
عشرات الاقتحامات وتصاعد الانتهاكات في الضفة الغربية
ديسمبر 4, 2025
ما هي الحضارة حقاً؟
ديسمبر 5, 2025الأمن العملياتي في تجربة وحدة الظلّ بغزّة
سميح عبد الرحمن
بِسْمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آله وصحبِه ومَن والاه.
في قلب حربٍ تُدار لحظةً بلحظة وتُراقَب شبرًا بشبر، ظهرت في غزّة تجربةٌ أمنيّةٌ غيرُ مسبوقة: وحدةٌ ظلّت تعمل تحت القصفِ والحصارِ والمطاردةِ الاستخباريّة، ثم خرجت للعالم وفي يدِها الورقةُ الأثقلُ في الصراع.
هذه القراءة ليست سردَ بطولةٍ عاطفيّة، بل محاولة للفهم: كيف يُصانُ السرّ؟ كيف تُدارُ المعلومة؟ وكيف يتحوّل الكتمانُ من سلوكٍ فرديٍّ إلى عقيدةٍ جماعيةٍ والتزامٍ ديني إيماني.
الأسرى في معركة طوفان الأقصى
كان أحدُ أهمِّ وأبرزِ أهدافِ معركةِ طوفانِ الأقصى -كما أعلن قادتُها- هو تحريرُ الأسرى الفلسطينيِّين من سجونِ الاحتلال؛ وذلك من خلال صفقةِ تبادُلٍ بالأسرى الذين استطاعت المقاومةُ أسرَهم في يوم العبورِ المجيد. وبذلك كانت ورقةُ الأسرى الإسرائيليِّين أهمَّ أوراقِ الصراعِ في يدِ المقاومةِ في هذه المعركة، فكان الحفاظُ على هؤلاء الأسرى أخطرَ وأدقَّ المهامِّ المنوطةِ بالمقاومة. كما كان البحثُ عنهم والوصولُ إليهم على رأسِ أولويّاتِ العدوِّ، وقد أُسنِدت هذه المهمّةُ إلى رجالِ وحدةِ الظلّ: نخبةِ القسّام، وفخرِ المقاومة، ورمزِ الصمودِ والتفوّقِ والصبرِ والإرادةِ والتضحيةِ والفداء.
وحدة الظلّ: رجال في الخفاء
تُعَدُّ وحدةُ الظل أهمَّ التشكيلاتِ العسكريّةِ في المقاومة، ومن أفضلِها تدريبًا وتسليحًا، ولا يُصطفى للانضمامِ إليها إلّا نخبةُ النخبة؛ لأنَّ المهامَّ التي تُسنَدُ إليهم هي الأخطرُ على الإطلاق. وتكتنفُ السرِّيّةُ طبيعةَ هذه الوحدة، ويلفُّ الغموضُ أفرادَها، فهم رجالُ الظلّ، يعملون في الخفاء، ولا يظهرون إلّا في صفقاتِ التبادُل، ثم يختفون في شوارعِ غزّةَ وأنفاقِها من جديد، في سلوكٍ يتّسمُ بالفدائيّةِ والتضحيةِ والتجردِ لله عز وجل -نحسبُهم واللهُ حسيبُهم ولا نزكي على اللهِ أحداً-.
دروسٌ وعِبَر من معركة طوفان الأقصى
ولا شكَّ أنَّ ما حدث في معركةِ طوفانِ الأقصى مليءٌ بالدروسِ والعِبَرِ والفوائدِ التي تحتاجُ من الدارسينَ والمهتمينَ بنهضةِ الأمّةِ إلى العكوفِ عليها؛ دراسةً وتحليلًا، للوقوفِ على دروسِها واستخراجِ فوائدِها، وتقديمِها للأمّةِ لتكونَ ذُخرًا للمستقبلِ، وتراكمًا للخبراتِ في صراعِ الأمّةِ مع عدوِّها، وسعيِها للنهوضِ من جديد.
وهذه الدروسُ تمتدُّ من فترةِ الإعدادِ والتجهيزِ التي سبقتْ يومَ العبورِ المجيد بسنوات، وما اشتملتْ عليه من خداعٍ استراتيجيٍّ وصراعٍ استخباريٍّ، فضلًا عن التجهيزاتِ والتدريباتِ والإعدادِ العسكريِّ والإيمانيِّ، وكذلك جمعِ المعلوماتِ وسدِّ الثغراتِ، وعدمِ تركِ شيءٍ للصدفة.
لكن تبقى مسألةُ النجاحِ غيرِ المسبوقِ لوحدةِ الظلِّ المسؤولةِ عن الاحتفاظِ بالأسرى، وعدمِ قدرةِ العدوِّ الإسرائيليِّ -ومن وراءَه من أجهزةِ استخباراتٍ عالميةٍ- بكلِّ ما تمتلكُه من تقنياتِ التصويرِ والتتبّعِ والتجسّسِ، فضلًا عن وسائطِ جمعِ المعلوماتِ من عملاءَ ميدانيين، وغيرِ ذلك من الوسائلِ المعلومةِ والمجهولةِ، ومع ذلك فشلَ العدوُّ في الوصولِ إلى الأسرى، وظلّتْ هذه الورقةُ في يدِ المقاومةِ تُفاوضُ بها على إيقافِ الحرب، حتى تمَّ التوصّلُ إلى الاتفاقِ الأخير المعروفِ بـ”مبادرةِ ترامب”.
ولقد كان نجاحُ وحدةِ الظلّ في إخفاءِ الأسرى محلَّ إعجابٍ ومثارَ دهشةٍ للعالمِ أجمع: كيف استطاعتْ هذه الوحدةُ أن تُخفيَ هذا العددَ الكبيرَ من الأسرى في بقعةٍ جغرافيةٍ صغيرةٍ بحجمِ قطاعِ غزّة، وهي تحتَ الحربِ والقصفِ والاستطلاعِ المستمرّ؟
الانضباطُ الأمنيُّ ووهمُ العدوّ التقني
لقد جمعت وحدةُ الظلِّ بين الانضباطِ الأمنيِّ الشديدِ والسرِّيّةِ التامّةِ في أعمالِها، واستخدمت الخداعَ والتمويهَ، وتنقّلت بالأسرى من الشمالِ إلى الجنوب، ومن فوقِ الأرضِ إلى الأنفاق، ومن المناطقِ المحتلّةِ والبيوتِ المهدَّمةِ إلى المخابئِ الآمنةِ البعيدةِ عن الأعين، مع إدارةٍ إعلاميّةٍ ونفسيّةٍ احترافيّةٍ لملفِّ الأسرى من خلال المقاطعِ التي تبثّها لهم، تحملُ رسائلَ مختلفةً لعائلاتِ الأسرى وللداخلِ الإسرائيليّ، وكذلك في عملياتِ الاستعراضِ المدروسِ في مشاهدِ تسليمِ الأسرى في صفقاتِ التبادل.
وقد كشفت بعضُ التقاريرِ غيرِ الرسميّةِ عن بعضِ التكتيكات التي اتّبعتْها المقاومةُ في نقلِ بعضِ الأسرى من مكانٍ إلى آخر؛ إذ ذكرت أنّ المقاومةَ أرادت نقلَ مجموعةٍ من الأسرى من أحدِ المخابئِ في شمالِ القطاعِ إلى منطقةٍ أخرى، فخطّطت لافتعالِ مظاهرةٍ شعبيّةٍ تُطالبُ بإيقافِ الحرب، وقامت بنقلِ هذه المجموعةِ من الأسرى أثناءَ المظاهرة، حيث كان الأسرى وحُرّاسُهم من وحدةِ الظلّ يسيرون مع الناس كأنّهم متظاهرون، حتى وصلوا إلى وجهتِهم، ثم انسحبوا من بين الزحام.
وسواءٌ صحّتْ هذه الحادثةُ أم لا، فإنّه مما لا شكَّ فيه أنّ المقاومةَ أبدعتْ في أساليبِها في نقلِ الأسرى فوقَ الأرضِ وتحتَها، كما أتقنت فنونَ المناورةِ الميدانية، وأبدعتْ كذلك في وسائلِ التمويهِ والخداعِ في إخراجِ الأسرى من المخابئِ وقتَ صفقاتِ التبادل، تجنّبًا لوسائلِ التتبّعِ التي يستخدمُها العدوُّ لمعرفةِ أماكنِ خروجِ الأسرى، كلُّ ذلك بخطواتٍ محسوبةٍ ومفاجآتٍ محكمةٍ تُربكُ العدو، وتفشلُ مخططاتِه.
كذلك، ممّا أثار إعجابَ المتابعين لهذا الملفّ، ما قامت به هذه الوحدةُ المباركةُ خلال مراسمِ إطلاقِ سراحِ بعضِ الأسرى في الصفقةِ الأخيرةِ بموجبِ اتّفاقِ مبادرةِ ترامب، حيث قامت بتنسيقِ إجراءِ مكالماتٍ هاتفيّةٍ عبر الفيديو مع أهالي وعائلاتِ الأسرى الإسرائيليّين في الداخلِ الفلسطينيِّ المحتلّ. وبطبيعةِ الحال، قام العدوُّ بتتبّعِ شرائحِ الاتّصال التي أُجريت منها هذه المكالمات، ليكتشفَ المفاجأةَ!
شكراً على حسنِ تعاونِكم معنا!
كان الجيشُ الإسرائيليُّ، في سبيلِ جمعِه للمعلوماتِ من قطاعِ غزّة أثناءَ الحرب، قد زرعِ أجهزةِ تنصّتٍ وكاميراتِ تجسّسٍ لتصويرِ كلِّ حركةٍ وسَكْنةٍ في محيطِ وجودِ هذه الأجهزة؛ لعلّها ترصدُ حركةَ المقاومين المفاجِئةَ التي أرهقتْ الجيشِ وأربكتْ خططَه. وكان في هذه الأجهزة شرائحُ اتّصالٍ إلكترونيّةٌ تُبقيها على اتصالٍ دائمٍ بمراكزِ العمليّات، حيث تُرسلُ ما تلتقطُه في بثٍّ مباشرٍ على مدارِ الساعة.
اكتشفتِ المقاومةُ بعضَ هذه الأجهزة، وبحرفيّةٍ عاليةٍ استطاعت السيطرةَ عليها وتفكيكَها وإبطالَ عملِها، ثم احتفظتْ بشرائحِ الاتّصالِ الإلكترونيّةِ التي كانت في داخلها، ليكتشفَ العدوُّ لاحقًا أنّ وحدةَ الظلِّ فعّلت تلك الشرائح قبيلَ عمليّةِ التسليم؛ لإجراءِ هذه المكالماتِ مع أهالي الأسرى عبرَها، فكان هذا نجاحًا جديدًا يُضافُ إلى سلسلةِ نجاحاتِ هذه الوحدةِ المباركة في حربِ التقانةِ والعقول.
أسرارُ النجاح
إنّنا إذا ذهبنا نستقرأُ أبرزَ ما يميِّزُ هذه الوحدةِ، لوجدنا أنّ أهمَّ عواملِ نجاحِها -بعد توفيقِ اللهِ عزَّ وجلَّ- هوَ السرِّيةُ والكتمانُ؛ أي الحفاظُ التّامُّ على المعلوماتِ، لدرجةِ عدمِ تسربِ أيِّ معلومةٍ إلى العدوِّ عن تحرُّكاتِهم أو أماكنِ وجودِهم خلال عامين من الحرب، فضلاً عن سنواتٍ طويلةٍ من احتجازِ الأسيرِ السابقِ جلعاد شاليط (الذي أسرَته المقاومةُ سنةَ 2006)، وظلَّ تحتَ حراسةِ وحدةِ الظلِّ حتى تمَّتْ مبادلتهُ سنةَ 2011 في صفقةِ “وفاء الأحرار” التي خرجَ بمقتضاها أكثرُ من 1000 أسيرٍ فلسطينيٍّ من سجونِ الاحتلال.
وبفضلِ هذا الانضباطِ الأمنيِّ العالي نجحت هذه الوحدةُ في الاحتفاظِ بهذا الأسيرِ دونَ تسربِ أيِّ معلومةٍ عنه، على الرغمِ من المحاولاتِ الحثيثةِ للعدوِّ بشتى السبلِ على مدار نحو خمسِ سنواتٍ للوصولِ إليه؛ إلا أنّه فشلَ فشلاً ذريعاً، واضطرَّ في النهايةِ إلى إجراءِ الصفقةِ التي خرجَ فيها سيدُ الطوفان وقائدُه أبو إبراهيم السنوار -تقبله الله-، فانظر إلى أهميةِ دورِ هذه الوحدةِ، وخطورةِ العاملِ الأهمِّ في نجاحِها وهوَ السرِّيّةُ والكتمانُ!
السرِّيّةُ في السيرةِ النبويّة: تأصيلٌ وممارسةٌ
وهذا الأمرُ -أعني مسألةَ السرِّيّةِ والكتمانِ- من الأمورِ البارزةِ في سيرةِ النبيِّ ﷺ، خاصّةً في صراعاتِ المسلمينَ العسكريّةِ مع أعدائِهم طوالَ العهدِ المدنيّ. فإذا ذهبنا نستقرئْ أحداثَ السيرةِ والغزواتِ النبويّةَ، وجدنا الكثيرَ من النصوصِ الشرعيّةِ التي تحثُّ على السرِّيّةِ والكتمانِ في الخططِ والتحرُّكات، ورأينا تطبيقًا عمليًّا من رسولِ الله ﷺ في الحفاظِ على المعلومات والحرصِ الشديدِ على التعميةِ والتمويهِ المستمرِّ على نواياهُ وتحركاتِه وخططِه العسكريّة.
ولنأخذ بعضَ الأمثلةِ على ذلك:
سرِيَّةُ نخلة: أوّلُ تطبيقٍ لمبدأِ الأوامرِ المختومة
“في رجبٍ سنةَ ٢ هـ الموافقِ يناير سنةَ ٦٢٤ م، بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ جَحشٍ الأسديَّ إلى نَخْلة في اثنَي عشرَ رجلًا من المهاجرين، كلُّ اثنَين يعتقبان على بعيرٍ. وكان رسولُ اللهِ ﷺ كتبَ له كتابًا، وأمرَه ألّا ينظرَ فيه حتّى يسيرَ يومَين، ثمّ ينظرَ فيه. فسارَ عبدُ اللهِ، ثمَّ قرأ الكتابَ بعدَ يومَين، فإذا فيه: “إذا نظرتَ في كتابي هذا فامضِ حتّى تنزلَ نَخلةَ بين مكةَ والطائف، فترصدْ بها عِيرَ قريشٍ، وتعلَمْ لنا من أخبارِهم”.
فقال: سمعًا وطاعةً، وأخبرَ أصحابَه بذلك، وأنَّه لا يُكرِهُهم، فمن أحبَّ الشهادةَ فلينهضْ، ومن كرهَ الموتَ فليرجعْ، وأمّا أنا فناهِضٌ. فنهضوا كلُّهم… القِصّةُ”.
في هذه السَرِيّةِ، كان النبيُّ ﷺ بصددِ تكليفِهم بمهمّةٍ استطلاعيّةٍ خطيرةٍ في منطقةِ بطنِ نخلةَ، وهي على الطريقِ التجاريِّ بين مكّةَ والطائف، أي في خاصرةِ مكّةَ الاقتصاديّةِ وبعيدةٍ مئاتِ الكيلومتراتِ عن المدينة. إذن فاحتماليّةُ وقوعِ هذه السرِّيّةِ في قبضةِ قريشٍ وحلفائِها كبيرةٌ، في حالِ تسربتْ معلومةٌ عن طبيعةِ مهمّتِها أو مسرحِ عملياتِها -وتضحُ هذه الخطورةُ من إشارةِ عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ لأصحابه أنَّ مَن أحبَّ الشهادةَ فلينهض معه!-.
لذلك كان هذا الابتكارُ النبويُّ في التكليفِ بالمهمّةِ -الذي ربما لم تعرفْه العربُ من قبل- وهو ما يُعرَفُ اليومَ في العلومِ العسكريّةِ باسم “الأوامرِ المختومة”، حيثُ كتمَ النبيُّ ﷺ طبيعةَ المهمّةِ، وسلّمَ لأميرِ السرِيّةِ كتابًا مغلقًا فيه تفاصيلُها من حيثُ الوجهةُ ومسرحُ العملياتِ والأوامرُ التنفيذيّةُ، وأمرَه ألّا يفتحَه إلّا بعدَ مسيرةِ يومَين جهةَ الجنوب، ليضمنَ رسولُ اللهِ ﷺ عدمَ تسربِ أيّةِ معلوماتٍ عن هذه السَرِيّة، وبذلك أرْسى النبيُّ ﷺ مبدأَ الانضباطِ المعلوماتيّ، وأصبح نموذجًا مبكِّرًا لفنِّ الأمنِ العملياتيّ في الفكرِ العسكريّ الإسلامي.
في غزوةِ بدر: التوريةُ والتمويهُ
في طريقِ النبيِّ ﷺ إلى بدرٍ، وذلك بعد أن علمَ بقدومِ جيشِ المشركين، واتّخذَ قرارَ المواجهةِ العسكريّةِ بعد مشاورةِ أصحابِه، قامَ بنفسِه بعمليّةِ الاستكشافِ وجمعِ المعلومات عن جيشِ المشركين، ومعه رفيقُه في الغارِ أبو بكرٍ الصدّيقُ رضيَ اللهُ عنه. وبينما هما يتجوّلان حولَ معسكرِ مكّة، إذا هما بشيخٍ من العرب، فسأله رسولُ اللهِ ﷺ عن قريشٍ وعن محمدٍ وأصحابِه، فقال الشيخُ: لا أُخبرُكما حتّى تُخبراني مَن أنتما؟ فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: “إذا أخبرتنا أخبرناك”.
قال: أوَ ذاك بذلك؟ قال: نعم.
قال الشيخُ: بلغني أنّ محمّدًا وأصحابَه خرجوا يومَ كذا وكذا، فإن كان صدقَ الذي أخبرني، فهم اليومَ بمكانِ كذا وكذا -للمكانِ الذي به جيشُ المدينة- وبلغني أنّ قريشًا خرجوا يومَ كذا وكذا، فإن كان صدقَ الذي أخبرني، فهم اليومَ بمكانِ كذا وكذا -للمكانِ الذي به جيشُ مكّة-.
ولمّا فرغَ من خبرِه قال: ممن أنتما؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: “نحن من ماء”. ثمَّ انصرفَ عنه، وبقي الشيخُ يقول متعجِّبًا: ما من ماء؟ أمِن ماء العراق؟!
في هذه الحادثةِ رأينا رسولَ اللهِ ﷺ يخرجُ بنفسِه للاستطلاعِ والحصولِ على المعلومات عن جيشِ المشركين، وفي هذا دلالةٌ واضحةٌ على أهميّةِ المعلوماتِ في الحروب، فبها يُدرَسُ الواقعُ وتُبنى الاستراتيجياتُ وتُرسَمُ الخطط. ثم نراه ﷺ يسألُ الرجلَ عن جيشِ محمدٍ وجيشِ قريشٍ؛ تمويهًا عليه، لئلّا يستنبطَ أنّه من جيشِ محمدٍ إن سألَه عن قريشٍ وحدها، فيمتنعَ عن إجابته.
فاستخدمَ رسولُ اللهِ ﷺ التمويهَ في السؤالِ، ثم بعد أن حصلَ على المعلوماتِ التي لدى الشيخِ، لم يُفْشِ له أيَّ معلومةٍ قد تُضرُّ بمصلحةِ الجيشِ المسلم، فلم يُعرِّفْه بنفسِه ولا بصاحبه، بل أجابَه بالتورية إجابةً عامّةً: “نحن من ماء”، وكلُّ الناسِ أصلُها من ماءٍ.
ولم يفهمِ الشيخُ المعنى، فظلّ متعجّبًا يسأل: من أيِّ ماء؟ أمن ماءِ العراق؟! لكنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لم يُمهله، وانصرفَ راجعًا إلى معسكرِ الجيشِ المسلم، وقد حصلَ على معلوماتٍ ثمينةٍ عن موقعِ جيشِ المشركين، وفي الوقتِ نفسه حافظَ على سرِّيّةِ شخصيّتِه وصاحبِه.
وهذا درسٌ بليغٌ مركَّبٌ في أهميّةِ المعلومة، وفي جوازِ التمويهِ والتوريةِ والخداعِ في الحرب، وضرورةِ السرِّيّةِ والكتمانِ حتى في أدقِّ التفاصيل.





