
ما هي الحضارة حقاً؟
ديسمبر 5, 2025
اقتحامات واعتقالات واسعة للاحتلال في الضفة
ديسمبر 6, 2025د. حسين عبد العال
عضو الأمانة العامة للهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ
يعرف الناس أبا بكر الصديق رضي الله عنه بأنه أول من أعلن إسلامه من الرجال، وبأنه افتدى النبي ﷺ بماله ونفسه، وزوجه من ابنته عائشة رضي الله عنها وبأنه ثاني اثنين إذ هما في الغار، وبأنه خليفة رسول الله ﷺ بعد وفاته، ولكن قليل منهم من يعرفون أن أبا بكر رضي الله عنه هو أفضل داعية للإسلام بعد رسول الله ﷺ.
فأبو بكر رضي الله عنه الذي أسلم دون تردد وكأنه كان ينتظر الكلمة من رسول الله ﷺ يدعوه بها للإسلام، فما تلعثم ولو للحظة أن يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وذلك لشدة حبه للنبي ﷺ أولًا، ولما عهده عليه من الصدق ثانيًا، والأهم من هذا ما كان يسمعه من الرهبان والأحبار من أن نبيًا سيخرج هذه الأيام من مكة.
بل وتروى رواية عن أنه كان يعرف أنه سيؤمن به، وأنه سيكون خليفته من بعده، فعن ربيعة بن كعب قال: كان إسلام أبي بكر شبيهًا بالوحي من السماء، وذلك أنه كان تاجرًا بالشام فرأى رؤيا فقصها على بحيرا الراهب فقال له: من أين أنت؟ فقال: من مكة فقال: من أيها؟ قال: من قريش قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر قال: إن صدق الله رؤياك فإنه يبعث نبي من قومك تكون وزيره في حياته وخليفته من بعد وفاته، فأسرّ ذلك أبو بكر في نفسه، حتى بعث النبي ﷺ فجاءه فقال: يا محمد ما الدليل على ما تدعي؟ قال: “الرؤيا التي رأيت بالشام” فعانقه وقبل بين عينيه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، قال أبو بكر: وما بين لابتيها أشد من سرور رسول الله ﷺ بإسلامي.
أبو بكر والدعوة إلى الله تعالى
يقول ابن إسحاق: وكان أبو بكر رجلاً مآلفاً لقومه، محبباً سهلاً، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير أو شر، وكان رجلاً تاجراً، ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه فيما بلغني: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف. ومعهم أبو بكر فانطلقوا حتى أتوا رسول الله ﷺ، فعرض عليهم الإسلام، وقرأ عليهم القرآن، وأنبأهم بحق الإسلام، وبما وعدهم الله من كرامة فآمنوا، وأصبحوا مقرين بحق الإسلام، فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام فصلوا وصدقوا رسول الله ﷺ، وآمنوا بما جاء من عند الله تعالى.
يقول الشيخ محب الدين الطبري: ثم جاء الغد أبو بكر بعثمان بن مظعون وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبي سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم فأسلموا.
ستة من العشرة المبشرين بالجنة أسلموا بدعوته
لو تخيلنا ونحن نقرأ في السيرة كيف أن هؤلاء العظماء كلهم كانوا ثمرة دعوة أبي بكر رضي الله عنه، فها هو عثمان بن عفان رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين، والمنفق على جيش العسرة، والذي حفر بئر رومة، بل ولا تحصى مناقبه، وها هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو من هو في جهاده وعطائه، وحسبه قول النبي ﷺ له يوم أحد “ارم فداك أبي وأمي” وهو راوي الحديث بقوله: “نَثَلَ لي النَّبيُّ ﷺ كِنَانَتَهُ يَومَ أُحُدٍ، فَقالَ: ارْمِ، فِدَاكَ أبِي وأُمِّي” وها هو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه والذي ما ترك خيرًا من جهاد ولا صدقة ولا دعوة إلا وشارك فيه، وها هو أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة، والزبير بن العوام حواري رسول الله ﷺ، وها هو طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه الذي جاهد ودافع عن النبي ﷺ حتى قال أبو بكر رضي الله عنه عن يوم أحد: “ذاك يوم كله لطلحة”.
وآخرون من خيرة الصحابة أيضًا
فخذ معك سيدنا عثمان بن مظعون رضي الله عنه والذي فقئت عينه في سبيل الله تعالى فقال: إن عيني الأخرى لتشتاق للذي أصاب أختها في سبيل الله، وكذلك أبو سلمة بن عبد الأسد أول مهاجر في سبيل الله تعالى، وقائد السرايا العظيمة، والأرقم بن أبي الأرقم صاحب الدار الشهيرة التي كانت على الصفا، وكم اجتمع فيها النبي ﷺ بأصحابه سرًا يدعوهم ويعلمهم، وحسبك أن الدار أسلم فيها عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير رضي الله عنهم، وهذا خالد بن سعيد القائد المظفر رضي الله عنه.
فأعمال هؤلاء العظماء جميعًا يوضع بمثلها لأبي بكر رضي الله عنه في ميزان أعماله كونه كان سببًا في هدايتهم، وكان هو الداعي لهم لهذا الخير.
إسلام عثمان بن عفان رضي الله عنه
يقول محب الدين الطبري: حاكيًا عن عثمان رضي الله عنه أن عثمان رضي الله عنه سمع من خالته عن ظهور النبي الجديد ﷺ فخرج مسرعًا كي يسأل صديقه المقرب أبا بكر الصديق، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: “ويحك يا عثمان، إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأوثان التي يعبدها قومنا؟! أليست من أحجار صم لا تسمع ولا تبصر؟! قلت: بلى والله إنها كذاك! فقال: والله لقد صدقتك خالتك، هذا رسول الله محمد بن عبد الله قد بعثه الله تعالى برسالته إلى خلقه، فهل لك أن تأتيه فتسمع منه؟ قلت: نعم، فوالله ما كان أسرع من أن مر رسول الله ﷺ ومعه علي بن أبي طالب يحمل ثوبًا، فلما رآه أقبل عليه فقال: “يا عثمان أجب الله إلى جنته، فإني رسول الله إليك وإلى خلقه” قال: فو الله ما تمالكت حين سمعت قوله أن أسلمت”.
إسلام طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه
قال طلحة: حضرت بسوق بصرى فإذا راهب في صومعة يقول: سلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحد من الحرم؟ قال طلحة: نعم أنا. قال: هل ظهر أحمد بعد؟ قال: قلت: ومن أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه وهو آخر الأنبياء، ومخرجه من الحرم ومهاجره إلى نخل وحرة وسباخ، فإياك أن تسبق إليه. قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت مسرعًا حتى قدمت مكة فقلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الأمين تنبَّأ، وقد تبعه ابن أبي قحافة. قال: فخرجت حتى دخلت على أبي بكر فقلت: اتبعت هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطلق إليه فادخل عليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق، وأخبره طلحة بما قال الراهب، فسر رسول الله ﷺ بذلك، فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد، وشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم؛ فلذلك سمي أبو بكر وطلحة “القرينين”.
إسلام خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه
كان إسلام خالد بن سعيد بن العاص قديمًا، وكان أول إخوته أسلم، وكان بدو إسلامه أنه رأى في النوم أنه واقف على شفير النار فذكر من سعتها ما الله أعلم، ورأى كأن أباه يدفعه فيها، ورأى رسول الله ﷺ آخذا بحقويه لا يقع ففزع من نومه وقال: أحلف بالله إن هذه لرؤيا حق، فلقي أبا بكر فذكر ذلك له، فقال أبو بكر: أريد بك خير، هذا رسول الله ﷺ فاتبعه والإسلام يحجزك أن تدخل فيها وأبوك واقع فيها، فلقي النبي ﷺ وهو بأجياد فقال: يا محمد إلامَ تدعو؟ قال: “أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه”.
بين أبي بكر الصديق ومصعب بن عمير
كثيرًا ما يتذكر الناس مصعبًا رضي الله عنه، وأنه أول سفير في الإسلام، وقد أسلم على يديه كبار الأنصار رضي الله عنهم، وأن كل أعمال الأنصار ومن تبعهم في ميزان حسنات مصعب بن عمير رضي الله عنه، وهذا حق لا ريب فيه، ولكن الحق أيضًا أن بين أبي بكر رضي الله عنه وبين مصعب رضي الله عنه بوناً شاسعاً في الدعوة إلى الله تعالى، فأبو بكر رضي الله عنه دعا إلى الله تعالى من أول يوم في الإسلام، بيد أن مصعبًا رضي الله عنه تحرك ليثرب بعد ثماني سنوات من إسلامه، وبعد ما يقرب من اثني عشر عامًا من إسلام ودعوة أبي بكر رضي الله عنه، وإن كان مصعب رضي الله عنه أسلم على يديه عظماء الأنصار فأبو بكر رضي الله عنه أسلم على يديه عظماء المهاجرين الذين أسلم على أيديهم جمع غفير من الصحابة والتابعين.
بل لا نبالغ إن قلنا إن مصعبًا رضي الله عنه كان أحد ثمرات دعوة أبي بكر رضي الله عنه، حيث أن مصعبًا أسلم وحده -على ما يروى- لكنه أسلم في دار الأرقم رضي الله عنه، وهذه الدار وصاحبها ثمرة من ثمرات دعوة أبي بكر رضي الله عنه، ففرق كبير بينهما -رضي الله عنهما-، وكلاهما من أعلام الإسلام وأعلام الدعوة إلى الله تعالى.
أبو بكر وثمرة الدعوة
أتخيل اليوم كيف كان شعور أبي بكر رضي الله عنه بعد ثلاثة عشر عامًا من الدعوة في مكة، وذلك عند هجرته مع النبي ﷺ، وبينما هو خلف النبي ﷺ وهما يدخلان المدينة، وأكثر من خمسمائة رجل يحملون السلاح ويحيطون بهما حماية لهما، والأطفال يغنون فرحًا بقدومهما، وكل امرئ يتمنى أن ينزلا عنده، إنها والله لمن ألذ وأسعد اللحظات عليه رضي الله عنه، وهو يرى ثمرة دعوته ودعوة أصحابه، ويرى أن الدعوة قد أصبحت آمنة مستقرة في بلد من بلاد رب العالمين، وهو يفكر لحظتها في المستقبل العظيم لهذا الدين، أو في حجة الوداع، والآلاف المؤلفة تحيط برسول الله ﷺ يتعلمون منه هذا الدين العظيم، ويأتمرون بأمره، وينتهون بنهيه.
رضي الله عنك سيدي أبا بكر، ورفع قدرك، بما قدمت من دعوة إلى الله تعالى، وبما ضحيت في سبيل ربك سبحانه، ونحن والله نحبك في الله تعالى، فاللهم احشرنا مع عبدك أبي بكر رضي الله عنه خلف حبيبنا محمد ﷺ.





