
منظمات إسلامية وحقوقية تندد بمنشورات وصفتها بـ “المتعـ.ـصبة” لقس في مدينة ديكاتور الأمريكية
نوفمبر 5, 2026
طوفان الأقصى.. الكاشف الفاضح
نوفمبر 5, 2026بقلم: مؤمن سحنون – كاتب تونسي
أولًا: استدامة المنظومة الاجتماعية بعد تحوّل الخلافة إلى ملك
بقيت المنظومة الاجتماعية والنموذج قائمين بعد أن تحولت الخلافة إلى ملك، رغم الأثر الكبير لهذا التحول في طبيعة النظام، لكن كانت النقطة الأهم في استدامة أسلوب حياة الأمة بعد هذا التحول هو بقاء المهام الحيوية للمسلمين على طبيعتها وفق منظومتهم القيمية، والحفاظ على الجزء الأكبر من منهاج الحياة بالإسلام كإطار ناظم لمختلف النشاطات البشرية للأفراد والمجتمعات، لما تتميز به هذه المنظومة من استقلالية تنظيمية وتمويلية وقيمية عن السلطة الحاكمة، وهو ما سنأتي على تفصيله بإذن الله عندما نعرض خصائص أسلوب حياة المسلمين.
ثانيًا: الحواضر الإسلامية وحاضنة النموذج
يعتمد النموذج الذي أقامه الإسلام بالأساس على إنشاء الحواضر الإسلامية، المدن التي يتحقق النموذج من خلال إدارة النشاط البشري في مجتمعاتها وفق المنظومة القيمية، المدن والحواضر التي يتجلى من خلالها الأثر العملي لتنظيم الإسلام لأسلوب حياة على ساكنيها، في اجتماعهم واقتصادهم وثقافتهم وقوانينهم وسياسة حكامهم.
وكانت الحواضر الكبرى في الأمة هي الحاضنة الأكبر للنموذج، فالإسلام دين يقوم على إنشاء حياة مدنية تتشابك خلالها مجموع الوظائف الحيوية للمجتمع، عبر ترتيبها التكليفي الكفائي (بناءً على جملة فروض الكفايات) بطريقة تستنهض كل طاقات المجتمع أفراده وجماعاته في هذه المهام والوظائف الحيوية الموزعة.
إنه نموذج لحركة اجتماعية دؤوب تتجه بكليتها لوجهة واحدة، إنها حركة مجتمع، إنه تحرير حيوي وإبداعي لطاقات الناس وصناعة لبيئة وحياة متوهجة.
ثالثًا: الهجمة المغولية وتهديد النموذج
لذلك كان التهديد الأبرز للنموذج في هذه المرحلة هو الهجمة المغولية التترية ما بين سنتي 1219م و1260م، لأن الهجمة قامت بالأساس على محاولات تدمير حواضر الإسلام الكبرى، وقد تم هذا بالفعل.
لقد أتت الهجمة المغولية على مدن مركزية في الأمة بل جاءت على عاصمة الخلافة، إذ إنه فضلًا عن التقتيل الكبير الذي حدث في هذه الهجمة، إلا أن المغول دمروا الحياة الاجتماعية وفككوا النظم وسقطت الخلافة العباسية فعليًا على يدهم بعد اجتياح بغداد الحاضرة الأهم في زمانها.
ولم تسلم الشام وحواضرها من التدمير، فقد طالت يد المغول حاضرة حلب والتي عاث فيها هولاكو قتلًا وتشريدًا ونهبًا وخرابًا، كذلك دمشق التي استعادها المماليك هي وحلب بعد فترة قصيرة من الهجمة المغولية.
رابعًا: تدمير الحواضر الكبرى
هذا فضلًا عن الحواضر الكبيرة الأخرى، إذ بدأت الحملة المغولية بتدمير حواضر مرو وهراة وبلخ ونيسابور ما بين سنتي 1220م و1221م (في آسيا الوسطى أو خراسان)، والري وما حولها سنة 1220م (شمال إيران حاليًا ومناطق الجبال)، ثم تواصل التمدد والدمار إلى أن وصل هولاكو إلى مراغة سنة 1256م وأسقط خلالها حواضر مهمة بين إيران والعراق واتخذ من مراغة مركزًا له، ثم اجتاح بغداد عاصمة الخلافة سنة 1258م، لتسقط بعدها حلب ودمشق سنة 1260م لكن لم يطل مكوث المغول فيهما طويلًا.
توقفت الحملة التخريبية سنة 1260م بعد معركة عين جالوت التي وقعت في فلسطين بقيادة سيف الدين قطز والظاهر بيبرس، والتي انتهت بكسر المماليك للهجمة المغولية وبداية انحسارها، وعودة حواضر الإسلام من يد المغول على مراحل ومعارك، لكن بقيت الآثار العميقة للحملة المغولية شاخصة على المنظومة الاجتماعية والسياسية والعلمية والاقتصادية وحتى الثقافية والتعليمية للمناطق المدمرة.
خامسًا: أثر الهجمة المغولية في الحركة العلمية واللغة العربية
إن الحس الحضري لأسلوب الحياة في الإسلام يقوم على رعاية العلم كمركز فكري للأمة، وكانت الهجمة قد خربت أهم المكتبات والمؤسسات والمجمعات العلمية ما تسبب في تعطيل الحركة العلمية بفقد العدد العظيم من الكتب والمخطوطات من جهة، وهجرة العلماء والمراكز العلمية من جهة أخرى، وما أدى في ما بعد لانحسار دور اللغة العربية من الدوائر القيادية خاصة في المناطق الأعجمية، إذ تولى عدد كبير من أمراء العجم للإمارات الإسلامية، وانتشرت الحركات الصوفية العجمية في العالم الإسلامي، فاجتمعت العجمى والجهل بحقيقة الإسلام وبقيت هذه الظاهرة في مناطق واسعة من الأمة حتى مجيء الاستعمار الغربي.
واللغة العربية هنا ليست أداة قومية بقدر ما هي عنوان لهوية للأمة على اختلاف أعراق وأجناس أهلها، باعتبار مركزية القرآن الذي أنزله الله بلسان عربي مبين، وهذا ما يفسر اجتهاد غير العرب من المسلمين في تحرير وتدقيق القواعد والعلوم العربية حتى برزوا فيها، إذ أصبح سيبويه غير العربي إمامًا في النحو وحجة على كل المسلمين عربهم وعجمهم، والإمام البخاري وهو من بخارى (أوزبكستان حاليًا) والإمام مسلم من نيسابور (إقليم خراسان) حجة في علم الحديث على المسلمين عربهم وعجمهم، فالعربية كلغة هي اللسان الحضاري لأمة الإسلام، هي لسان أسلوب حياتهم الناطق.
وقد تأثرت هذه المركزية كثيرًا بعد الهجمة المغولية، إذ تعجمت كل المناطق التي دخلها المغول، وتحولت اللغة المحكية عند عوام الناس في معظم هذه المساحات إلى الهندية أو الفارسية وغيرها.
سادسًا: الحواضر التي سلمت من الهجمة المغولية
ومن ألطاف الله أن الهجمة المغولية لم تطل كل حواضر الإسلام، فقد سلمت القاهرة عاصمة المماليك، سلمت دمشق وحلب وحمص رغم أن الهجمة المغولية طالتهم إلا أنهم لم يتمكنوا من اجتياحهم وتدميرهم، وسلمت مكة والمدينة المنورة في الحجاز، وسلمت حواضر اليمن وعمان كصنعاء وزبيد وغيرها، وسلمت القيروان وتونس وفاس ومراكش وغرناطة وبقية حواضر الشمال الإفريقي والأندلس، وغيرها من حواضر الإسلام التي لم تصل إليها الحملة المغولية..
وقد بقي أسلوب الحياة في الإسلام مستدامًا في بقية هذه الحواضر.
سابعًا: دخول المغول والتتار في الإسلام
وقد حدثت في أواخر الحملة المغولية ظاهرة غريبة في عالم التدافع العسكري والسياسي، وهو دخول المغول أفواجًا للإسلام، رغم ما كان لديهم من تفوق عسكري، ورغم الدمار الذي طال حواضر الإسلام التي اجتاحوها، إلا أنهم انهزموا أمام التفوق الحضاري والثقافي والروح الدينية التي بقيت متوهجة رغم الوحشية التي أظهرها المغول والتتار في حروبهم.
إلا أن هذه الظاهرة تحتاج منا وقفة تأمل، خاصة وأننا في صدد البحث عن التغيرات التي طرأت في أمتنا إلى أن بلغنا الوضع الحالي من الاحتلال المحلي الذي يرعاه الاحتلال الأجنبي.
ثامنًا: دلالات دخول المغول والتتار في الإسلام
إن دخول المغول والتتار في الإسلام ليحمل في طياته مدلولات عظيمة، فقد سمعنا كثيرًا بدخول المغلوب في ثقافة ودين الغالب، لكننا لم نسمع كثيرًا بدخول الغالب في ثقافة ودين المغلوب.
نعم لقد كان المسلمون أضعف ماديًا أمام أعدائهم، لكن الشعور العام باستعلاء العقيدة كان فارقًا في نهاية الصراع، لم يعطِ المسلمون الدنية في دينهم ولا قبلوا محاولة المغول فرض نموذج وأسلوب حياة من عندهم.
ويمكننا اعتبار محاولة تحكيم الياسق –الذي هو مدونة أحكام وقوانين مأخوذة من عادات المغول وشرائع شتى (كاليهودية والنصرانية والإسلام) وأهواء جنكيز خان– أول محاولة من محاولة استبدال أسلوب حياة المسلمين، لكن المحاولة باءت بالفشل الذريع، لوضوح المنظومة القيمية وارتباطها بأصل الدين من جهة، وهو الأمر الذي بينه علماء الأمة في حينها ومن أبرزهم ابن تيمية الذي شارك بنفسه في جهاد المغول بالسيف بعد جهادهم بتبيانه وصدعه بالحق، والاستعلاء بالدين والعقيدة الذي كان المسلمون يعيشونه في مواجهة الغازي المغولي، وخاصة عدم انبهار النخب سواء العلمية أو الحاكمة بالنموذج الوافد.
قد كان هذا في عصر الهجمة المغولية، فهل تواصل تعامل المسلمين مع النموذج الغازي بنفس الطريقة في المراحل اللاحقة؟
يتبع إن شاء الله.





