
مستوطنون يشنون هجمات واسعة بالضفة ويشعلون النيران بمصنع ألبان
نوفمبر 12, 2025
إعادة إعمار غزة.. بين ألاعيب الـحَوكمة وخطط الإعمار
نوفمبر 12, 2025بقلم: د. سليمان الأحمر الأنصاري – عضو مجلس أمناء الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ
نعم، سؤال استغراقي! في زمن يُطلق عليه: مجتمع المعرفة، والمجتمع الرقمي. تنساب الأسئلة مُشَكّلة سحباً داكنة تحجب الرؤى..
فسائل يقول: ماذا بعد الطوفان؟ وآخر: ما مستقبل المقاومة وفصائلها، بعد تهديدات رئيس أقوى دولة، وجاهزية أخبث كيان للتنفيذ؟ وثالث يتساءل عن سلاح المقاومة، بعد إلحاح دول عربية عن نزعه من يدها دون تردد؟ ورابع يتساءل، عن أهليتها في إدارة القطاع، بعد تأكيد استعدادها لتسليمه لإدارة عربية؟ وتساؤلات عن إمكانية وآلية الإعمار، بعد حجم الدمار الذي بلغ 90%؟ وتساؤلات عن تضرر البيئة، وأخرى عن الجثث المردومة؟ وعن الجرحى والمرضى في غياب المستشفيات؟ وآخر تمتد مساحة أسئلته، عن مستقبل الدول العربية بعد احتمال احتلال غزة، وتوسع العربدة الصهيونية التي تضرب البعيد والقريب، تونس وقطر.. ووو؟
كل هذه التساؤلات لها مبرر لأن تُطرح، وهذا المقال ليس هدفه الأساسي الإجابة عنها، وهي تحتاج إلى خُبراء وعلماء تتنوع اختصاصاتهم، وإلى مخابر تجمع البيانات وترصد الوقائع وتحللها وتحكم على الفرضيات بعد اختبارها. ولعل القارئ المتابع، يلحظ تدفق المقالات والتحليلات في المنشورات الرقمية والورقية، على درجة أنها تماثل انسيابية التساؤلات، غير أن ما ذكرنا من تعذر الإجابة، لا يمنع من محاولة الإجابة عن بعضها، ولكن قبل ذلك، من الحكمة أن نذكر بالآتي:
- إجابة عن تساؤل، أخذ أكثر من حجمه للأسف، بسبب شبهات المنافقين، فسودت به الصفحات، وتداولته القنوات والشاشات وهو: هل نجح الطوفان؟
والناس في جوابه مذهبان، مذهب المؤمنين الموالين المناصرين، ومذهب المنافقين المخذلين، وحقيقة الخلاف بين المذهبين، ليس في الحجج والبراهين، وإنما في حقيقة الولاء للمؤمنين والبراءة من المشركين والمنافقين. فيكفي المؤمن ليعلم أن طوفان أكتوبر، جاء بعد خمسة وسبعين سنة من الاحتلال، أي قبل تأسيس حماس 1987م، والاحتلال منذ اقتحامه أرض فلسطين سنة 1948م، وهو يقيم المجازر البشعة في حق المسلمين، قتلاً وتنكيلاً واعتقالاً وتهجيراً، وانتهاكاً للأعراض وغصباً للممتلكات، وتدنيساً للمقدسات.
ويكفي الحال والأمر كذلك، أن إجماع الأمة سلفاً وخلفاً معقود غير منقوض، على دفع العدو الصائل في دار الإسلام، وأنه من أعظم فروض الأعيان، دون أذونات الولي، والدائن، والوالد، والزوج، ولا يُشترط في دفعه تكافؤ القوتين عدة وعدداً، وإنما كما أمر الله بالمستطاع: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60]، وهو ما قامت به فصائل المقاومة، بارك الله سواعدها.
- ومما يقتضي حمد الرّب الديان، أن أبان هذا الطوفان وكشف اللثام، عن المرتدين المنافقين والمخذلين من مشايخ الأمريكان، الذين ما توقفوا مدة عامين، من توليد الشبهات القادحات في أهل الثغور!
تارة اتهموهم فقالوا: يعيشون في الفنادق، فتبيّن أنهم وسط شعوبهم يعيشون غرم الطوفان!
قالوا: تحصنوا في الأنفاق وتركوا شعبهم تحت الراجمات! تبين كذبهم، وتناقلت القنوات بسالتهم يقاتلون من مسافة صفر الدبابات والراجمات حفاة جوى، مقبلين غير مدبرين!
فزاد نفاقهم وقالوا: لماذا بدأوا العدو وكانوا في أمان؟
وزاد كبيرهم نفاقاً فقال: اليهود أهل فضل وإحسان! فتبين نفاقهم بمجازر 1948 وكل ساعات وأيام وسنوات 75 سنة من الاحتلال الغاشم الفظيع!
فقالوا بهتاناً: إنهم من الروافض! فتبينت سنتهم، فانقطعت حجتهم وزورهم.
فما كان منهم إلا أن يأمروهم بما يمكن لعدوهم وعدو الأمة، أن اهجروا دياركم ومقدساتكم!
وكان يكفينا من بركات الطوفان، كشف هؤلاء المشايخ المنافقين، وخاصة وأننا نفتقد حذيفة بن اليمان، صاحب رسول الله ﷺ الذي كان يعلم المنافقين، فالطوفان عرّى هؤلاء فضلاً عن تعرية عورة الاحتلال، التي رآها العرب والعجمان، والإنس والجان!
لكن السؤال الملح:
بعد أن أبان الطوفان عن المجاهدين الشجعان، والشهداء التيجان، وكذلك أبان عن المنافقين والمخذلين: هل نغرق في زوبعة الفنجان؟ أم نكتفي بمشاهدة المجازر كمشاهدة الأعيان؟ أم نتعذر بالبعد عن المكان؟
أما شاهدنا الدماء تراق؟ وتدنيس حائط البراق؟ والغناء والرقص والزحف والقرابين تذبح في باحات المسجد الأقصى المبارك؟ نشهد أن المقدسيين قدموا ما يستطيعون، في هَبة النفق عام 1996، وانتفاضة الأقصى عام 2000، ومعركة سيف القدس 2021، وطوفان الأقصى 2023.
للأسف، لا نقرأ التاريخ، ولا نستصحب ما فيه من العبر بمن غبر! ما أشبه حال غزة بحال غرناطة في أيامها الأخيرة! حوصرت غرناطة سنتين (1489-1492م) مع تخاذل شبيه بما نحن عليه اليوم:
ورغم إلحاح السلطان عبد الله الصغير في طلب المساعدات العاجلة من ملوك شمال أفريقيا، سلطان المغرب الأقصى، والسلطان الزياني بتلمسان، والسلطان الحفصي بتونس، والسلطان المملوكي بمصر، لكن الخذلان بل الخيانة وكأننا نشاهدها اليوم، استمر شمال أفريقيا بتزويد قشتالة النصرانية الإسبانية بالقمح طيلة فترة حصار غرناطة والحرب عليها.
مثل ما فعل مع غزة، بتموين الدول العربية بكل الاحتياجات الغذائية الصهيونية خضر وفواكه وو، بل وإمداد العدو الصهيوني بالسلاح، وما خبر السفينة العربية منا ببعيد، بل أخطر من ذلك -وهي ردة- مشاركة بعض العرب في قتال الغزاويين المسلمين! والله المستعان!
فكما مات أطفال غزة، مات قبلهم أطفال غرناطة بالجوع في صدور أمهاتهم ودفنوا في صمت، كأننا لا نعتبر من أحداث التاريخ المخزية!
وكما خان ترامب وتملص وصاحبه النتن ياهو من اتفاقية وقف العدوان، تملصت إيزابيلا من عهدها مع عبد الله الصغير ملك غرناطة، فرغم تيقن السلطان الغرناطي من الهلاك ما اضطره لعقد اتفاقية تهدف للحفاظ على البقية الباقية من الغرناطيين، واشتراطه القَسم على الإنجيل، فأقسمت إيزابيلا وأقسم زوجها والقساوسة وكبار الضباط ورجال الدولة، بل واشترط عليهم أن يقسم البابا في روما فأقسم على الحفاظ على أرواح الغرناطيين ودينهم ومقدساتهم، لكن الغدر سمتهم.. فقد أخذت الراهبة العابدة إيزابيلا الإذن البابوي من روما في التحلل من قسمها على الإنجيل، وتحلل كل من أقسم معها بما فيهم البابا الذي أكد لها الغفران الرباني، لتباشر المذابح ومحاكم التفتيش التي لم يسبق ولم يلحق بها في تاريخ البشرية على اليوم!
والمصيبة أن غرناطة آخر القلاع التي صمدت بعد عقود من سقوط ممالك إسلامية أندلسية، وخُذلت وحوصرت، بدل أن يشكر سلطانها، سَبه غالب المسلمين المعاصرين، وهم الذين لا خبرة لهم بالسياسة ولا بالعسكرية، بل وسارت الركبان بسبه في قصة نُسبت على أمه! وحقيقتها رواية لأديب إسباني عنصري حاقد، ولكننا أمة تجلد الذات ولا تقرأ التاريخ، وإذا قرأته لا تفهمه إلا من ندر.
وكما فُعل مع غرناطة، فُعل مع غزة في مشهد مماثل، فرغم اتفاقية وقف إطلاق النار، ما تزال أرواح الموحدين تسقط يومياً بالقاذفات والراجمات الصهيونية، فأين الضامن ترامب ومن معه من العرب؟ ما يجعلنا نتساءل: هل تغير التاريخ؟ كم اتفاقية سلام أُبرمت مع الأعداء ولم تثمر إلا الخيانة؟ وصدق ربنا الذي قال: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 8].
تنبيه ذوي الأفهام لما يجب بعد الطوفان
مخطئ من يظن أن المقاومة وليدة الطوفان المبارك في السابع من أكتوبر 2023م، بل قبل ذلك بكثير، ففي نوفمبر 1935م تصدر العالم المقدام المجاهد، الذي خلد الله ذكره، الشيخ عز الدين القسام الأزهري، إلى الدعوة إلى الدفاع عن فلسطين، الإسلام والتاريخ، ضد الهجرات اليهودية المتزايدة –بعد وعد بلفور- إلى فلسطين ولم يكن خطاب الشيخ القسام خطاب مؤتمرات ولا منصات ولا تغريدات -كحالنا غفر الله لنا- بل بادر ببيع داره ومتاعه، وباشر الجهاد مقبلاً غير مدبر، حتى نال غاية أماني الأبطال في الدنيا، الشهادة بعد أسبوع فقط من القتال، لم تمنعه الحدود، ولا قلة الجنود، فكان رمزاً -وما يزال- روى بدمائه فسيلة الجهاد، في الثورة التي امتدت بين سنوات (1936-1939م).
ثم أعقبتها حروب وانتفاضات، كان أولها عام 1987، حتى ورث الشيخ المـُقعد أحمد ياسين المقاومة، بتأسيس حركة المقاومة حماس وعسكرها (المجاهدون الفلسطينيون)، الذين تغير اسمهم فيما بعد إلى (كتائب عز الدين القسام) وبالتوازي أطلقت حركة الجهاد الإسلامي ذراعها العسكري (سرايا القدس).
وأخيراً: لا جدوى من البكاء على الأطلال، ولا بذكر تراجم الأبطال، ولا في الثقة في ترامب وذراعه النتن ياهو، ولا بالتشبع بشبهات المنافقين والمخذلين، ولا بالتخندق في المنطقة الرمادية وغير ذات الشوكة..
وإنما الواجب:
- أن يكون يد المقاومة على الزناد، وسلاحها عزها وأمان قومها.
- أن تكون الأمة بفصائلها على ثغورها، لا تنزل من جبل الرماة، أهل الأفهام بأقلامهم، والأئمة في محاريبهم ومنابرهم، وأهل الإحسان بنفقاتهم من أموالهم، والعامة بالمقاطعة والترك، والضعفاء وأصحاب الأعذار بدعوات خلواتهم..
- فإن تحولت فلسطين قضية الجميع ومحل اهتمامهم، وشحذت لذلك الهمم، ووُجهت البوصلة، وتمت التعبئة وكثر السواد، وقتها ما على المحتل إلا الرحيل والمغادرة، يرجع إلى شتاته، تائهاً في الأرض يهيم على وجهه، مطروداً، مقهوراً، مغلوباً، خائناً، وإنا لوعد ربنا عاملون منتظرون ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105].





