
التربية المحمدية (6).. الصبر بوابة العز والمجد والرزق
نوفمبر 6, 2026
عبدالرحمن السيد في مجلس الشيوخ الأمريكي.. فكم عبدالرحمن دفنته أوطاننا؟!
نوفمبر 6, 2026
عبد الله اليمان – كاتب وباحث مصري
هنا يسيل الدم؛ تكاد تشعر به ساخنًا على يديك وأنت تقلّب الصفحات. الرقاب تُقطع أمام عينيك، والأجساد تتهاوى، والأطفال يُذبحون، والعجائز لا ينجون من الموت. لا فرق بين رجل وامرأة، ولا بين شيخ وصغير، يسقط التمييز بين المقاتل والمسالم؛ فالكل يُساق إلى الفناء، والمدينة بأسرها تبدو كأنها محكومة بالمحو.
تنبعث رائحة الموت من بين السطور، فتختلط في أنفك برائحة الجثث والدخان والبيوت المحطّمة.
حتى الحيوانات لا تفلت من هذا المصير؛ تُذبح البهائم، وتُسحق الكائنات بلا رحمة، فيما تحترق الأشجار التي ظلّت سنوات تمدّ جذورها في الأرض. لا يقتصر الدمار على من حملوا السلاح، بل يمتد إلى مظاهر الحياة نفسها: الإنسان والحيوان والشجر.
والموت هنا لا يبدو عابرًا في طريق جيشٍ منتصر؛ إنه كأنه يتنقل من بيت إلى بيت، ومن مدينة إلى أخرى، لا يحزم أمتعته ولا يطوي مهمته، بل يمضي حتى لا يبقى في المشهد أحد. وأنت، كلما قلبت صفحة، لا تخرج من المذبحة، بل تدخل أخرى.
وكل ذلك يتم بأمر إلهي، وينفّذه الرجال المؤمنون الأتقياء!
هذا وأكثر منه تشعر به، حتى ليكاد قلبك ينتزع من مكانه لهول ما تقرؤه في سِفر يشوع بالعهد القديم. مشاهد القتل والتدمير، وصور المدن التي تُستباح، والسكان الذين يُساقون إلى الموت، تتوالى أمامك في نص لا يكتفي برواية الحروب، بل يقدّمها بوصفها واجبًا دينيًّا.
يأتي سِفر يشوع في الترتيب السادس لأسفار الكتاب المقدس، مباشرة بعد أسفار التوراة الخمسة. ويتناول، وفق روايته، الأحداث التي أعقبت وفاة موسى، وتولّي يشوع قيادة بني إسرائيل بتكليف إلهي، وعبورهم نهر الأردن إلى أرض كنعان، ثم الحملات العسكرية التي خاضوها للسيطرة على مدنها وأراضيها، وما أعقب ذلك من تقسيم الأرض بين الأسباط.
وكنعان اسمٌ يُطلق على فلسطين التاريخية (أرض الموعد) الواقعة غربي نهر الأردن، ووفقًا لكثير من التحديدات التاريخية، كانت تضم أراضي تقع اليوم ضمن فلسطين ولبنان وأجزاء من سوريا والأردن.
ويتألف السِّفر من أربعة وعشرين إصحاحًا، ويُعدّ يشوع الشخصية المحورية فيه، إذ تدور حول قيادته معظم أحداث الدخول إلى كنعان والحروب التي يروي النص وقوعها هناك.
ولا يقتصر حضور سِفر يشوع على كونه نصًّا من نصوص التراث الديني القديم؛ فهو جزء من الكتاب المقدس العبري المعتمد لدى التيارات اليهودية الرئيسية، وجزء من العهد القديم في الكتاب المقدس لدى الطوائف المسيحية المختلفة. وفي التصنيف اليهودي يندرج ضمن ما يُعرف بـ”الأنبياء الأوائل”.
وبحسب النصوص اليشوعية، فمع دخول الجند إلى المدن المختلفة كانت الأوامر الإلهية تأتي بـ”التحريم”. لفظة “التحريم” في أصلها العبري חֵרֶם (“حِيرِم”) تعني تخصيص شيء لله وإخراجه من الاستخدام البشري العادي، وقد تعني في سياق الحرب تكريسه لله عن طريق تدميره وإهلاك من فيه. وفي سِفر يشوع يُستخدم المصطلح للدلالة على إخضاع المدن وسكانها للتحريم، بما يقتضي في بعض المواضع إبادتهم بوصف ذلك تنفيذًا لأمر ديني. ولنتتبّع ما رواه السفر، ولنرى كيف أُبيدت المدن الواحدة تلو الأخرى. فماذا فعل يشوع وجنده عندما دخلوا مدينة أريحا؟ يخبرنا السفر بذلك:
فَهَتَفَ الشَّعْبُ وَضَرَبُوا بِالأَبْوَاقِ. وَكَانَ حِينَ سَمِعَ الشَّعْبُ صَوْتَ الْبُوقِ أَنَّ الشَّعْبَ هَتَفَ هُتَافًا عَظِيمًا، فَسَقَطَ السُّورُ فِي مَكَانِهِ، وَصَعِدَ الشَّعْبُ إِلَى الْمَدِينَةِ كُلُّ رَجُلٍ مَعَ وَجْهِهِ، وَأَخَذُوا الْمَدِينَةَ. وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْلٍ وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ. (يشوع 6: 20–21)
وعندما دخلوا عاي يخبرنا النص:
وَأَمَّا مَلِكُ عَايَ فَأَمْسَكُوهُ حَيًّا وَتَقَدَّمُوا بِهِ إِلَى يَشُوعَ. وَكَانَ لَمَّا انْتَهَى إسرائيل مِنْ قَتْلِ جَمِيعِ سُكَّانِ عَايَ فِي الْحَقْلِ فِي الْبَرِّيَّةِ حَيْثُ لَحِقُوهُمْ، وَسَقَطُوا جَمِيعًا بِحَدِّ السَّيْفِ حَتَّى فَنُوا، أَنَّ جَمِيعَ إسرائيل رَجَعَ إِلَى عَايَ وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. فَكَانَ جَمِيعُ الَّذِينَ سَقَطُوا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، جَمِيعَ أَهْلِ عَايَ. وَيَشُوعُ لَمْ يَرُدَّ يَدَهُ الَّتِي مَدَّهَا بِالْمِزْرَاقِ حَتَّى حَرَّمَ جَمِيعَ سُكَّانِ عَايَ. لكِنَّ الْبَهَائِمَ وَغَنِيمَةَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ نَهَبَهَا إسرائيل لأَنْفُسِهِمْ حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ يَشُوعَ. وَأَحْرَقَ يَشُوعُ عَايَ وَجَعَلَهَا تَلًّا أَبَدِيًّا خَرَابًا إِلَى هذَا الْيَوْمِ. (يشوع 8: 23–28)
وعن بقية المدن تخبرنا الرواية:
وَأَخَذَ يَشُوعُ مَقِّيدَةَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَضَرَبَهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَحَرَّمَ مَلِكَهَا هُوَ وَكُلَّ نَفْسٍ بِهَا. لَمْ يُبْقِ شَارِدًا. وَفَعَلَ بِمَلِكِ مَقِّيدَةَ كَمَا فَعَلَ بِمَلِكِ أَرِيحَا. ثُمَّ اجْتَازَ يَشُوعُ مِنْ مَقِّيدَةَ وَكُلُّ إسرائيل مَعَهُ إِلَى لِبْنَةَ وَحَارَبَ لِبْنَةَ. فَدَفَعَهَا الرَّبُّ هِيَ أَيْضًا بِيَدِ إسرائيل مَعَ مَلِكِهَا، فَضَرَبَهَا بِحَدِّ السَّيْفِ وَكُلَّ نَفْسٍ بِهَا. لَمْ يُبْقِ بِهَا شَارِدًا، وَفَعَلَ بِمَلِكِهَا كَمَا فَعَلَ بِمَلِكِ أَرِيحَا. ثُمَّ اجْتَازَ يَشُوعُ وَكُلُّ إسرائيل مَعَهُ مِنْ لِبْنَةَ إِلَى لَخِيشَ وَنَزَلَ عَلَيْهَا وَحَارَبَهَا. فَدَفَعَ الرَّبُّ لَخِيشَ بِيَدِ إِسْرَائِيلَ، فَأَخَذَهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَضَرَبَهَا بِحَدِّ السَّيْفِ وَكُلَّ نَفْسٍ بِهَا حَسَبَ كُلِّ مَا فَعَلَ بِلِبْنَةَ. حِينَئِذٍ صَعِدَ هُورَامُ مَلِكُ جَازَرَ لإِعَانَةِ لَخِيشَ، وَضَرَبَهُ يَشُوعُ مَعَ شَعْبِهِ حَتَّى لَمْ يُبْقِ لَهُ شَارِدًا. ثُمَّ اجْتَازَ يَشُوعُ وَكُلُّ إسرائيل مَعَهُ مِنْ لَخِيشَ إِلَى عَجْلُونَ، فَنَزَلُوا عَلَيْهَا وَحَارَبُوهَا، وَأَخَذُوهَا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَحَرَّمَ كُلَّ نَفْسٍ بِهَا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ حَسَبَ كُلِّ مَا فَعَلَ بِلَخِيشَ. ثُمَّ صَعِدَ يَشُوعُ وَجَمِيعُ إسرائيل مَعَهُ مِنْ عَجْلُونَ إِلَى حَبْرُونَ وَحَارَبُوهَا، وَأَخَذُوهَا وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ مَعَ مَلِكِهَا وَكُلِّ مُدُنِهَا وَكُلِّ نَفْسٍ بِهَا. لَمْ يُبْقِ شَارِدًا حَسَبَ كُلِّ مَا فَعَلَ بِعَجْلُونَ، فَحَرَّمَهَا وَكُلَّ نَفْسٍ بِهَا. ثُمَّ رَجَعَ يَشُوعُ وَكُلُّ إسرائيل مَعَهُ إِلَى دَبِيرَ وَحَارَبَهَا، وَأَخَذَهَا مَعَ مَلِكِهَا وَكُلِّ مُدُنِهَا، وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ وَحَرَّمُوا كُلَّ نَفْسٍ بِهَا. لَمْ يُبْقِ شَارِدًا. كَمَا فَعَلَ بِحَبْرُونَ كَذلِكَ فَعَلَ بِدَبِيرَ وَمَلِكِهَا، وَكَمَا فَعَلَ بِلِبْنَةَ وَمَلِكِهَا. فَضَرَبَ يَشُوعُ كُلَّ أَرْضِ الْجَبَلِ وَالْجَنُوبِ وَالسَّهْلِ وَالسُّفُوحِ وَكُلَّ مُلُوكِهَا. لَمْ يُبْقِ شَارِدًا، بَلْ حَرَّمَ كُلَّ نَسَمَةٍ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ. فَضَرَبَهُمْ يَشُوعُ مِنْ قَادِشَ بَرْنِيعَ إِلَى غَزَّةَ، وَجَمِيعَ أَرْضِ جُوشَنَ إِلَى جِبْعُونَ. (يشوع 10: 28–41)
أما بقية الأرض فتدلّنا عليها الفقرات الآتية:
فَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ بِيَدِ إِسْرَائِيلَ، فَضَرَبُوهُمْ وَطَرَدُوهُمْ إِلَى صَيْدُونَ الْعَظِيمَةِ، وَإِلَى مِسْرَفُوتَ مَايِمَ، وَإِلَى بُقْعَةِ مِصْفَاةَ شَرْقًا، فَضَرَبُوهُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ شَارِدٌ. فَفَعَلَ يَشُوعُ بِهِمْ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ: عَرْقَبَ خَيْلَهُمْ وَأَحْرَقَ مَرْكَبَاتِهِمْ بِالنَّارِ. ثُمَّ رَجَعَ يَشُوعُ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ وَأَخَذَ حَاصُورَ، وَضَرَبَ مَلِكَهَا بِالسَّيْفِ، لأَنَّ حَاصُورَ كَانَتْ قَبْلًا رَأْسَ جَمِيعِ تِلْكَ الْمَمَالِكِ. وَضَرَبُوا كُلَّ نَفْسٍ بِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. حَرَّمُوهُمْ، وَلَمْ تَبْقَ نَسَمَةٌ، وَأَحْرَقَ حَاصُورَ بِالنَّارِ. فَأَخَذَ يَشُوعُ كُلَّ مُدُنِ أُولئِكَ الْمُلُوكِ وَجَمِيعَ مُلُوكِهَا، وَضَرَبَهُمْ بِحَدِّ السَّيْفِ، حَرَّمَهُمْ كَمَا أَمَرَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ. غَيْرَ أَنَّ الْمُدُنَ الْقَائِمَةَ عَلَى تِلاَلِهَا لَمْ يُحْرِقْهَا إِسْرَائِيلُ، مَا عَدَا حَاصُورَ وَحْدَهَا أَحْرَقَهَا يَشُوعُ. وَكُلُّ غَنِيمَةِ تِلْكَ الْمُدُنِ وَالْبَهَائِمِ نَهَبَهَا بَنُو إسرائيل لأَنْفُسِهِمْ، وَأَمَّا الرِّجَالُ فَضَرَبُوهُمْ جَمِيعًا بِحَدِّ السَّيْفِ حَتَّى أَبَادُوهُمْ. لَمْ يُبْقُوا نَسَمَةً. كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى عَبْدَهُ، هكَذَا أَمَرَ مُوسَى يَشُوعَ، وَهكَذَا فَعَلَ يَشُوعُ. لَمْ يُهْمِلْ شَيْئًا مِنْ كُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّبُّ مُوسَى. (يشوع 11: 8–15)
وينهي السفر هذه المجزرة بقوله:
20 لأنه كان من قبل الرب أن يشدد قلوبهم حتى يلاقوا إسرائيل للمحاربة، فيحرموا فلا تكون عليهم رأفة، بل يبادون كما امر الرب موسى. 21 وجاء يشوع في ذلك الوقت وقرض العناقيين من الجبل، من حبرون ومن دبير ومن عناب ومن جميع جبل يهوذا ومن كل جبل اسرائيل. حرمهم يشوع مع مدنهم. (يشوع 11: 20–21)
إن النصوص اليشوعية ليست حكاية جيش يقتل بدافع الغضب أو الانتقام فحسب؛ بل الإبادة فيها بأمر إلهي. نحن لسنا بصدد مقتضيات عسكرية أو توجيهات قادة أو اضطرارات حرب، بل القتل هنا والحرق والإهلاك واجب ديني.
ولا يُعرض الفعل الإبادي على أنه قرار بشري قابل للمساءلة، بل بوصفه تنفيذًا لتكليف شرعي. ويوصف القضاء على شعوب ومدن بأكملها بأنه جزء من الاستيلاء على الأرض الموعودة التي وُهبت من الإله. وبالتبعية تنتقل المسؤولية الأخلاقية من الفاعل إلى الأمر الإلهي.
ولا توجد هنا حلول مريحة، من قبيل القول إن المشكلة مجرد “سوء استخدام”، أو إن نصوص الإبادة “رمزية”؛ فالنص يقدّم التطهير العرقي بوصفه وصيّةً إلهية.
ومن شدّة الأمر وحجم الإبادة المذكورة في السفر، يذهب الأب القبطي متى المسكين، في كتابه “تاريخ إسرائيل”، إلى أن أوامر القتل والحرب الشاملة هذه “كانت دموية بأقسى ما يمكن التعبير، فلا يمكن أن يجيزها الضمير ولا يمكن أن يبررها العقل بحسب موازين إيماننا، ولكن نقول إن إسرائيل تصرفت بأكثر مما أوصى به الله”!
والنصوص واضحة وصريحة ومتكررة في أن كل ما تم كان بأمر الرب وتكليفه. لكن هناك سؤالًا يجب أن يُطرح: هل نحن بصدد تاريخ وسرد حرفي للأحداث، وأوامر إلهية نُسخت أو انتهت؟ هل كانت مرحلة لها ظروفها وانقضت؟ أم أننا بصدد ذاكرة تأسيسية جماعية وهوية دينية وسياسية؟
إن التاريخ والواقع المعيش يخبراننا بأن مثل هذه النصوص وغيرها تظل خزّانات للوعي، ومصادر تستمد منها التوجهات السياسية والعمليات العسكرية بعض مرجعياتها ومسوغاتها؛ فهي نصوص يتمثّلها المؤمنون بها، ويستحضرونها في واقعهم، ويُسقطون دلالاتها على حياتهم المعاصرة، وإن كان آخرون يؤوّلونها رمزيًا أو يقيّدون تطبيقها بضوابط دينية تحول دون الأخذ بها على ظاهرها.
يذكّرنا منير العكش في كتابه “أميركا والإبادات الثقافية: لعنة كنعان الإنكليزية” بأن المتطهّرين البروتستانت، وهم يبيدون من أُطلق عليهم “الهنود الحمر” ويستولون على أراضيهم في أميركا الشمالية، كانوا يرفعون شعار: أميركا “كنعان جديدة”، وأنهم قرؤوا تجربتهم مع السكان الأصليين على ضوء تجربة بني إسرائيل مع الكنعانيين، حتى سمّوا الشعوب التي أبادوها “كنعانيين”، ونظروا إلى الدولة الناشئة على أنها “أورشليم الجديدة”.
وفي كتابه الأول “الكتاب المقدس والاستعمار: نقد أخلاقي” (1997)، يرى مايكل برايور، الكاثوليكي الأيرلندي وأستاذ دراسات العهد القديم في كلية سانت ماري بلندن، أن القراءة الفاحصة لـ”نصوص الأرض” في التوراة، من الوعد الإبراهيمي إلى خطاب سِفر التثنية وسِفر يشوع، تُظهر أن الوعد بالأرض، في صياغته النصية، مشدود بنيويًّا إلى أمرٍ بإبادة سكانها أو طردهم؛ أي إلى “الحيرم” أو التحريم، المتجسّد في قوله: “لا تستبقِ منها نسمة”.
ومن هذا التأسيس النصي انتقل إلى ثلاث دراسات حالة استُدعي فيها هذا النموذج التوراتي استعماريًّا:
- الغزو الإيبيري لأمريكا اللاتينية، الذي صُوِّر عبورًا جديدًا نحو أرض ميعاد جديدة.
- استيطان الأفريكانيين في جنوب أفريقيا، حيث تمثّل البوير “إسرائيل جديدة”، ورأوا في “الرحلة الكبرى” خروجًا.
- الصهيونية في فلسطين.
وتذكر راشيل هافرلوك، في كتابها “جيل يشوع: الاحتلال الإسرائيلي والكتاب المقدس” (2020)، وتنقل لنا أنه في عام 1958 عقد ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، حلقات دراسية في منزله، شارك فيها جنرالات وسياسيون وأكاديميون، خُصصت لدراسة الكتاب المقدس، مع تركيز خاص على سفر يشوع. ولم تكن هذه اللقاءات، وفق قراءة الباحثة راشيل هافرلوك، مجرد نقاشات دينية أو أكاديمية، بل أسهمت في إعادة قراءة رواية الغزو التوراتية في ضوء تجربة تأسيس إسرائيل وحرب عام 1948، وتوظيفها في بناء سردية قومية ذات طابع عسكري، أسقطت صورة الإسرائيليين القدماء والكنعانيين على الإسرائيليين والفلسطينيين المعاصرين.
وفي السنوات الثلاث الأخيرة، ومع الإبادة التي تحدث في غزة، استشهدت التيارات الدينية المختلفة، ورموزها السياسية والإعلامية، بنصوص من العهد القديم في أسفاره المختلفة لتبرّر ما يجري.
وتكشف نتائج استطلاع أُجري في مارس 2025، بتكليف من جامعة ولاية بنسلفانيا الأمريكية، وأشرف عليه المؤرخ وعالم الاجتماع تمير سورك، أستاذ التاريخ في الجامعة، ونفّذته شركة الاستطلاعات الإسرائيلية “جيوكارتوغرافي”، على عيّنة من 1005 يهود إسرائيليين، ونشرت نتائجه صحيفة “هآرتس” في مايو من العام نفسه، عن حضور لافت للمرجعيات التوراتية في تبرير العنف ضد الفلسطينيين؛ إذ أيّد 47% من المستطلَعين أن يحاكي الجيش الإسرائيلي ما فعله بنو إسرائيل في أريحا بقيادة يشوع، بقتل جميع سكانها، فيما ارتفعت النسبة إلى 58% بين من هم دون الأربعين، وبلغت 31% بين العلمانيين.
وها هي النصوص القديمة تحيا من جديد في العقول، وتنساب كلماتها في العروق، لتتحول من حبر في الأسفار إلى سيوفٍ تُشهر، وأوامرَ تُنفَّذ، ودماءٍ تُسفك؛ فتُسحق أممٌ وتُباد شعوبٌ، في مشهدٍ يعيد فيه الإنسان إنتاج الماضي، متوهّمًا أنه لا يفعل سوى الامتثال لأوامر السماء. وهكذا، لا تبقى النصوص حبيسة زمنها، بل تستيقظ من سباتها كلما وجدت عقلًا يستدعيها، وإرادةً تتخذ منها ذريعةً للقتل والإبادة.
وتكتمل ثالثة الأثافي حين تجتمع ثلاثة عناصر: نصٌّ مقدس، وتأويلٌ ديني يمنحه دلالة ممتدة إلى الحاضر، وتوظيفٌ سياسي يستدعي هذا التأويل لتبرير سياسات معاصرة. عندئذٍ لا يعود النص مجرد رواية من الماضي، ولا يظل التأويل حبيس الجدل الديني، بل يتحولان، حين يلتقيان بإرادة سياسية، إلى أداة لتسويغ العنف وإضفاء الشرعية على الإبادة الجماعية. وهكذا تُستدعى نصوص الماضي لا بوصفها شواهد على زمن انقضى، بل باعتبارها أوامر يُراد لها أن تحكم الحاضر وترسم ملامح المستقبل.
فلننتبه جميعًا؛ فالحروب تبدأ في عقول البشر، أما الرصاص فليس إلا خاتمة المعركة، لا بدايتها.





