع توالي السنوات، بدأت أتابع بعض المسلسلات والوثائقيات عن العثمانيين هنا وهناك، وبالطبع كانت المسلسلات والوثائقيات تزداد جودة وموضوعية وثقة بسبب السلطة التركية الحالية التي عملت على ذلك. ثم سمعت وثائقياً عن السلطان محمد الفاتح على إحدى القنوات الشهيرة على اليوتيوب، وتلك المقدمة في أول المقال هي نفسها مقدمة ذلك الوثائقي، الذي سمعته أكثر من ١٠ مرات!
لفتتني جداً تلك الحضارة العظيمة، وتلك العظمة والأبهة، وتلك القصور والحدائق، وتلك القلاع والحصون..
ومع اتساع المعارف والقراءة، رأيت بغداد، وما أدراك ما بغداد؟!
قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري: قال لي الشافعي: “هل رأيت بغداد؟” قلت: لا. فقال: “لم ترَ الدنيا”.
وقال ابن مجاهد: رأيت أبا عمرو بن العلاء في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال لي: “دعني من هذا، من أقام ببغداد على السنة والجماعة ومات، نقل من جنة إلى جنة”.
ورأيت قرطبة، وما أدراك ما قرطبة؟!
قال عنها بعضهم: “قرطبة قاعدة الأندلس ودار الملك التي يجبى لها ثمرات كل جهة وخيرات كل ناحية، واسطة بين الكور، موفية على النهر، زاهرة مشرقة، أحدقت بها المنى فحسن مرآها، وطاب جناها.”
ورأيت “حاضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر”.. إنه وصف القاهرة كما وصفها ابن خلدون!
أفعمت نفسي بهذه الحضارة، وبهذه العصور الزاهرة، والأزمان النيرة، العصر العباسي، فالأيوبي، فالمملوكي، فالعثماني، فالأندلسي..إلخ
لدرجة أنني أصبحت لا أعظم عصر الخلافة الراشدة، لأني -وقتها وأستغفر الله لجهلي- لم أكن أرَ فيه تلك المظاهر المادية العظيمة، وتلك النهضة العلمية والأدبية الكبيرة. على الرغم أنه العصر الذي يفترض بالأمة كلها أن تعظمه أشد تعظيم من أي عصر آخر..
ولكن، لما يجب على الأمة أن تعظم هذا العصر بالذات أشد من أي عصر إسلامي آخر على الرغم أنه لم تكن فيه مظاهر الحضارة العظيمة التي وجدت في العالم الإسلامي فيما بعد؟!
والجواب: على القسم الأول يكون بنص صريح ورد عن النبي ﷺ، أما القسم الثاني فنحتاج فيه أن نستخلص من نصوص القرآن والسنة معنى الحضارة، ونعرف كيف فهم المسلمون على مر التاريخ هذا المعنى..
فأما القسم الأول: وهو لماذا يجب على المسلمين أن يعظموا عصر الخلافة الراشدة أشد من أي عصر إسلامي بعده؟
فقد قال رسول الله ﷺ: “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”. فعصر الخلافة الراشدة هو خير العصور البشرية قاطبة.
وقال أيضاً ﷺ: “تكونُ النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ نُبُوَّةٍ”. ثم سكت.
ومن خلال بعض نظر في الحديث، يتبين أن المستوى يتدنى حتى نصل إلى القاع وهو “الملك الجبري”، ثم نعود إلى القمة من جديد “خلافة على منهاج النبوة”.
فلا قول يغني بعد قول رسول الله ﷺ في أن عصر الخلافة الراشدة أعظم من العصر الأموي والعباسي والعثماني والأندلسي.. ومن جميع العصور.
وأما القسم الثاني: فما هي النظرة الإسلامية للحضارة؟
وجدت هذه النظرة في القرآن حينما قرأت قوله تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰاۚ یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡـࣰٔاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَ الِكَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
وهنا تتضح الغاية من التمكين والسيادة الإسلامية في الأرض: أن يعبد الناس ربهم ولا يشركوا به شيئاً، أن تخلص الأرض لله وتتطهر من كل طاغوت من حجر أو بشر أو نظام وضعي، أن يُعبَّد الناس لرب الناس، ألا يخشوا إلا ربهم، لا حاكماً ولا شرطياً ولا جابياً ولا دهقاناً، لا يخشون إلا الله!
ثم وجدت هذا المعنى مؤكداً في سنة رسول الله ﷺ حين قال: “والله ليتمنّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون”.
غاية تمام هذا الأمر، هي أن يعيش الإنسان حراً، لا يعبد إلا الله، لا يخضع إلا لله، لا يخشى إلا الله!
فقل لي بالله عليك في أي عصر تحقق هذا سوى الخلافة الراشدة؟!
في أي عصر كان يستطيع فيه الحاكم -لثلث العالم المعروف آنذاك- أن يقول لأحد رعيته: “والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم”، فيسأله الرجل: “أفتمنعني حقاً؟”، فيقول عمر بن الخطاب: “لا”. فيقول الرجل: “فلا بأس، إنما يأسف على الحب النساء”.
في أي عصر يستطيع فيه بعض الأوباش والأراذل من العراق ومصر الذين كانوا إلى وقت قريب يسامون الذل والهوان على يد الفرس والروم، أن يأتوا إلى عاصمة الخلافة -القوة العظمى العالمية- وأن يحاصروا بيت الخليفة دون أن يتعرض لهم أحد؟!
في أي عصر يستطيع فيه ذمي أن يقف ضد أمير المؤمنين يختصمان في درع أمام القاضي؟!
أخبرني في أي عصر وجدت هذه الكرامة، وهذه العبودية الخالصة لله، وهذه القيمة العالية للإنسان؟!
قبل معركة القادسية أُوفد ربعي بن عامر رضي الله عنه إلى رستم قائد الجيوش الفارسية في خيمته، وقد تزين له رستم بأعظم الزينات لكي يحاول إرباكه..
فلما سأله رستم عن سبب مجيئهم قال له: “ابتعثنا الله لنُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”.
هذه هي الغاية من ديننا ومن سيادته وتمكينه، فمن سعى للتمكين لدينه فليسعَ لأجل أن يعيد عصر الخلافة الراشدة واقعاً من جديد، لا يسعى من أجل أن يستبدل حضارة مادية غربية بحضارة مادية شرقية، وليس المقصود أن الحضارة لابد أن تخلو من أشكال المادة -هذا لا يقول به عاقل- وإنما المقصود أن تكون رسالتنا الحضارية هي تحرير البشر وتعبيدهم لربهم، وأن يشعر الإنسان بقيمته وكرامته التي انتُزعت منه في جميع بلدان العالم اليوم غربيها وشرقيها!
وأختم بسطور للشيخ محمود شاكر الحرستاني كتبها في مقدمة الجزء الأوّل من موسوعته في التاريخ الإسلامي. يقول:
“لقد كان اهتمام الحضارة الإسلامية بالإنسان، والإنسان وحده، الأمر الذي لم يلتفت معه المسلمون إلى البناء والإشادة، وإجبار الناس على العمل وإكراههم على مزاولة أعمال لا تخدمهم، ولا تخدم عقيدتهم، وإنما تخدم حكامهم، كما فعل غيرهم، وإنما انصرفوا إلى الدعوة والفتوحات التي كانت وسيلة لنشر عقيدتهم فلم يخلّفوا أبنية، ولم يتركوا قصوراً، ونستطيع أن نعطي صورة بسيطة عن صور من الحضارة الإسلامية أيام رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده تجلت في العدل والمساواة وإحقاق الحق والاهتمام بمصالح الرعية، بشكل تبقّى مثلاً أعلى للحضارة لكل من يريد الخير للبشر، فعاش الناس يومذاك حياة سعيدة ملؤها الراحة والطمأنينة والأمن وتأمين الحاجات الضرورية، ولم يلتفت المسئولون آنذاك عما سوى ذلك من مظاهر تنهك الإنسان، وليس فيها أي خدمة له، ولا يشعر بأي سعادة في ظلها، وإنما فرضت عليه، وكان يأنّ من وطأتها. وعندما انتهت الفتوحات، شيد المسلمون مواضع لا لخدمة الحكام والرؤساء، و إنما لخدمة رعاياهم وسعادتهم”.
ويقول أيضاً:” هذه هي المعاني الإنسانية التي يجب أن تتوفر للنهضة كي تُسمى حضارة، أو للمدنيّة حتى يُطلق عليها هذا الاسم، وهو ما يجب أن نرسخه في نفوس الأجيال، ونعلمهم إياها باستمرار لينشأوا على مفهوم الحضارة الصحيح، وما قدمته أمتنا في هذا المجال، وما هي القيم التي تحملها الحضارة، ويجب ألا ننقل إلى تلك النفوس بعض مظاهر العلم أو البناء ونطلق عليه اسم حضارة، كما هو بالمفهوم الأوروبي، فتضيع الحضارة بين بعض مظاهرها الضعيفة، ويتيه النشأ بين الاصطلاحات ومداخل التعاريف”.
الحضارة الحقة هي حضارة الإنسان.. لا حضارة الطغيان والبنيان.. أسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به فهو أكرم الأكرمين.





