
ماذا بعد الطوفان؟
نوفمبر 12, 2025
سيد قطب في ظلال القرآن (4/4) – مؤلفاته وآثاره
نوفمبر 13, 2025بقلم: أ.د. جمال بن عمار الأحمر الأنصاري – سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ- الجزائر
لا مِرية في أن غزة تعيش خراباً كبيراً في البلاد، وتشهد نكالاً احتلالياً كبيراً بالعباد. ومن الضروري إعادة إعمارها عاجلاً غير آجل.
أولاً: مواقف متنافسة على مستقبل غزة تحكُم خطط الإعمار
- المواقف الدولية عند مفترق طرق
لا تقتصر أزمة غزة المستمرة على الجانب الإنساني فحسب، بل هي سياسية بامتياز. منذ عام 2007، تحكم حماس غزة، مما يُعقّد جهود إعادة الإعمار بسبب رفض إسرائيل القاطع لحكم حماس.
إن هذا الموضوع حقل ألغام السياسي؛ إذ ترتبط إعادة الإعمار ارتباطًا وثيقًا بالتدافع السياسي الذي لم يُحل. ولكل طرف رؤية مميزة لمرحلة ما بعد الحرب في غزة، وغالبًا ما تكون متناقضة، مما يُحوّل إزالة الأنقاض إلى معركة بالوكالة من أجل المستقبل.
إن السؤال الذي يتردد صداه في أروقة السلطة في رام الله والقدس وواشنطن وبروكسل والدوحة والقاهرة ليس: هل سيُعاد بناء غزة؟ بل كيف يعاد بناؤها؟ ومن يعيد بناءها؟ وتحت سلطة من؟ والأهم من ذلك، لأي غاية يعاد بناء غزة؟ إن إعادة إعمار غزة ليست مجرد تحدٍ هندسي أو إنساني؛ بل هو مفاوضات عالية المخاطر (high-stakes negotiation) بشأن مستقبل الشعب الفلسطيني ومسار التدافع الاحتلالي الفلسطيني.
يُعدّ تحديد من سيحكم غزة في مرحلة ما بعد الحرب (post-war reality) أمرًا بالغ الأهمية لتنفيذ أي خطة إعادة إعمار. وتسعى الدول المانحة إلى ضمانات بأن استثماراتها لن تُدمَّر مجددًا بسبب تجدد الصراع، مما يُنشئ مفارقة مُعقّدة: فالاستثمار يتطلب استقرارًا في الحكم (governance stability)، بينما لا تزال شرعية الحكم (governance legitimacy) وسيطرته دون حل. يلعب العديد من موظفي الخدمة المدنية المرتبطين بحماس أدوارًا براغماتية، وإن كانت محل نزاع، في هذه البيئة.
- موقف الكيان الاحتلالي
يعارض حكام الكيان الهرتزالي بشدة عودة السلطة الفلسطينية لحكم غزة، معتبرةً إياها متواطئة مع الإرهاب. ويدعو شركاء نتنياهو في الائتلاف، وخاصةً وزراء اليمين المتطرف، إلى إعادة فرض السيطرة الأمنية على غزة إلى أجل غير مسمى، بما في ذلك إعادة احتلال الأراضي وتشريد أجزاء كبيرة من السكان. وتصر حكومة الكيان الغاصب على أن أي إعادة إعمار يجب أن تكون مشروطة بـ”نزع سلاح” غزة (demilitarization) وتفكيك قدرات حماس العسكرية والحكومية، وهو شرط يصعب تحقيقه عمليًا ومُثير للانفجار سياسيًا. كما يسعى يهود الاحتلال إلى منع أي إعادة إعمار من شأنها تعزيز قبضة حماس أو استخدامها لإعادة بناء شبكة أنفاقها وبنيتها التحتية العسكرية. ويترجمون هذا بوضعهم قيوداً صارمة على دخول المواد، والمطالبة بآليات رقابة غير مسبوقة (unprecedented oversight mechanisms). وهو ما يراه الكثيرون بمثابة إبقاء الحصار تحت ستار جديد.
- موقف حماس
حماس يرفضها الكيان الهرتزالي، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وجزء كبير من المجتمع الدولي، على أنها منظمة إرهابية (terrorist) غير صالحة للحكم.
وعلى الرغم من تلقيها ضربات عسكرية قوية، لا تزال حماس قوة سياسية واجتماعية فاعلة في غزة. وهي تَعدُّ تهديدًا وجوديًا كلَّ جهد يستبعدها من إعادة الإعمار أو يسعى إلى تفكيك هياكلها الحاكمة. ومن المرجح أن تقاوم حماس أي إدارة تقودها السلطة الفلسطينية أو تُفرض من الخارج، وستعرقل كل الجهود التي تراها تقوِّض سلطتها. ويخشى المراقبون أنها ستسعى إلى استنفاد طاقتها للتأثير على عملية إعادة الإعمار بتحويل الموارد. وتظل رؤيتها قائمة على دولة إسلامية في غزة، وإن كانت بعيدة المنال في ظل الظروف الحالية وتتعارض جوهريًا (at odds) مع المطالب الدولية.
- موقف السلطة الفلسطينية (PA)
السلطة الفلسطينية يرفضها الكيان المستزرَع الحالي، لافتقارها إلى المصداقية (credibility)، والقدرة، والدعم الشعبي داخل غزة نفسها. يلقي العديد من سكان غزة باللوم عليها في الحصار إذ يرونها متعاونة مع العدو.
ترى السلطة الفلسطينية الضعيفة في رام الله، والتي تفتقر إلى الشرعية الشعبية في الضفة الغربية أيضاً، أن مرحلة ما بعد الحرب فرصة محتملة لإعادة تأكيد دورها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني في كلا المنطقتين وإن كانت مهمتها محفوفة بالمخاطر. وقد اقترح الرئيس عباس ومسؤولوه سلطة فلسطينية “مُجدَّدة” (revitalized) تتولى الحكم في غزة، مع احتمال وجود أمني دولي لإتاحة الاستقرار وطمأنة الكيان اليهودي. ومع ذلك، تواجه السلطة الفلسطينية تحديات هائلة: فقواتها الأمنية ضعيفة، ومؤسساتها يَنظر إليها كثير من سكان غزة على أنها فاسدة وغير فعّالة، وتفتقر إلى الموارد المالية والدعم السياسي العربي اللازمين لحكم فعَّال في القطاع الـمُدمَّر. أما قدرتها على إتاحة خدمات الأمن فهي موضع شك كبير.
- موقف الولايات المتحدة الأمريكية
يوجد قتال بالوكالة تقوم به الولايات المتحدة ضد إيران؛ إذ تنظر واشنطن إلى الاقتتال من منظور مواجهة النفوذ الإيراني. فهي تسعى إلى تفكيك حماس، ذراع إيران، وإنشاء نظام جديد يُضعف “محور المقاومة” التابع لطهران. في المقابل، لا مصلحة لإيران في غزة مستقرة ومزدهرة في ظل حكومة متحالفة مع الولايات المتحدة. ومن المرجح أن تعمل على تخريب أي ترتيب يُهمّش حلفائها، ربما من خلال تمويل وتسليح الجماعات المسلحة المتبقية.
وتدافع إدارة ترامب ومن قبلها إدارة بايدن علنًا عن نموذج (revitalized PA) “إعادة إحياء السلطة الفلسطينية” باعتباره السبيل الوحيد القابل لتطبيق حل الدولتين (two-state solution). وقد بَذلتْ جهودًا دبلوماسية كبيرة لحشد الدعم الدولي لهذه الرؤية ولتأمين تعهدات بتمويل إعادة الإعمار. وعلى الرغم من ذلك، فإن السياسة الأمريكية مقيدة بالكونغرس أولاً، ومقيدة ثانياً بدعمها الثابت لمطالب الكيان الهرتزالي الأمنية خضوعاً لضغوطه السياسية الداخلية على يد جماعات الضغط المؤيدة لخرافة الصهيونية (pro-Israel lobbies)، ومقيدة ثالثاً بالواقع العملي المتمثل في عجز السلطة الفلسطينية حاليًا عن حكم غزة. كما تواجه الولايات المتحدة تحديًا يتمثل في موازنة دعمها للسلطة الفلسطينية مع ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين دون تقوية حماس، وهو أمر شبه مستحيل.
- موقف المجتمع الدولي
بناء على إشاعات الصهاينة أوقف العديد من المانحين الرئيسِين التمويل عن الأونروا (UNRWA) مما أدى إلى شل عملياتها في أسوأ ظرف إنساني. إن المجتمع الدولي الأوسع الذي يمثله الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، وغيرهما، يدعم عمومًا حل الدولتين وحكم السلطة الفلسطينية، ولكنه يشعر بالإحباط من غياب خطة واضحة وقابلة للتنفيذ بسبب الشلل الناجم عن القيود الاحتلالية والانقسام الفلسطيني (Palestinian disunity).
- موقف اللاعبين الإقليميين العرب
الدول المقصودة هنا هي مصر وقطر والإمارات والسعودية؛ إذ تشعر مصر، التي تشترك في حدود مع غزة، بقلق بالغ إزاء امتداد عدم الاستقرار واحتمالية النزوح الجماعي إلى أراضيها. وقد لعبت مصر دورًا وسيطًا باستضافة أعدادٍ كبيرة من السكان الفلسطينيين.
أما قطر فقد كانت منذ سنوات ممولًا رئيسًا لغزة، وغالبًا ما كانت توجه الأموال مباشرةً إلى حماس لدفع الرواتب والوقود، مما يجعلها طرفًا حاسمًا لكن مثيراً للجدل.
قبل الاقتتال الأخير، كانت الولايات المتحدة تتوسط في صفقة تاريخية بين السعودية وإسرائيل. وبينما أوقفت الحرب هذه المحادثات، إلا أنها خلقت أيضًا رابطًا جديدًا. لقد جعلت السعودية الآن مسارًا موثوقًا به نحو دولة فلسطينية شرطًا أساسًا للتطبيع. وهذا يمنح الرياض نفوذًا كبيرًا.
وتقدم السعودية والإمارات مساعدات إنسانية، إلا أنهما تركزان بشكل متزايد على اتفاقيات التطبيع الخاصة بهما مع الكيان الغاصب من خلال “اتفاقيات أبراهام”، وتشددان على المخاوف الأمنية الإقليمية، مما قد يجعلهما أقل ميلًا لتمويل غزة بقيادة السلطة الفلسطينية إذا كان ذلك يعرض تلك المصالح للخطر. وغالبًا ما يكون دعمهما لرؤية السلطة الفلسطينية فاترًا ومشروطًا.
8- موقف الأمم المتحدة
الأمم المتحدة، من خلال وكالاتها مثل الأونروا “وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى”، هي الجهة الفاعلة الإنسانية الرئيسة على الأرض. وعلى الرغم من ذلك فإن الأونروا نفسها تتعرض لانتقادات سياسية شديدة على لساني مسؤولي الكيان العدواني والولايات المتحدة. من هذه الانتقادات مزاعمهما التي تفيد بتورط بعض موظفي الأونروا في هجمات 7 أكتوبر، وهي اتهامات لا زالت قيد التحقيق.
ثانياً: خطط إعمار غزة
هذه مختلف المقترحات والخطط الدولية لإعادة إعمار غزة (Gaza’s reconstruction) وحوكمتها المستقبلية، وأقدمها خطة “الثقة الكبرى” المثيرة للجدل والمرتبطة بالأوساط الأمريكية والإسرائيلية، ثم على رأسها اليوم خطة الولايات المتحدة الأمريكية المكونة من 21 نقطة، وجهود الإنعاش الـمُنسّقة التي تبذلها جامعة الدول العربية والمجتمع الدولي ومنظمات متعددة الجنسيات.
- خطة الثقة الكبرى (GREAT Trust Plan)- رؤى وانتقادات مثيرة للجدل
إنها أقدم الخطط وأكثرها تطرفاً؛ وهي متجذرة في مقترحات متداولة داخل إدارة ترامب وبعض أوساط الكيان الاحتلالي السياسية. وقد أثارت هذه الخطة جدلاً حادًا بسبب نهجها المختلف جذريًا:
• حكم أمريكي مباشر لمدة عشر سنوات: والهدف المزعوم هو تنفيذ مشاريع تنمية شاملة وإعادة إعمار المناطق الحضرية.
• تهجير السكان (Population relocation): تتضمن الخطة، بشكل مثير للجدل، بناء مدن جديدة، بعد التهجير الطوعي لسكان غزة. وهو اقتراح يرى المنتقدون أنه يقترب بشكل خطير من التهجير القسري.
• إعادة الهيكلة الاقتصادية: تُدمج خطط مشاريع البنية التحتية الشاملة مع رؤية غزة كمنطقة خاصة خاضعة لنفوذ الولايات المتحدة وحلفائها.
ويرى المنتقدون أن خطة “الثقة الكبرى” هي مخطط لتهجير السكان (blueprint for dispossession) بدلًا من إعادة إعمار حقيقية. ويحذرون من أنها تقوَّض السيادة الفلسطينية، وقد تُديم الأزماتِ الإنسانية تحت ستار التنمية والأمن. وتُثير المعارضة المحلية والتعقيدات الجيوسياسية شكوكًا حول جدواها وأساسها الأخلاقي.
- خطة الولايات المتحدة الأمريكية ذات الـ21 نقطة (US 21-Point Plan)
إنها رؤية لإعادة الإعمار مع إصلاح سياسي مزعوم؛ إذ كُشفت نقاط هذه الخطة مؤخرًا، وقُدمت كإحدى أكثر الأطر تفصيلًا لمستقبل غزة. تُركز الخطة على عدة مبادئ رئيسة:
• لا تهجير قسري (No forced displacement): يُمكن للغزيين الراغبين في المغادرة القيام بذلك، ولكن يُضمن لهم أيضًا حق العودة، وهو توازن دقيق يحترم الخيار الفردي والحقوق الجماعية.
• إبعاد حماس عن الحكم: تُصر الخطة على وجوب التزام قيادة غزة بالسلام والتعايش، مما يُستبعد حماس فعليًا من السلطة.
• قوة استقرار دولية مؤقتة (Temporary international stabilization force): وذلك لتُشرف على تدريب الشرطة الفلسطينية وإتاحة الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية على الأمن في غزة.
• انسحاب الكيان الهِرتزالي تدريجياً (Gradual Withdrawal): تتوخى الخطة تسليمًا تدريجيًا لأراضي غزة الخاضعة للسيطرة الاحتلالية.
• الإنعاش الاقتصادي (Economic revitalization): إنشاء مناطق اقتصادية خاصة برسوم جمركية مُخفضة بهدف تحفيز التنمية المستدامة.
• الطريق إلى الدولة (Pathway to statehood): من المهم أن تتصور الخطة إعادة الإعمار كخطوة نحو إقامة دولة فلسطينية في نهاية المطاف، على غرار الإصلاح السياسي والضمانات الأمنية.
وتحاول هذه الخطة أن تعكس سعي الإدارة الأمريكية إلى الموازنة بين المخاوف الأمنية والواقع الإنساني والسياسي. ومع ذلك، لا يزال بناء الثقة بين سكان غزة والمجتمع الدولي مهمة شاقة.
- خطة جامعة الدول العربية وجهود الإنعاش الدولية (Coordinated Recovery Efforts):
إلى جانب هذا، طرحت جامعة الدول العربية وهيئات دولية متعددة خططًا منسقة تُركز على الإنعاش (recovery) والإصلاح السياسي والمساعدات الإنسانية في إطار تعاون في ظل التحديات.
• رفع الحصار (Lifting blockades): وذلك لحشد المساعدات. وهنا تُشدد الدول العربية على أهمية تخفيف القيود الإسرائيلية لتسهيل إعادة الإعمار.
• الإصلاحات السياسية: تدعو العديد من المقترحات العربية (Several Arab proposals) إلى إنشاء هياكل حوكمة جديدة في غزة تُركز على السيادة الفلسطينية والاستقرار.
• التمويل متعدد الأطراف (Multilateral funding): يهدف التنسيق بين الأمم المتحدة والوكالات العالمية والدول العربية إلى تجميع الموارد اللازمة للإنعاش.
• التحديات: تواجه هذه الجهود عقبات مثل استمرار العنف، والتشرذم السياسي، وإرهاق المانحين (donor fatigue)، والتدمير الدوري للبنية التحتية.
• استعادة كرامة الغزيين: على الرغم من هذه العقبات، تُركز رؤية جامعة الدول العربية على إعادة إعمار غزة بطريقة تحترم حقوق سكانها وتطلعاتهم، وتسعى إلى استعادة كرامتهم وأوضاعهم الطبيعية.
ثالثاً: تمويل الإعمار وإعادة التخريب
- معضلة وعود وتعهدات التمويل في ظل الإخفاقات الماضية
كان المجتمع الدولي سريعًا في تقديم تعهداته. ففي مؤتمر باريس الذي عُقد في يناير/كانون الثاني 2024، تعهد المانحون بأكثر من 7 مليارات دولار للمساعدات الإنسانية الفورية والإنعاش المبكر. وقد أضاف الاتحاد الأوروبي ودول الخليج وغيرها مبالغ كبيرة. إن الأموال موجودة نظريًا لكن في الواقع نجد طريق المرور من التعهدات إلى التنفيذ (from pledge to pavement) محفوفاً بالعقبات.
- سراب “خطة مارشال”
تتكرر المقارنات بخطة مارشال لما بعد الحرب العالمية الثانية (post-WWII Marshall Plan)، لكنها معيبة. فقد أدارت خطة مارشال قوة مهيمنة واحدة وهي الولايات المتحدة لدول قومية مستقرة، وإن مزقتها الحروب، ذات بيروقراطيات فعّالة. أما غزة فهي بلا دولة، وبلا حكومة مستقرة تعترف بها الجهات المانحة الرئيسة (key donors)، وهي تحت حصار خانق. يستحيل تطبيق خطة مارشال حقيقية لغزة دون حل سياسي جذري. لن تُموّل أي حكومة غربية أو عربية متحالفة إعادة الإعمار إذا عُدت هذه العملية دعمًا لحكم حماس. الهدف الرئيس للحرب الاحتلالية هو تدمير الحركة. وإعادة الإعمار بقيادة حماس غير واردة في نظر التحالف الدولي المطلوب لتمويلها.
- معضلة تمويل الولايات المتحدة للإعمار
بناء على مؤتمر باريس المنعقد في كانون الثاني 2024م، وافق الكونجرس الأمريكي على تقديم 9.2 مليار دولار كمساعدات للكيان المسيخ والمنطقة، بما في ذلك مساعدات إنسانية كبيرة.
وقد كانت الولايات المتحدة أكبر مانح منفرد للفلسطينيين. ومع ذلك، فإن تمويل إعادة إعمار غزة يُمثل حقل ألغام سياسيًا في واشنطن. إن تشريعات مثل “قانون تايلور فورس” (Taylor Force Act)، الذي يحظر تقديم المساعدات الاقتصادية الأمريكية المباشرة للسلطة الفلسطينية إذا استمرت في دفع رواتب أسر المسلحين “تعويضات الشهداء” (martyr payments)، تُقيّد بشدة قدرة واشنطن على التصرف. علاوة على ذلك، ستواجه أي إدارة تسعى للحصول على أموال لغزة معركة شرسة في الكونغرس، حيث يوجد توافق كبير بين الحزبين ضد أي مساعدة قد تفيد حماس.
- دول الخليج والعمل الخيري الاستراتيجي
إن دور القوى الخليجية محوري ولكنه معقد.
قطر، على سبيل المثال، كانت مانحًا رئيسًا، وغالبًا ما كانت توجه الأموال مباشرةً لرواتب موظفي الخدمة المدنية والمشاريع الإنسانية. ومع ذلك، فإن علاقتها مع جهات إقليمية أخرى، مثل مصر والإمارات، اللتين تنظران بريبة إلى حماس وداعميها مثل قطر وتركيا، تُعقّد التوصل إلى نهج موحد.
قد تكون السعودية مستعدة لتمويل إعادة إعمار غزة كجزء من صفقة كبرى تتضمن تنازلات الكيان مقابل قيام دولة فلسطينية، وهو احتمال تعارضه حكومة الاحتلال بشدة.
وقد تكون الإمارات على استعداد للمساهمة بأموال كبيرة، ولكن على الأرجح كجزء من تسوية سياسية أوسع نطاقًا تتوافق مع رؤيتهما للمنطقة في مواجهة النفوذ الإيراني. وسيأتي استثمارهما بشروط صارمة فيما يتعلق بالـحَوكمة ونزع سلاح حماس.
- عقبات ميدانية في طريق إعمار غزة
بقيت عقبات ميدانية كثيرة تتيسر حينما ييسرها الله تعالى على أيدي الصادقين والعقلاء، منها؛ معضلة مطالبة الاحتلال وداعميه بنزع سلاح حماس والمقاومة كشرط للإعمار، وكابوس إيصال المساعدات، وعجز الثقة في السلطة الفلسطينية، وفوضى التنسيق مع سلطة عباس بما يسبب السرقات والفساد، وأخيراً سراب “إعادة البناء بشكل أفضل”.





