
وقال دين اليهود: “لا أبرياء في غزة”!
نوفمبر 6, 2026رسالة إلى أمةٍ شرّفها الله بأن اصطفى من العرب خاتم أنبيائه ورسله، محمداً ﷺ، وأنزل آخر كتبه بلسانٍ عربي مبين، وجعل من أرضها مهبط الوحي ومنطلق رسالة الإسلام إلى العالمين؛ فحمل أبناؤها الأوائل مشاعل التوحيد والعلم والعدل، وأسهموا مع سائر المسلمين في بناء حضارةٍ أضاءت مشارق الأرض ومغاربها.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]، وقال سبحانه: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195].
فكيف لأمةٍ حظيت بهذا الشرف العظيم، وأودع الله في أبنائها العقول والطاقات، أن تُهدر كفاءاتها، وتُحاصر مواهبها، وتُبدَّد قدراتها تحت وطأة الظلم والاستبداد واحتكار السلطة والنفوذ؟ هل علم اعداء امة الاسلام وما جاءت به من اخراج الناس من الظلمات إلى النور .!!؟
بالأمس، حقق الدكتور عبدالرحمن محمد السيد، الأمريكي المسلم من أصول مصرية، فوزاً تاريخياً بعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، ليصبح أول مسلم يُنتخب لهذا المجلس، رغم ما واجهه من حملات سياسية استهدفت حتى هويته الدينية.
لم يكن هذا الإنجاز مجرد نجاحٍ انتخابي، بل مناسبةً لطرح سؤالٍ موجع: كم عبدالرحمن بين ملايين العرب والمسلمين لم يجد البيئة التي تحتضن قدراته وتفتح له أبواب الإنجاز؟
إن عبدالرحمن وُلد ونشأ في أمريكا، ولم تصنع هويته العربية والإسلامية عائقاً يمنعه من المنافسة والوصول إلى أحد أعلى المناصب التشريعية في البلاد.
فكم وكم وكم طبيبٍ ومهندسٍ وعالمٍ ومفكرٍ عربي أبدع في المهجر، بينما عجزت بيئته الأصلية عن اكتشافه أو تمكينه؟ وكم كفاءةٍ أُقصيت لأن الولاء للأشخاص قُدّم على الأمانة والجدارة؟
أيها الإنسان العربي المسلم…
لم يخلقك الله لتكون عقلاً معطلاً، ولا تابعاً مسلوب الإرادة، ولا مستهلكاً لما يصنعه الآخرون.
خلقك لتوحيده وعبادته، وأمرك بالتفكر والتدبر وعمارة الأرض.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
وقال سبحانه: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].
وحملت الأمة المسلمة، بعربها وغير عربها، مسؤولية تبليغ رسالة الإسلام والدعوة إلى الحق والعدل بالحكمة والموعظة الحسنة.
فكيف لأمةٍ أُمرت بالعلم والتفكر وعمارة الأرض أن تقبل تعطيل عقول أبنائها، وإهدار كفاءاتهم، وتحويلهم من صُنّاع حضارة إلى مجرد مستهلكين لها؟
ولنا في الأندلس عبرة؛ حضارةٌ أضاءت ميادين العلم والطب والفلك والعمران، ثم أسهم التنازع والتفكك والصراع على السلطة، إلى جانب عوامل أخرى، في إضعافها حتى سقوطها.
وإن من أخطر ما ابتُليت به مجتمعات عربية في العصر الحديث الاستبداد بالقرار، والانقلابات العسكرية، والمحسوبية، وتحويل المناصب من أمانةٍ لخدمة الناس إلى وسيلةٍ لاحتكار النفوذ والمصالح.
والأشد خطراً أن يُستغل الدين لتبرير الظلم، فتُرفع نصوص الطاعة والصبر، وتُهمَل نصوص العدل والأمانة والمحاسبة!
ألم يقل رسول الله ﷺ: «إنما الطاعة في المعروف»؟ متفق عليه.
وقال ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
فمن تولى شؤون الناس لم يمتلك رقابهم ولا أرزاقهم، بل تحمل أمانة خدمتهم، وصيانة حقوقهم، وتحقيق مصالحهم المشروعة. وليس له أن يقتطع من أموالهم بغير حق، أو يمنع مستحقاً حقه، أو يجعل المال العام غنيمةً للمنتفعين.
وإلى الذين يزينون احتكار السلطة، ويبررون أخطاءها، ويخلطون بين الولاء للوطن والخضوع للأشخاص:
إنكم لا تحمون الدولة حين تحجبون الحقيقة عن أصحاب القرار، بل تحرمونها من أعظم أسباب قوتها: العدل، والكفاءة، والمساءلة، وثقة الناس بمؤسساتهم.
إن نجاح عبدالرحمن السيد لا يعني أن الغرب خالٍ من الظلم والتمييز، ولا أن كل المجتمعات العربية سواء؛ ولكنه يذكرنا بأن الإنسان حين يجد فرصةً عادلة، ومؤسساتٍ تسمح بالمنافسة، يستطيع أن يبلغ مراتب لم تكن متاحةً له في بيئات أخرى.
وأخيراً…
يا أبناء أمةٍ أنجبت علماء غيّروا مسار المعرفة الإنسانية:
لا يكفي أن نفخر بمن بنى الأندلس، بينما نعجز عن تمكين من يستطيع أن يبني مستقبلنا!
ولا يكفي أن نتغنى بأمجاد أجدادنا، بينما نُهدر عقول أبنائنا، ثم نتساءل لماذا تقدم الآخرون وتأخرنا.
قال رسول الله ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» رواه مسلم.
إن أخطر ما يصيب الأمة ليس أن تفتقر إلى العباقرة، بل أن تمتلكهم ثم تحرمهم من فرصتهم. وليس أشد ضرراً على الدولة من أن يصبح صاحب الكفاءة تهديداً، وصاحب التملق موضع ثقة.
فالأوطان لا تنهض بالمصفقين، ولا بالمستبدين، وإنما بالعدل والعلم والأمانة، وبسلطةٍ تدرك أنها مسؤولة عن خدمة الناس لا عن امتلاكهم.
فكم عبدالرحمن نحتاج أن نخسره قبل أن ندرك أن الثروة الحقيقية للأمة ليست ما تختزنه أرضها من مال، بل ما أودعه الله في أبنائها من عقول وقدرات؟
= كتبه عبدالعزيز بن عبدالرحمن – أستاذ في مقاصد الشريعة





