
شهيدان واعتقالات واسعة بالضفة
نوفمبر 3, 2025
75 ألف نازح يحتمون بمباني الأونروا المتضررة
نوفمبر 4, 2025وَهْم أبطال الغرب وحقيقة أبطال الإسلام
أحمد هاني
كنتُ في الصفّين الأول والثاني الثانوي، في مرحلةٍ تتأرجح بين ما يسمّونه “المراهقة” وبدايات النضج والرشد. كنتُ يومها متابعًا شبهَ مدمنٍ للأفلام الأمريكية، أترقّب صدور كلّ جديد منها، وأحفظ مشاهد الأبطال الخارقين كما يحفظ الصغار أناشيدهم.
أكثر السلاسل التي كنتُ أهوى مشاهدتها هي سلسلة Avengers، وأعظم الشخصيات مكانةً في نفسي كانت شخصية Iron Man .
وأنا لا أستخدم كلمة “أعظم” مجازًا، بل كنتُ أعيشها حرفًا وروحًا، حتى إنّ من عرفني في تلك الفترة يُدرك تمامًا أنّ هذا الإعجاب لم يكن عابرًا، بل كان جزءًا من تكويني النفسي والفكري.
ولستُ أخفيك سرًّا: لقد بلغتُ من الانبهار حدًّا جعلني أُعظِّم هذه الشخصية أكثر من بعض أصحاب رسول الله ﷺ، والعياذ بالله!
كنتُ أرى فيها العبقرية والجرأة والكبرياء والثراء والسطوة؛ كلّ ما يُغذّي نفسَ الشابّ الباحث عن معنى القوة والمجد.
لكنّ الله -وله الحمد- أنقذني من هذا الوحل، فبعث إليّ سببًا غيّر مجرى حياتي. كان ذلك حين وقعتُ على كتاب “مئة من عظماء الإسلام غيّروا مجرى التاريخ” للأستاذ جهاد الترباني، جزاه الله عنّي خير الجزاء.
قرأته كما يقرأ الظمآنُ ماء الحياة، وكان كلّ فصل منه كما وصف الشيخ رشيد رضا رحمه الله حين قال: “كان كلّ عدد منها كسلكٍ من الكهرباء اتّصل بي فأحدث في نفسي من الهزّة والانفعال، والحرارة والاشتعال، ما قذف بي من طورٍ إلى طور، ومن حالٍ إلى حال.”
كذلك كان هذا الكتاب بالنسبة لي؛ كلّ فصلٍ منه زلزال في داخلي، وكلّ سطرٍ منه طعنة في الجاهلية التي كنتُ أعيشها دون أن أشعر.
وعلى خلاف كثيرٍ من الشباب الذين تكون بدايتهم مع الالتزام عبر موعظةٍ مؤثرة أو مقطعٍ دعويٍّ على الإنترنت، كانت بدايةُ تحولي من بوابة التاريخ.
عرفتُ العزة قبل العبادة، وعرفتُ الكرامة قبل الشعائر، فعشقتُ الدين لأنني رأيتُه يصنع رجالًا من نارٍ ونور، لا لأنني سمعتُ موعظةً تبكيني ثم أنساها بعد حين.
ومنذ تلك اللحظة بدأت هويتي تتطهّر شيئًا فشيئًا من آثار الثقافة الأمريكية التي لوّثت وجداني.. تحوّلتُ من شابٍّ غربيّ الهوى، إلى فتىً يعتزّ بدينه ولغته وتاريخه.
صرتُ أرى في الصحابة والأبطال والعلماء قدوتي وأمثالي العليا، وازدرَيتُ كلّ ما سواهم.
وعرفتُ أنّ الإسلام لا يريد منّا أن نكون موظّفين في منظومةٍ كافرة ثم نقول: “نُعزّ الإسلام من داخلها!”، بل أن نكون أحرارًا، نُقيم منظومتنا نحن، ونعزّ الإسلام من موقع السيادة لا التبعية.
لقد مهّد ذلك الكتاب لبذرة الالتزام أن تنبت في نفسي.. فبعد أن تطهّرت الشخصية من التبعية، تهيّأت الروح لتقبّل التكليف.. ومنذها لم تعد نفسي ترضى بغير الهوية الإسلامية بديلاً، وإن قصّرتُ أحيانًا، إلا أنّي كنتُ أعود دائمًا إلى هذا الأصل، لأنني وجدت فيه نفسي الحقيقية.
ثم أدركتُ شيئًا خطيرًا لم أكن أعيه من قبل: أنّ الأفلام الأمريكية ليست مجرّد ترفيهٍ بريء، ولا أن خطرها الأعظم في مشاهدها الخارجة عن الأدب فحسب؛ بل في كونها تُعيد تشكيل روح المشاهد العربي والمسلم، وتُعيد قولبة وعيه من الداخل دون أن يشعر.
شخصية Captain America مثلًا:
ذلك الشجاع الوسيم المتفائل، الذي يخالف القانون لينقذ الضعفاء.. هذه ليست صفات “كابتن”، بل صفات “أمريكا” كما تريد أن تُقدَّم في وعي العالم.
أما Iron Man نفسه:
فهو الوجه الآخر للرأسمالية الحديثة: المتكبر العربيد زيرُ النساء، الذي يَسحق غيره باسم العبقرية والثراء.
كنتُ أُعجب به حدَّ التماهي، فصرتُ أحبه وأتقمص صفاته دون وعي: تكبرٌ، عشقٌ للمال، رغبة في التفوق المادي، حتى إنني بدأت أتعلم البرمجة والفيزياء لا لأنني أحبها، بل لأن بطلي المزيّف كان عبقريًا فيها!
وهكذا تُصنع العبودية الحديثة: أن يُحبّ العبدُ قيوده لأنها تُقدَّم له في هيئة بطولة!
أما Black Widow
فهي النموذج الأنثوي المنحرف الذي يُروَّج على أنه بطلة، مع أنها جاسوسة قاتلة، بل وعاهرة في قالبٍ بطولي.
وفي كلّ تلك القصص، تكون “الإنسانية” مرادفًا لكلمة “أمريكا”، وكأنّها وحدها من تمثل الخير في هذا الكوكب.
كانت تلك التجربة درسًا لا يُنسى.
لقد فهمتُ من خلالها أن الإعلام أخطر من الـمَدافع، وأنّ سحر الصورة أفتك من الرصاصة.
فهو لا يُغويك فقط، بل يُعيد تشكيلك دون مقاومة، حتى تستيقظ يومًا وأنتَ نسخة من عدوك.
لهذا أقول للدعاة والمربين:
إنّ النموذج الحيّ الذي يُقدَّم للشباب بطريقة جذّابة أبلغ أثرًا من آلاف المواعظ.
فالموعظة تُلين القلب، لكنّ القدوة تُغيّر الاتجاه.
لابد من إعادة إحياء نماذج عظماء الإسلام وتقديمها بأسلوبٍ إعلامي جذاب، لأن الشابّ لا يُنقذ بالخطبة وحدها، بل بالنموذج الذي يُحيي فيه العزة والكرامة.
إنّ الدين لم ينزل على أناسٍ مهزومين ثقافيًا، بل على قومٍ يقول شاعرهم:
وإنا أناسٌ لا توسطَ عندنا ** لنا الصدرُ دون العالمين أو القبرُ
فإذا شعر الشابّ بالعزة بدينه، التزم تلقائيًا بشعائره، لأنه وجد في الدين مجده وكرامته.
ولهذا فإن أقصر طريق لحشد الشباب لخدمة الإسلام، هو طريق التاريخ والقدوة، لا طريق الخطب الجافة.
تخيّل لو أن شابًا أحبَّ عليَّ بن أبي طالب حبًّا صادقًا، وقرأ سيرته وأيامه في بدر وصفين ونهروان، كيف سيكون حاله؟
سيتحوّل حبُّه إلى تشبّه، وتشبهُه إلى اقتداء، والاقتداءُ إلى مشروع حياة.
وهكذا تتربّى الأجيال.
أما أنا، فالحمد لله الذي بدّل قلبي من عشق الوهم إلى حبّ مَن رفع راية لا إله إلا الله.
الحمد لله الذي أنقذني من تقليد رجلٍ من حديد، إلى الاقتداء برجالٍ من نور.
وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.





