
أثر الهجمة المغولية على أسلوب حياة المسلمين
نوفمبر 5, 2026
شهيد ومصاب في غارتين للاحتلال على غزة
نوفمبر 5, 2026بقلم: حسن الخطيب – عضو رابطة علماء فلسطين
تَحَرَّك جيش المسلمين بقيادة رسول اللّه ﷺ في غزوة تبوك لمواجهة إمبراطورية الروم العظمى، القوة التي لا تجرؤ أي قوة إقليمية على مواجهتها، لما تمتلكه من قوة مفرطة، ما يجعلها تنتصر في أي معركة تخوضها؛ ناهيك أن تكون قوة حديثة ناشئة في حالة من الضعف والقلة، رغم طول الطريق وشدة الحر، وصعوبة الحال، فقد وصف الله ذلك بتسميته لهذه الغزوة بـ(ساعة العسرة)، قال الله تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧].
لماذا أقدم المسلمون على هذه الغزوة رغم الفرق الشاسع بين القوتين؟
أولا: تنفيذاً لأمر الله تعالى، والأمر ليس لرسول الله ﷺ فحسب؛ وإنما لكل قادة المسلمين إلى يوم القيامة؛ إذا تشابهت الظروف.
ثانيا: تعزيزا لتشريع جهاد الدفع؛ خاصة إذا شَعَرَ المؤمنون بخطر المعتدين؛ قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣].
ثالثا: وضع حد لغطرسة الروم، وردعهم وعُمَّالِهم وعبثهم.
رابعا: إثبات وجود الدولة الإسلامية كقوة إقليمية قادرة على مواجهة قوى الظلم أيا كانت ومهما كانت.
خامسا: سعى النبي ﷺ إلى حماية الحدود الشمالية للدولة الإسلامية، وبث الرعب في نفوس القبائل المتحالفة مع الروم لقطع أي أمل لهم في مهاجمة المسلمين.
سادسا: تمحيص الصف الداخلي للمسلمين في فريضة الجهاد والإنفاق، وكشف حقيقة نفوس المؤمنين من المنافقين والمرجفين.
حقيقة المنافقين ودورهم الخبيث
خلال المسير إلى تبوك وأثنائها، وقد بلغت القلوب الخناجر، تحرك المنافقون، لبث أراجيفهم؛ طعنا وتخذيلا وتثبيطا للمسلمين لإضعافهم وكسر شوكتهم؛ وقد تحدثت سورة التوبة مطولا عن مواقفهم المخزية؛ فمما قالوا: انْظُرُوا، هَذَا يَفْتَحُ قُصُورَ الشَّامِ وَيَأْخُذُ حُصُونَ بَنِي الْأَصْفَرِ! وأيضا: ما نرى قُرَّاءَنَا إلا أكْثَرُنُا بطوناً وأكذبُنا ألسنة وأجبنُنا عند اللقاء. فلما قيل لهم قلتم كذا وكذا؛ حلفوا: إنما كنا نخوض ونلعب! يريدون كنا غير مُجِدِّين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥-٦٦]1.
هكذا كان دورهم، في غزوة تبوك، وستتكرر الصورة، وتتشابه في كل زمان ومكان، خاصة عندما يكون الصراع بين الفئة المؤمنة والكثرة الكافرة على أشده؛ ولا يزال دورهم ضد رجال “الطوفان”، ولثلاث سنوات متتالية، ما سكتت مدافع القتل الصهيوني، وأقلام الإرجاف وألسنتهم الحِدَاد.
بين يدي الساعة
أخبر النبي ﷺ عن أشراط الساعة؛ منها قوله ﷺ: “لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحقِّ، لعدوِّهم قاهرين، لا يضرُّهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأْواءَ؛ فهُم كالإناءِ بين الأَكَلةِ، حتى يأتيَهم أمرُ اللهِ وهم كذلك”. قالوا: يا رسولَ الله وأين هم؟ قال ﷺ: “ببيتِ المقدسِ وأكنافِ بيتِ المقدسِ”2.
وكأن الطائفة المنصورة استثناء، يسعى المخالفون بكل الخذلان لأذيتهم وضرهم لعدم من يعينهم وينصرهم، مما يعني عموم الشر والفساد والخبث والنذالة والخسة والسفاهة والظلم ووقاحة أهل الكفر والفجور؛ مما يجعل أهل النفاق بخذلانهم يطمئنون لنصرة أهل الباطل، ويظهرون كفرهم الخفي دون مواربة أو خجل؛ لفرط قوة الباطل وسعة انتشاره، وانزواء أهل الحق وضعفهم؛ ليصبح الناس فسطاطين؛ لقول النبي ﷺ: “فسطاطِ إيمانٍ لا نفاقَ فيهِ، وفسطاطِ نفاقٍ لا إيمانَ فيهِ”3.
سنة الأوباش السب والخسة والنذالة
كما رأينا في غزوة تبوك (العسرة) جرأة أهل النفاق وتطاولهم على رسول اللّه ﷺ وأصحابه الكرام؛ يتجرأ اليوم منافقو هذا الزمان على الطائفة المنصورة؛ كما بعض أئمة الكفر على رسول الله ﷺ، لعدم وجود مَن يردعهم؛ كما ردع المعتصم الروم عندما تجرأ علجٌ رومِيٌ على إحدى نساء المسلمين؛ وعندما تجرأ نقفور ملك الروم ألا يدفع الجزية؛ فجاءه رد أمير المؤمنين هارون الرشيد بقوله: “بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام”4.
هذا عندما كان للأمة قائد مؤمن حر لا يقبل الضيم، ولا يخاف في الله لومة لائم. أما اليوم فرغم ما يمتلك المسلمون من قوة اقتصادية وعسكرية وعددية؛ إلا إنهم خسروا هذه القوة، عندما فقدوا هيبتهم بفقدان إيمانهم بالله، وافتقادهم للقائد الملهم الغيور، الورِع التقي؛ ولأنهم أحبوا الدنيا وكرهوا الموت، ورضوا بممالكهم الصغيرة والضعيفة المتناحرة، انحازوا لقوة الباطل؛ ليحاربوا بسيف الكفر أهل الجهاد؛ بل وسَخَّرُوا معظم إمكانياتهم ومقدراتهم، ولسحرة إعلامهم للسَبِّ والشتم والطعن في أهل الجهاد؛ ففي ظل فقدان عمر والرشيد وإِخْوة الإيمان، وتطاول الأوباش سفهاء أئمة الظلم والطغيان على خير الخلق محمد ﷺ وحبيب ربنا الرحمن، ونَزْفُ الدم بغزة هاشمٍ وضفة العياش وعسقلان يمارس الأنذال أقذع السُّبَاب والشتم والطِّعَان.
سنة الله في الأزمات والابتلاءات
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٦-١٦٧] ففي وقت الشدائد والأزمات؛ ﴿وَلِیَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ * وَلِیَعۡلَمَ ٱلَّذِینَ نَافَقُوا۟﴾ وهو أعلم جلّ في علاه من قبل ذلك ومن بعد؛ ولكن ليقيم الحجة؛ وليرحم من يشاء ويعذب من يشاء؛ فما جعل الله الابتلاءات والمحن والشدائد، إلا لاختبار النفوس ومدى تعلقها به عز وجل، ليعلم أهل الصدق والإيمان، من أهل النفاق والخذلان الذين يتعللون ويفرون وينسحبون ويطعنون ويسبون ويشتمون ويخذلون؛ لينكشف أمرهم.
وكأن الله جعل لنا في الآيات السابقة وغيرها، حقيقة أهل النفاق، والمتآمرين، ليفضحهم الله بظهور كفرهم من خلال أقوالهم وأفعالهم، ويكشف حقيقة تناقضهم؛ فالنقيضان لا يجتمعان، خاصة الكفر الأكبر، والإيمان الصادق في قلب المرء؛ كما أخبر النبي ﷺ: “لا يَجتَمِعُ الإيمانُ والكُفرُ في قلبِ امرئٍ”5.
صفات أهل النفاق عبر العصور
هي كثيرة ولكن أخطر ما يميزهم قولُ الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ تبين هذه الآية الكريمة أن المنافقين يتشابهون في الصفات والأقوال والأفعال وسوء الطباع، وخبث النوايا، وإبطان الكفر، وحب الشر، وقبح الأخلاق، ومرض القلوب، والسلوك المنحرف، بسعيهم الدؤوب إلى الكفر والفسوق والعصيان والأمر به؛ بقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ﴾؛ والنهي عن الإيمان والطاعات والأخلاق الحسنة، بالنهي عنه: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ وعدم الإنفاق؛ لأنانيتهم وحباً في البخل والشح وكراهية الجهاد والفقراء والمساكين؛ ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾؛ لسكون الغرور قلوبهم، والعجب والتكبر بترك طاعة الله والسعي إلى طاعة الشيطان، فتركهم الله لعذابه كما تركوا طاعته في الدنيا: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾؛ فأبعدهم الله وطردهم من رحمته، كما ابتعدوا بعصيانه عن هدايته؛ فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. هذه الصفات جعلتهم يعادون رسول الله ﷺ، وما دونه أولى بالعداوة منه ﷺ.
الطوفان الكاشف الفاضح
لقد كان يوم السابع من اكتوبر ولا يزال من أعظم حوادث الدنيا، خاصة في تاريخنا المعاصر؛ ليكشف الله به مستور العبيد ويفضح هؤلاء المتسترين بعباءة العابدين؛ الذين آثروا الحياة على الآخرة، والكفر وأهله على الله ورسوله وعباده المؤمنين؛ حينما ظهرت عداوتهم لأهل الإيمان، بحقيقة ولائهم وانتمائهم؛ لـ﴿أشد الناس عداوة للذين آمنوا﴾؛ في الوقت الذي مارسوا فيه شديد عداوتهم وحقدهم على مؤمني غزة، وأوغلوا في دمائهم، ففضح الله إيمانهم الزائف، بالحقائق التالية:
أولاً: عدم دعمهم لأهل غزة، وصمتهم المستمر عن الإبادة الجماعية.
ثانيا: دعم القتلة المحتلين بكل وسائل الدعم والإمداد، فقد مُدَّتْ جسور الإمداد للكيان عبر الأرض العربية وموانئها البحرية والبرية.
ثالثا: تسليم أموال المسلمين وخيراتهم لأئمة الكفر.
رابعا: تسخير أرض المسلمين مطية وقواعد لأهل الكفر، لضرب المسلمين، من بلاد المسلمين.
خامسا: تعزيز مواقفهم التطبيعية مع المحتل الأثيم؛ بدل أن يُعِدُّوا العدة لمناصرة أهل الإسلام، ورفع الظلم عنهم.
سادسا: إن المنافقين بولائهم للكافرين هم الكافرون حقاً؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].
سابعا: الطعن والتخذيل المستمر في المجاهدين والتقليل من أعمالهم.
ثامنا: السكوت على تطاول المشركين على ذات الله عز وجل ونببه الكريم والاستهزاء بسنته ﷺ.
غزة كما سورة التوبة كاشفة فاضحة
ما زلنا نعيش طغيان ﴿أشد الناس عداوة للذين آمنوا﴾؛ ونذالة خذلان المنافقين، ودخول السنة الرابعة على التوالي ضد طائفة آخر الزمان المنصورة بإذن الله تعالى. لقد أحيا أهل غزة ورجالها الأبرار بطوفان الأقصى قاعدة الاصطفاف الحقيقي لأهل الإيمان، والتي وضعها وأسسها النبي ﷺ عندما تحدث عن فتنة الأحلاس ثم فتنةُ الدهيماءِ حينما قال: “يصبحُ الرجلُ فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، حتى يصيرَ الناسُ إلى فسطاطينِ، فسطاطِ إيمانٍ لا نفاقَ فيهِ، وفسطاطِ نفاقٍ لا إيمانَ فيهِ”6.
ففي زمن النبي ﷺ فضح الله بسورة التوبة عموم المنافقين لتكون المعيار الكاشف لهم، حتى كادت تُسَمِّيهِم بأسمائهم، أما اليوم فالله قد فضح عموم المنافقين أيضا بطوفان الأقصى ليكون المعيار والكاشف الحقيقي لمنافقي آخر الزمان، وقد سَمَّتهم بأسمائهم، فكان من أسماء سورة التوبة: الكاشفة والفاضحة والحافرة… إلخ. وكذلك غزة أيضاً وطوفانها باتت الكاشفة والفاضحة والحافرة.





