
مقابر الكرمك تكشف فظائع الدعم السريع
أغسطس 10, 2026
من يساعد اليهود في فلسطين خائن للأمة
أغسطس 11, 2026بقلم: العلامة المجدد: محمد رشيد رضا وكان شاهد عيان على هذه المرحلة
وعد الإنكليز باستقلال العرب، ومساعيهم معنا في هذه الأثناء، بلغنا بعض رجال الدولة البريطانية هنا بأن حكومتهم عزمت على العطف على العرب ومساعدتهم بنفوذها الأدبي عند الدولة العثمانية على ما
يطلبون من الإصلاح، إذا بقيت الدولة على الحياد الذي تتظاهر به، وأما إذا انضمت إلى ألمانيا في الحرب فإنها تساعدهم على الاستقلال وتكوين دولة عربية.
ولما اصطلت الدولة بنار الحرب وقع الرعب في قلوبنا، وكان أخوف ما نخاف عليه بلادنا العربية؛ لأنها خالية من الحصون والمعاقل الحربية، وبعيدة عن مركز القوة والسلاح في الدولة، ولم نلبث أن استدعانا بعض رجال الدولة البريطانية هنا، وبلغونا ثانية أن دولتهم قررت باتفاق الأحزاب مساعدة العرب على الاستقلال في جميع بلادهم، وأنها لا تبغي أخذ شيء منها، وإذا اضطرت إلى محاربة الترك فيها فإنها تترك لهم كل ما تَدخُله منها بعد إخراج الترك منه، وأنهم يحبون أن يعرف العرب هذا ويكونوا مطمئنين آمنين على أنفسهم من جانب البريطانيين، فلا يتخذونهم أعداء.
وقد جاءنا نبأ من مصدر عالٍ في السودان بمثل ما بلغنا بمصر عن بلاغ من لندن، ثم أطلعونا على منشور يريدون نشره في البلاد العربية بهذا المعنى، فلم نر عبارته مفيدة ما وعدونا به، بل هي إيهام محض، فاقترحنا عليهم أن يصرحوا فيه بالمراد تصريحًا لا يحتمل التأويل، ككونهم يتعهدون باستقلال هذه البلاد إذا ظفروا في الحرب، وبحمل حلفائهم على ذلك، وبعدم أخذ شيء من البلاد العربية، لا باسم الفتح والامتلاك، ولا الحماية ولا الاحتلال، ولا بأي اسم من أمثال هذه الأسماء، وبأنهم يخرجون من البلاد التي دخلوها كالفاو والبصرة، والتي سيدخلونها من بعد بلا شرط ولا قيد.
وبعد التشاور بينهم ومراجعة حكومتهم العليا بلندن في ذلك حذفوا هذه القيود، وكانوا يرجون منا مساعدةً بناء على تلك الوعود، فكتبنا لهم مذكرة بعد مذكرة في الاحتجاج على ما ظهر لنا منهم، وبيان خوف العرب على بلادهم من إنكلترة دون سواها واعتقادهم أنها هي الخصم لهم، وتحذيرهم من الغرور بما تكتب جرائدهم وبعض الجرائد المداهنة لهم من وصفهم بأنهم أصدقاء العرب، وأن العرب أصدقاؤهم، وبيان مكان الدولة العثمانية من الإسلام والمسلمين، وما هم مستهدفون له من عداوة العالم الإسلامي لهم، وفي مقدمته مسلمو الهند وجعلهم إلبًا واحدًا عليهم إذا هم استولوا على بلاد العراق وسورية، ومنها البلاد المقدسة، وما يترتب على ذلك من صيرورة الحجاز تحت رحمة تصرفهم مع محاربتهم للدولة التي يعترف لها السواد الأعظم من المسلمين بأنها دولة الخلافة، إذ يعتقدون حينئذ حقية ما تتهم به دولتهم من عزمها على إزالة الحكم الإسلامي من الأرض، وأن السلطة الإسلامية في نظر المسلمين أهم المهمات، وثانية عقيدة التوحيد؛ لأنها سياجها وحفاظها، وأن هذا هو السبب في تعلق مسلمي الأرض بالدولة العثمانية وحبها.
وبَيَّنَّا لهم في أول تلك المذكرات أن الاستيلاء على البلاد العربية وحفظ السلطة الأجنبية فيها ليس بالأمر السهل، ولا بالمركب المذلل، بل يحتاج إلى قوة برية كبيرة جدًّا لمنع الثورات… إلخ.
كان غرضنا من هذه المذكرات إقناع الدولة البريطانية بأنه لا يمكن لها أن تقنع العالم الإسلامي بأن قتالها للدولة العثمانية ليس عدوانًا على الإسلام وسلطانه لأجل تقليص ظله من الأرض، بل لتحيزها إلى أعدائهم الألمان عليهم وعلى أحلافهم -إلا إذا أعطت العهد والميثاق بالاعتراف باستقلال البلاد العربية التي هي مهد الإسلام، وفيها معاهده المقدسة: الحرمان الشريفان والمسجد الأقصى في القدس، ومعاهد العلم ومشاهد الأئمة للشيعة في النجف وكربلاء وهي مظهر حضارة الإسلام العربية، وموطن الخلافتين الأموية والعباسية، مع بيان ما في ذلك من الفوائد السياسية والاقتصادية والأدبية التي شرحناها لهم بالصدق الخالي من شوائب الإيهام، وستنشر هذه المذكرات في يوم من الأيام، مع مكتوبات أخرى في المسألة عظيمة الشأن.
خاب سعينا إلى ما سعينا إليه من عهد أو وعد رسمي بذلك، ولم نغتر بالإيهامات التي كانت تصدر أحيانًا من برقيات روتر وأقوال بعض الجرائد الإنكليزية بوعد بريطانيا العظمى بالعطف على العرب، وما ينتظر من سعادة البلاد العربية إذا تحررت من سلطة الترك، وإعادتها مجد هارون الرشيد والمأمون، وعلمنا مما دار بيننا وبين رجالهم الذين بمصر، ومن مذاكراتنا مع السير مارك سايكس الذي أرسلته السلطة العليا من لندن إلى مصر والعراق لدرس المسألة العربية سنة 1915 -أن القوم ثابتون على طمعهم في بلادنا، وهو ما كنا نعلمه قبل الحرب بسنين كثيرة، ونوهنا به في “المنار” مرارًا، وكان لهم طمع في مساعدتنا إياهم على إقناع العرب بما أشرنا إليه آنفًا، ولو بكتابة شيء ما في جريدة “الكوكب”
التي أنشئت لأجل هذا الخداع، فخاب أملهم فينا كما خاب أملنا فيهم.
***
ما كان بين الإنكليز وأمراء العرب
ولَّى الإنكليز وجوههم شطر أمراء العرب وزعمائهم في الجزيرة والعراق وسورية للاستعانة بهم على مناوأة الدولة العثمانية بالخروج عليها أو خذلانها، فأعرض عنهم إمام اليمن، ووالى الدولة في الحرب كما عاهدها في السلم، وواتاهم أمير نجد وسيد عسير على الوقوف على الحياد، ووالاهم شريف مكة بإعلان استقلال الحجاز ومقاومة طغمة “الاتحاد والترقي” الطاغية الباغية أولاً، ثم بمناوأة الدولة ومحاربتها ومساعدة الجيش الإنكليزي على فتح بيت المقدس والشام.
وقد انخدع أهل سورية والعراق بهذه الموالاة والمحالفة، وصدقوا التغرير الذي كان يوجه إليهم في المنشورات والجرائد، ولا سيما جريدة الكوكب، ووافق ذلك شدة طغيان الاتحاديين وتنكيلهم بعرب سورية والعراق تقتيلاً وتصليبًا وتغريبًا وتعذيبًا؛ فوجد المضطهدون منهم مهربًا وملجأ من العذاب، ففروا إليه بآمال كبيرة إذ ظنوا أن حوادث الزمان قد مهدت السبيل بهذه الحرب واشتغال الدول الأوربية الطامعة بعضها ببعض لاستقلال البلاد العربية وإعادة حضارة العرب الزاهية العالية التي يفتخر بها التاريخ.
ولعمري إن الفرصة قد كانت سانحة لو وجد في البلاد العربية زعماء أكفاء يغتنمونها من غير أن يجنوا على الجامعة الإسلامية بإسقاط الدولة العثمانية.
***
ثورة الحجاز والاتفاق مع بريطانية
كانت حركة الشريف الأولى في الحجاز من النتائج التي تقتضيها المقدمات التي سبقتها بحسب سنة الاجتماع، وكان يمكن أن يكون أقل ما يقال فيها ما قلناه عقب حدوثها، إما أن تنفع وإما ألا تضر، وأكبر ما يُرجَى منها أن تُتخذ وسيلة لجمع كلمة العرب في الجزيرة وتنظيم القوة لحفظ البلاد العربية من السقوط تحت سلطة دولة أجنبية إذا غُلبت الدولة بالتبع لانكسار حليفتيها الكبريين ألمانيا والنمسا، وكان هذا ما يجب القيام به على من استطاع إليه سبيلاً من كل عربي وكل مسلم أيضًا، ولو كان من الترك الذين يهمهم شأن الإسلام.
ولما ذهبتُ إلى الحجاز عقب ثورته لأداء فريضة الحج صرحت لأميره (وملكه اليوم) برأيي وما أعجبني من جعل خروجه وعدائه خاصًّا بالاتحاديين الذي فرقوا الكلمة ونكلوا بالعرب السوريين وغيرهم في الوقت الذي هم أحوج فيه إلى التأليف والاتحاد، وما يجب من اتقاء عداوة الترك وإضعاف الدولة، وحصر السعي في جمع كلمة العرب وإيجاد قوة جديدة لهم من السلاح وغيره استعدادًا لحفظ حياتهم، والنهوض بأمر استقلالهم إذا انكسرت الدولة، وحفظ حقوقهم معها إذا هي انتصرت كما يتمنى كل مسلم.
وقد ظهر لي منه الموافقة على هذا الرأي، وخطبتي التي ألقيتها أمامه في احتفال العيد العام بمِنى وتصديقه إياي في كل مقاصدها برهان رسمي على ذلك مطبوع في جريدة القبلة ومجلة المنار.
على أنني لما عرضت عليه الشروع في مخاطبة أئمة الجزيرة حوله إلى الوحدة وجمع الكلمة، قال: إنه يرى تأخير ذلك إلى أن يستولي على المدينة المنورة لئلا يظن جيرانه أنه يخطب ودهم خوفًا منهم لا رجاءً وسعيًا للمصلحة العامة.
ولم يرضني هذا الجواب، فقلت له: يمكن أن يكون السعي من قبل بعض وجهاء العرب لا باسمكم، بشرط موافقتكم إذا هم وافقوا، فأبى إلا إرجاء ذلك. وبعد أن عدت إلى مصر أخبرني وأخبر غيري بعض من كان في خدمته أنه قال: “من هؤلاء الكلاب حتى أتفق معهم؟ اليوم يوجد في الدين الأمير فلان والإمام فلان، وغدًا لا يوجد لا هذا ولا ذاك” وذكر أسماءهم. ولكن هذا الناقل ممن بلونا عليهم الكذب، وقد كذب لنا وعلينا وله وعليه. وقد يصدق الكذوب، وكان ما قاله هو الواقع، بل كان من الواقع أن تَقاتل مع ابن سعود بدلاً من أن يتحدا.
ثم إن الشريف بعد أن بايعه أهل الحجاز باسم ملك العرب واعترف له حلفاؤه من الإنكليز والفرنسيس بملك الحجاز فقط، جاهر بعداوة الدولة العثمانية والترك، وبذل الجهد في قتالهم، فخاب أملنا في وقوف ثورته عند الحد الأدنى مما رجوناه منها بعد أن رفض السعي إلى الحد الأعلى أو السماح به، وقد أشرنا إلى ذلك بقولنا في بيان الحالة السياسية في الحجاز من الرحلة الحجازية (ص281 من المجلد العشرين) عند الكلام على ما كان يراد من مبايعة الشريف بالخلافة وسعينا إلى مقاومة ذلك :
“بِتُّ ليلتي أفكر في هذه المسألة… وكان رأيي في مسألة الخلافة هو ما قيل لي في هذه الليلة عن رأي الأمير دون من حوله، وقد أكبرته لذلك، وكان أعجبني من منشوريه الأولين جعل عداوته لفئة الاتحاديين المتغلبة لا للشعب التركي كله، ولا للدولة العثمانية أيضًا، وكذلك كانت الثورة في أول عهدها”.
فمفهوم هذه الجملة الأخيرة أن الثورة الحجازية تحولت عند كتابة هذه النبذة من الرحلة عما كانت عليه من ذلك في أول عهدها، ومنه الوقت الذي كنت فيه بمكة، وهذا كل ما كان يمكن التلميح إليه تحت عين المراقبة (وذلك في ربيع الآخر سنة 1336 فبراير سنة 1918)، ولمّحت قبله في (ص280) إلى الحديث الذي دار بيني وبين الشريف الأمير في شكل حكومة الحجاز الجديدة بقولي: “إنني ذكرت له رأيي مفصلاً تفصيلاً”
وأقول الآن: إن ذلك تفصيل كان في بيان محظورات انتحاله لمنصب الخلافة، وما يترتب عليه من المفاسد مع كونه هو مبايعًا للسلطان محمد رشاد، وحديث: “إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما” رواه مسلم في صحيحه، وكون بيعة أهل الحجاز له لا تصح لأنه ليسوا أهل الحل والعقد في الأمة الإسلامية، وهم خاضعون لسلطته وحكمه غير أحرار في اختيارهم، وكراهة العالم الإسلامي كله لثورة الحجاز.
وغير هذا مما لم يكن التصريح به ممكنًا في عهد المراقبة، وقد كان الشريف يؤمل أن أكون من أنصار الثورة وأعمال الحجاز، وكان هذا ما يجب عليَّ لو جرت الأعمال على ما أعتقد صلاحه كما صرَّحت له عند وداعه، ولما لم أفعل أظهرت حكومته لي العداء، وأمرت بمنع المنار من دخول الحجاز بحجة أنني طعنت في رجالها بما يرفع الثقة منها، ونشر ذلك في جريدة “القِبلة” ولله الحمد، فلما علمت به كان أول ما خطر على قلبي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38] فإنه يدفع عني اتهام كثير من الناس إياي بمشايعة هذه الثورة مطلقًا، وأردت نشر بلاغ المنع في المنار، فمنعتني المراقبة الإنكليزية على أنه كان نشر في جريدة (وادي النيل) في الإسكندرية، وسعى بعض رجال المكتب العربي في الصلح بحملي على تأويل لما كتبت اقترحوه، فلم أقبل، ولكنني أشرت إلى سبب ما كتبته وغرضي الصحيح منه بما لا يرضي الشريف، على أن غضبه كان لسبب آخر.
والسبب الذي جرَّأ أمير مكة -بالأمس وملك الحجاز اليوم- على ما فعل وجعله لا يبالي بالتُّرك ولا بأمراء جزيرة العرب، هو الاتفاق الذي عقده مع بريطانيا العظمى قبل الثورة، فإنه كان يظن أن سيحكم به جزيرة العرب وسورية والعراق بقوة بريطانيا العظمى التي لا تعلوها قوة في العالم، وقد أشرنا إلى ذلك في بيان صفاته من الرحلة الحجازية بقولنا (ص357 م30):
“ومنها أن ثقته بالدولة البريطانية وتقديره لقوتها وعظمتها لا حد لهما ولا سلطان لشيء عليهما”.
فلهذا لم يكن لأحد إقناعه بغير ما اعتقده وجرى عليه لا ببرهان العقل ولا بحجج النقل، وله في جريدة “القبلة” أقوال في ذلك غريبة نقلنا بعضها، وفيما لم ننقله ما هو أغرب منه حتى ما نشر بعد خذلانها له ولولده فيصل غير مرة، وهذا الإيمان والتسليم لها في حالتي الرضا والغضب هو الذي عطفها عليه وعلى أولاده أخيرًا كما يأتي بيانه.
على أنه كان يكتم نص هذا الاتفاق حتى عن أولاده حافظًا إياه مع المكتوبات الرسمية الأخرى في الكيس الأزرق الذي لا تناله غير يده. وقد كان بعض البريطانيين أطلعني على نص هذا الاتفاق بالعربية قبل الثورة وسألني عن رأيي فيه، فقلت واجمًا متألمًا: “هذا اتفاق لا يرضى به إلا عدوّ للعرب أو حمار لا يفهم معناه”.
فاحمر وجهه ووقعت بيني وبينه مناقشة حادة فيه إلا أنني تألمت في نفسي لجريان كلمة (حمار) على لساني. وما رأيته قريب مما بلغه الشريف فيصل في دمشق لجريدة “المفيد”، ونشر فيها ونشرناه في الجزء الثالث من هذا المجلد إلا أن فيه تصريحًا بأن غربي سورية ليس عربيًّا، وأنه لا يدخل في الاتفاق لما تدعيه فرنسا من الحقوق فيه، وأن ما عداه من البلاد العربية التي لا ينازع إنكلترة أحد في نفوذها فيه هو الذي تعترف باستقلال ما يستولي عليه الشريف منه بشروط، منها: استثناء ولاية البصرة الخاصة بالإنكليز، وكون جميع ما تحتاج إليه البلاد التي تستقل باستيلاء الشريف عليها من الموظفين وغير الموظفين مما يحتاج إليه لإدارة البلاد، فإنما يطلبه من إنكلترة، واعترافه بجميع ما بينها وبين أمراء العرب وزعمائهم من الاتفاقات والمكاتبات (وإن لم يطلع على شيء منها) فالشروط خمسة هذا مضمونها، ولا أدري هل عُدِّل شيء منها أم لا.
وقد قيل إن لديه معاهدات ومكاتبات أخرى، وإنما العبرة بالعمل، فهو الذي لا يماري أحد فيه، وسيأتي ذكر ما انتهى إليه شوطه وشوط أولاده فيه، على أنه ظهرت قوادمه وخوافيه.





