
تلميذي الذي بدّل حياتي!
أغسطس 9, 2026
الخطاب الدعوي المعاصر في زمن الشبهات والشهوات المشروع والممنوع (1)
أغسطس 10, 2026بقلم: الشيخ فرج كُندي سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في ليبيا
القرآن الكريم كتابًا لا يروي التاريخ للتسلية، ولا يسرد أخبار الأمم الماضية لمجرد المعرفة، بل هو كتاب هداية، يجعل من التاريخ مختبرًا لسنن الله في قيام الحضارات وسقوطها، وفي نهوض الأمم وانهيارها. ولذلك تكررت فيه قصص الأقوام السابقة، لا لذواتهم، وإنما ليقرأ الإنسان الحاضر مستقبله في مرآة الماضي؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111].
والسنة التي يكاد القرآن يجمع عليها أن الله سبحانه لا يهلك أمةً لمجرد وقوع أفرادها في المعصية، وإنما إذا تحولت الرذيلة إلى ثقافة، والفساد إلى نظام، والباطل إلى قانون، والظلم إلى سياسة، وأصبح الإصلاح غريبًا بين الناس قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117].
فهذه الآية تؤسس لقاعدة عظيمة؛ فوجود المصلحين هو صمام أمان المجتمع، أما إذا غاب الإصلاح، أو حورب أهله، اقتربت ساعة العقوبة.
أولًا: قوم نوح.. حين أصبح الشرك هوية المجتمع؛ كان أول انحراف عظيم عرفته البشرية هو عبادة الأصنام بعد أن كان الناس على التوحيد.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23].
وقد بيَّن عبد الله بن عباس أن هذه أسماء رجال صالحين، فلما ماتوا صُوِّرت تماثيلهم، ثم طال الزمان حتى عُبدت1.
ولم يكن فسادهم مجرد عبادة الأصنام، بل صاحبَه الاستكبار، والسخرية من المؤمنين، ورفض كل دعوة للإصلاح، حتى قال نوح عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح: 5]. واستمرت الدعوة قرابة ألف سنة إلا خمسين عامًا، ومع ذلك لم يزدهم ذلك إلا عنادًا.
فلما استنفدت وسائل الدعوة، جاءت سنة الله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ [القمر: 11] فأغرق الله الأرض كلها، ولم يُنجِ إلا أهل الإيمان.
إن الشرك إذا أصبح نظامًا فكريًا يحكم المجتمع، ويمنع الناس من التوحيد، كان بداية انهيار الحضارة مهما بلغت قوتها.
عاد.. حضارة القوة التي أهلكها الكبر
كانت عاد من أعظم الأمم عمرانًا وقوة؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 6-8].
لكن القوة أورثتهم الغرور حتى قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]. فجاءهم الجواب من السماء: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]. ولذلك كان هلاكهم بريح لا تُرى، ليعلم الإنسان أن أعظم الحضارات قد تسقط بسبب قوة لا تخطر لها على بال.
قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا عَاتِيَةً * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: 6-7].
ثمود… حين يقود الترف إلى التمرد
أنعم الله على ثمود بالجبال والقصور والهندسة والعمران قال؛ تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149]. لكن الترف إذا انفصل عن الإيمان يولِّد الطغيان؛ فلم يكتفوا بالكفر، بل قتلوا آية الله، وهي الناقة؛ قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ [الأعراف: 77]. وكان المحرِّض الحقيقي طبقة الفساد؛ قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: 48]؛ فكانت الصيحة والرجفة نهاية حضارة ظنت أن الجبال ستحميها.
قوم لوط… حين تُقنَّن الفاحشة
لم تكن جريمة قوم لوط مجرد وقوع أفراد في الفاحشة، وإنما تحويلها إلى سلوك معلن، والدفاع عنها، ومحاربة دعاة الطهر؛ قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80].
ولما دعاهم لوط إلى العفة، كان ردهم: ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]؛ فحين يصبح الطاهر متهمًا، والفاسد محترمًا، تكون الأمة قد تجاوزت مرحلة المرض إلى مرحلة الاحتضار.
فجاءت العقوبة: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: 74].
فرعون… حين يتحول الاستبداد إلى عقيدة
جمع فرعون كل أسباب الهلاك: الكفر، والاستبداد، والقتل، والاستعباد، وتأليه الحاكم؛ قال تعالى: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]. وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38].
ثم مارس الإفساد السياسي والاجتماعي، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾ [القصص: 4].
فكان هلاكه من الماء الذي ظن أنه يملكه؛ قال تعالى: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الإسراء: 103]. وفي الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ: “إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته” ثم قرأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾2.
قوم تُبَّع.. ليست العبرة بالنسب أو المُلك
ذكر القرآن قوم تُبَّع ضمن الأمم المكذبة؛ قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: 37]. والراجح أن الذم متوجه إلى قومه المكذبين، لا إلى تُبَّع نفسه، فقد ورد عن النبي ﷺ: “لا تسبوا تُبَّعًا؛ فإنه قد كان أسلم”، وهو حديث حسنه عدد من أهل العلم. فالقرآن يقرر أن الملك العريض لا يمنع الهلاك إذا شاع الإجرام والتكذيب.
أصحاب الأيكة ومدين.. فساد الأسواق قبل فساد السياسة
بعث الله شعيبًا عليه السلام إلى قوم اشتهروا بالغش والتطفيف والاحتكار؛ قال تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: 181] وقال: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: 183]؛ فدل ذلك على أن انهيار الأمم يبدأ أحيانًا من فساد الضمير الاقتصادي قبل انهيار السياسة.
سنة الله التي لا تتبدل
عند التأمل في هذه القصص نجد أن أسباب السقوط تكاد تتكرر في جميع الأمم:
* الشرك والانحراف العقدي.
* الظلم والاستبداد.
* الاستكبار عن الحق.
* انتشار الفواحش والرذائل.
* الفساد الاقتصادي وأكل أموال الناس بالباطل.
* السخرية بالمصلحين ومحاربتهم.
* تحويل المنكر إلى قيمة اجتماعية، والمعروف إلى تهمة.
ولهذا قال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج: 45].
وقال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ [العنكبوت: 40]. فاختلفت صور العقوبات، لكنها اتفقت في السبب؛ وهو الإصرار على الفساد بعد قيام الحجة.
إن أخطر ما يهدد الأمم اليوم ليس ضعف الموارد، ولا قلة الإمكانات، وإنما انهيار المنظومة الأخلاقية والقيمية. فالقرآن يقرر أن الحضارات لا تموت عندما تضعف اقتصادياً فحسب، بل تموت عندما تفقد معيار الحق والباطل، ويتحول الفساد إلى ثقافة، والظلم إلى نظام، والرذيلة إلى حرية، ويُحارَب أهل الإصلاح ويُكرَّم أهل الإفساد.
وقد قال رسول الله ﷺ: “إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تُودِّع منهم”3.
وقال ﷺ: “إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه”4.
إن قصص القرآن ليست حكايات عن أمم انتهت، بل هي إنذار متجدد لكل أمة تسير في الطريق نفسه. فسنة الله لا تحابي أحدًا، قال تعالى: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].
فمن أراد بقاء الحضارة فليحفظ عقيدتها، وليقُم العدل، وليصُن الأخلاق، وليجعل الإصلاح رسالة المجتمع؛ فإن الأمم لا تُهزم من خارجها حتى تُهزم من داخلها، ولا تسقط من قوة عدوها قبل أن تسقط من فساد نفسها.





