
دراسة تكشف أن حملة التضليل التي استهدفت المسلمين في 30 دولة مصدرها “إسرائيل”
نوفمبر 6, 2026
وقال دين اليهود: “لا أبرياء في غزة”!
نوفمبر 6, 2026
بقلم: حسين رضا – باحث في علوم القرآن
لقد ربّى نبينا المختار ﷺ الجيل الأول على الصبر بمفهومه الواسع، الصبر الذي يُحصّن النفس من السقوط في براثن المعصية أو الانهيار في مواطن المِحن. فالصبر هو “حبس النفس”؛ وهو صبرٌ على الطاعة، وصبرٌ عن المعصية، وصبرٌ على الأقدار المؤلمة بحبس النفس عن الجزع.
ومن يتأمل هذه التربية يعلم أن الصبر عند هذا الجيل لم يكن يوماً استسلاماً ولا قهراً، وإنما كان ضريبة سعيّهم لاستلام مفاتيح قيادة الدنيا، إذ لا تُنال الإمامة في الدين إلا بالصبر واليقين، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].
فكما أن الذهب لا يلمع إلا بعد أن تصهره النار، لا يلمع نجم المسلم في علياء الكرامة إلا في أتُون الصبر. لذلك علّمهم النبي ﷺ أن طريق التمكين غير مفروشة بالورود، بل هو طريق وعِرة، فمن أراد أن يقطعها ليرفع الله ذكره، وجب عليه أن يُوّطن نفسه على تجرّع المرارة حيناً من الدهر، ليرتقي إلى منازل السادة الكرام رجال الله في الدنيا.
(١) أسير تحت الصخرة مؤذن فوق الكعبة
في حُضن رمال صحراء مكة المشتعلة، كان بلال بن رباح -رضي الله عنه- يُلقى على ظهره، وتُوضع على صدره صخرة عظيمة، ويقف أمامه أمية بن خلف يخاطبه: لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فما كان بلال يزيد على أن يقول: أَحَدٌ.. أَحَدٌ. ودارت الأيام، وجاء يوم فتح مكة، فأمر النبي ﷺ بلالاً أن يصعد فوق ظهر الكعبة ليؤذن. وارتقت القدمان السوداوان اللتان أحرقهما حرُّ مكة أقدس بقعة، ليصدح بنداء العز: اللَّهُ أَكْبَرُ، وسادة قريش ينظرون إليه من أسفل يعلوهم الخزي!
إنه الصبر الذي حوّل المشهد من مشهد مأساوي يقطر ذلا وعذابا واستضعافا وفق قوانين المشركين والظلمة، إلى مشهد عز ورفعة وفق قوانين الإيمان بالله والاعتصام بحبله. إن الله لم ينصر الله بلالاً بتحريره من العبودية فحسب، بل شاءت حكمته أن يُعزه ويرفع ذكره في نفس المكان الذي عُذب وأُهين فيه، فمن صبر على لأواء الصخرة، ارتقى القمة، ولا صوت يعلو فوق صوت الصابرين، فقد حكم الله أن يجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين.
يقول أهل العلم: من صَبَر على طاعة الله وعن محارمه وعلى أقداره المؤلمة، أورثه الله عزاً في الدنيا ورفعة وسعادة في الآخرة.
فيا صاحبي وأخي؛ إن محنة أمتنا ليست في تأخر النصر بقدر ما هي في غياب عبادة الصبر الصحيح، فنحن كثيراً ما نستعجل النتائج وكأننا نقايض الله القطعة بالقطعة؛ صلينا ساعة أو صبرنا ساعة أو صمنا ساعة أو قمنا ساعة، فأين النصر المباشر والعوض عنها؟ وهذه عبادة لا يقبلها الديَّان سبحانه، فإذا أردنا العز، وجب علينا أن نصبر على تحمّل آلام هذه الدنيا وتعب الاستمساك بمبادئها بيقينٍ يُضاهي أو يُقارب يقين بلال، فليست العاقبة دائماً إلا للمتقين.
(٢) دماء تفتح أبواب السماء
خرج النبي ﷺ إلى الطائف يطلب النصرة، فقابلوه بما لا يليق بقدره، وأغروا به سفهاءهم فرموه بالحجارة حتى أُدميت قدماه، وطُرد مكسور الخاطر. فجلس إلى حائط بستان يشكو إلى مولاه: اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ… فجاءه مَلَكُ الجبال يعرض عليه أن يُطبِق عليهم الأخشبين، فأبى ﷺ صابراً محتسباً وقال: “بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ. فلما عاد شرّفه الله برحلة الإسراء والمعراج”.
إن جبر السماء للصابر المحتسب المنكسر المُضطهد في الله لا يماثله جبر، فلقد عاد رسول الله ﷺ يحمل أحزان الطرد، وموت خديجة، وموت أبي طالب، فكانت المكافأة المعراج. وكأن الله يقول له: إن أغلقوا في وجهك أبواب بلادهم، فتحنا لك أبواب السماء، وإن قست عليك قلوب أهل الأرض، رقّت لك قلوب ملائكة السماء. ولقد كرّمه الله لصبره ﷺ وتنازُله عن حظ نفسه في الانتقام رغبةً في هدايتهم إلى الله تكريما لم ينله بشر.
يقول أهل العلم: الصبر إن كان هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن الشكوى، والجوارح عن المعصية، فإن الله يُعطي الصابرين بلا حساب، ومن ذلك أنه يجعلهم في معيته، ومن كان الله معه فمعه الفئة التي لا تُغلب.
فيا صاحبي وأخي؛ حين تتكالب عليك الهموم، ويخذلك الأقربون، وتُغلق أمامك الأبواب الدنيوية، لا تجزع ولا تقابل الإساءة بالانتقام الأعمى، بل اصبر وارفع شكواك إلى رب السماء، فكل إغلاقٍ دنيوي قاهر، يُقابله معراجٌ روحي وجبرٌ إلهي لا يخطر على بال العباد إن هم احتسبوا وصبروا.
(٣) صمتُ الصبر يُنطق الوحي
في حادثة الإفك، رمى المنافقون الطاهرة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في شرفها، ومرّ عليها شهر من الهمّ والمدينة تغلي بالشائعات، ولما سألها النبي ﷺ بكت، ولم تجد ما ترد به لتثبت براءتها إلا أن قالت بقلب متعلق بالله: وَاللَّهِ لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]. فجاءتها البشرى بقرآن يُتلى إلى يوم القيامة، ينطق ببراءتها من فوق سبع سماوات.
إن أمُّنا تُعملنا فن تفويض الأمر لله، تفويض رد الحق وكشف الحقيقة وإظهار البراءة، فكم من مظالم في الدنيا عجز المظلومون عن إثبات براءتهم لقسوة الظالمين وضعف قدرتهم، والله يتولى أمرهم.
إن أمُّنا عائشة لم تصرخ، ولم تدافع عن عِرضها الذي استباحه المنافقون بالصياح والجدل والكذب، وإنما صبرت وفوضت الأمر إلى العليم المحيط بالناس. ولأن الصبر على الطعن في العِرض من أشد أنواع الصبر، فقد أورثها صبرُها لوجه الله شهراً واحتسابها له براءةً خالدة؛ فلم تعد بعد الحادثة زوجة النبي ﷺ فحسب، بل صارت “عائشة المُبرَّأة من السماء”.
يقول أهل العلم: في إنزال الله براءة عائشة من السماء، تشريفٌ لها وتعظيم لشأنها ورفع لذكرها؛ فلم يَكِلْ براءتها إلى رؤيا في المنام يراها النبي، ولا إلى شهادة شاهد، بل تولى الله ذلك بنفسه كلاماً يُتلى في المحاريب، ليرفع المخلص ويُقيم الحجة على الكاذبين.
فيا صاحبي وأخي؛ قد يتكلم الناس فيك غدراً، أو يتهمون أمانتك ظلماً، فتضيق بك الأرض حزناً. حينها اعلم أن الصراخ وتبرير الموقف لكل عابر قد لا يُقنع أحداً، لكن الصبر الجميل، واللجوء إلى الله القادر العليم، كفيلٌ أن يُنطق الحجر ببراءتك، ويفضح المُتقول، ويرفع منزلتك أضعاف ما كانت عليه قبل المحنة.
(٤) الصبر على مرارة القرار
بعد وفاة النبي ﷺ ارتدّ أكثر العرب، وامتنعوا عن الزكاة، ووقف أبو بكر -رضي الله عنه- يواجه وحيداً طوفان الرِّدة، حتى إن عمر بن الخطاب اقترح عليه اللين وترك قتالهم تأليفاً للقلوب لثقل الضغط على الأمة. لكن أبا بكر صبر للحق الذي يراه، وقال كلمته الحاسمة: “وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ… أَيَنْقُصُ الدِّينُ وَأَنَا حَيٌّ”؟
إن الصبر على الانفراد بالحق، والثبات على وحدة القرار وقت المصائب الكبرى، من أخطر وأشق أنواع الصبر. لكن المسلم الصادق لا يترك الحق أبداً، ولو كان هو الوحيد الذي يستمسك به حتى لو زاغت قلوب كل الناس من حوله عنه، ولقد علّمنا الصدّيق رضي الله عنه أن القائد الحقيقي هو من يصبر على وحشة الطريق ولا يُساير رغبات الجماهير، وإنما يقودهم باسم الله نحو الصواب ولو خالفوه في البداية.
يقول أهل العلم: لقد كان أبو بكر في هذا الموقف أعلم الناس وأشجعهم وأصبرهم، فثبَّته الله وثبَّت به المسلمين، وكان هذا من أعظم فضائله التي استحق بها الخلافة.
فيا صاحبي وأخي؛ إياك أن تتنازل عن ثوابت دينك وأخلاقك إرضاءً للمجتمع أو لضغط الأغلبية، حتى لو صرت الوحيد في عملك الذي يرفض الرشوة، أو صرتي الوحيدة في جامعتك التي تتمسك بالحجاب الشرعي، فاصبروا كما صبر السابقون، فإن المجد لا يأتي بالتنازلات، وإنما بالوقوف كالجبل الشامخ حين يتهاوى الآخرون.
(٥) وعدٌ أنساه مرارة الصبر
لما أُخضع خبّاب بن الأرت -رضي الله عنه- تحت تعذيب لا يُوصف؛ إذ كانوا يضعون الحديد الملتهب على ظهره، فلا يطفئ النار إلا سيلان دهنه! جاء إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة يشكو: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟. فقال ﷺ يصبّره: وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ”. فصبر خبّاب وعاش حتى رأى فتوحات الإسلام وبكى قائلاً: إِنَّا بَقِينَا حَتَّى نِلْنَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَابَ.
إن المؤمن الصادق هو الذي يرى النور في عتمة المحن، ويُصدّق الذي يبصره بالنور في العتمة، لأن قلوب المؤمنين معلقة بنور الله، لأجل ذلك نتعلم أن الصبر على مرارة الأقدار ليس حالة أبدية، وإنما هو نفقٌ مظلم مؤقت ينبعث من آخره نور يبدد الظلمات ويشفي الآلام.
انظر كيف أن النبي ﷺ لم يكتفِ بتصبير خباب، بل رسم له صورة التمكين القادم، ليُلعمه أن مَن صبر على نار المكاره في البدايات، يعتلى عرش العز والرفعة في النهايات، فابتلاءات البداية تقوّي عزيمة الإنسان ليستقبل مجد النهاية.
يقول أهل العلم: الصبر كنز من كنوز الخير، لا يُعطيه الله إلا لعبد كريم عنده.
فيا صاحبي وأخي؛ إذا حاصرك الله بالابتلاءات، وأطال عليك أمد المحنة، فاعلم أنه يُؤهلك لعزٍّ لا يحتمله ظهرك الضعيف الآن، لذا ابتلاك ليقوي ظهرك ويشد عزمك. وانظر في حياة الصحابة؛ كيف صبروا على الجوع فسادُوا الدنيا، وصبروا على الأذى فدانت لهم الأمم. فاقطع اليوم بالصبر والعمل والجد، يكن لك موعدٌ غدا مع العزّ والرفعة والمجد، وإياك أن تتعجل موعود الله فتيأس أو يفسد دينك.
السباعية العملية
لتقوية عزيمتك على الصبر؛ أوصيك بسبع:
الأولى: درّب جهازك العصبي على قوله ﷺ: “إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى”. لأن اللحظات الأولى لسماع الخبر المُحزن هي مفترق الطرق، فتعوّد أن تقول الحمد لله بحقّها، قبل أن تنطق بأي حرف، فإن أمسكت لسانك وضبطت مشاعرك ربِحت الجولة.
الثانية: غيّر نظرتك إلى القدر، فالابتلاء ليس انتقاماً، قد يكون عملية تخلية يطهرك الله بها، أو عملية رِفعة يزيد الله بها درجاتك، أو عملية رحمة يغفر الله بها زلاتك، أو سبيل تمكين يُسيرك الله فيها رغما عنك.
الثالثة: اتقن فنون شكوى الخواص، اكتم ألمك يمت، واعلم أن الصابر المحترف هو الذي يُوّجه قلبه ناحية السماء، ويفرّغ قلبه في فضاءات الذكر والتسبيح والحوقلة، فبُح لربك بكل شيء في سجودك، وأقرّ له بضعفك، وردد معي قول يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
الرابعة: عليك بعبادة انتظار الفرج، وإياك واليأس فإنه كفر بنعمة الله. وألهِم قلبك الذكر الدائم، واسرِد عليه قصص الصابرين، يشم ريح الفرَج قبل أن يأتيه، فلا يقتله الغَم.
الخامسة: اعمل لنفسك جرد حسابٍ عادل، فإن عادة الشيطان أن يُضخم في قلبك المفقود وينسيك شكر الموجود، فإذا فقدت شيئاً، أحضر ورقة وقلما واكتب ما أخذ الله منك، واكتب كذلك ما أبقاه الله لك، ستتحول مرارة فقدك إلى حلاوة رضا.
السادسة: عِش يوماً بيوم، واعلم أن أثقل ما في البلاء طول التفكير في طول مدته، فقل لنفسك اصبري اليوم وغدا تنفرج، فإن الله الذي أعانك على قطع الأمس، سيعينك على اليوم والغد، فلا تحمل همّ الغد لأن المستقبل بيد الله، فاسع في رضا من بيده المستقبل.
السابعة: تخيّل مشهدَ “بغير حساب”، إذا اشتد وجعك، أغمض عينيك، وتخيل المشهد يوم القيامة، حين يصب الله الأجر صبّاً بلا ميزان على الصابرين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] وتخيل نفسك تصطف على أبواب الجنة بين من تقول لهم الملائكة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: 24].





