
الخطاب الدعوي المعاصر في زمن الشبهات والشهوات المشروع والممنوع (1)
أغسطس 10, 2026كشفت السلطات المحلية في مدينة الكرمك بإقليم النيل الأزرق عن العثور على مقابر جماعية تضم جثامين 25 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، إلى جانب عدد من العاملين في مستشفى المدينة، في واقعة تفتح من جديد ملف الانتهاكات التي شهدتها المناطق التي خضعت لسيطرة قوات الدعم السريع خلال الحرب السودانية.
وقال محافظ الكرمك، عبد العاطي محمد الفكي، إن المقابر اكتُشفت خلال عمليات تمشيط نفذتها القوات المسلحة في المناطق الشمالية الشرقية للمدينة، بعد استعادتها من قوات الدعم السريع، مشيرًا إلى أن الجثامين عُثر عليها في منطقة جبل فنكت.
واتهم المحافظ قوات الدعم السريع بالمسؤولية عن إعدام المدنيين الذين عُثر على جثامينهم في المقابر، موضحًا أن الضحايا ينتمون إلى فئات مدنية مختلفة، بينهم نساء وأطفال وكبار سن وعاملون في مستشفى الكرمك، الأمر الذي يجعل القضية، حال ثبوتها، واحدة من أخطر الوقائع المرتبطة بالانتهاكات ضد المدنيين في إقليم النيل الأزرق.
وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على الأوضاع التي عاشها سكان الكرمك خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع عليها، في ظل إفادات سابقة تحدثت عن عمليات قتل ونهب وتهجير قسري طالت المدنيين.
وبحسب السلطات المحلية، فإن العثور على المقابر جاء بعد أكثر من شهر على استعادة القوات المسلحة للمدينة، ما يثير تساؤلات واسعة بشأن مصير المدنيين الذين اختفوا خلال المعارك وفترة سيطرة الدعم السريع، وحجم الانتهاكات التي ربما لم يتم توثيقها حتى الآن.
وتحتاج هذه الوقائع إلى تحقيق مستقل وشفاف يكشف هوية الضحايا وملابسات مقتلهم، ويحدد المسؤولين عن تلك الجرائم، خصوصًا أن الاتهامات تتعلق بمدنيين، بينهم نساء وأطفال وعاملون في منشأة صحية، وهي فئات يفترض أن تحظى بحماية خاصة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني.
واستعاد الجيش السوداني مدينة الكرمك في 8 يوليو الماضي، بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها منذ 8 مارس 2026، في هجوم عسكري مدعوم من الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، انطلق من المناطق الحدودية مع إثيوبيا.
وتكتسب الكرمك أهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعها القريب من الحدود الإثيوبية، ما جعلها طوال العقود الماضية واحدة من أبرز مناطق التنافس العسكري في إقليم النيل الأزرق، وقد شهدت خلال الحرب الحالية مواجهات عنيفة جعلت سكانها عرضة لتبعات القتال والنزوح والانتهاكات.
ويأتي الكشف عن المقابر في سياق أوسع من التقارير التي تتحدث عن العثور على مقابر جماعية في مناطق مختلفة من السودان، ولا سيما في الخرطوم والجزيرة، بعد استعادة القوات المسلحة مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
ويعيد الكشف عن مقابر الكرمك طرح الأسئلة بشأن حجم الانتهاكات التي وقعت في المناطق التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع، خصوصًا في ظل تعدد الشهادات والاتهامات المتعلقة بعمليات قتل خارج نطاق القانون، والاعتقال، والتهجير، والنهب، والانتهاكات بحق المدنيين.
ولم يصدر حتى الآن تعليق من قوات الدعم السريع بشأن الاتهامات التي أعلنها محافظ الكرمك، كما لا يمكن التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل الواقعة أو تحديد المسؤولين عن الوفيات قبل إجراء تحقيقات ميدانية مستقلة وفحص الأدلة الجنائية.
غير أن طبيعة الاتهامات، ولا سيما ما يتعلق بوجود نساء وأطفال وعاملين في مستشفى بين الضحايا، تستدعي تحقيقًا عاجلًا لا يكتفي بتوثيق أعداد القتلى، وإنما يكشف تسلسل الأحداث، ويحدد المسؤولين عنها، ويضمن عدم إفلات المتورطين من المساءلة.
وتؤكد هذه التطورات أن المدنيين ما زالوا يدفعون الثمن الأكبر للحرب السودانية المستمرة منذ أبريل 2023، في ظل تصاعد الاتهامات الموجهة إلى طرفي الصراع بارتكاب انتهاكات واسعة.
ويجعل العثور على مقابر جماعية في الكرمك من الضروري التعامل مع ملف الانتهاكات باعتباره قضية مستقلة عن الحسابات العسكرية والسياسية، خصوصًا أن الكشف عن مصير الضحايا ودفنهم وتوثيق هوياتهم يمثل حقًا أصيلًا لأسرهم، كما أن محاسبة المسؤولين عن قتل المدنيين تبقى شرطًا أساسيًا لمنع تكرار هذه الجرائم.
ومع استمرار الحرب، تظل الكرمك شاهدًا جديدًا على الكلفة الإنسانية الباهظة للصراع، فيما تتزايد الحاجة إلى توثيق الانتهاكات بصورة مستقلة، وكشف مصير المفقودين، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن استهداف المدنيين أو ارتكاب جرائم بحقهم.





