
فوز تاريخي للمسلمين في انتخابات الكونجرس وهزيمة مدوية لترامب وتياره
نوفمبر 4, 2026
غزة تواجه أزمة حادة مع نفاد مواد الفحص الطبي
نوفمبر 4, 2026بقلم: مؤيد شقيرات –كاتب فلسطيني
من قلب الأرض المباركة فلسطين، من أرض بيت المقدس، ومن جوار المسجد الأقصى المبارك، وعلى مسافة لا تتجاوز بضع كيلومترات هوائياً من مسرى رسول الله ﷺ، ذلك المسجد الأسير الذي مُنعنا من زيارته رغم قِصر المسافة التي تفصلنا عنه، نرفع هذه الشهادة؛ لا بوصفها كلماتٍ عابرة، ولا سطوراً تُقال مثلُها ثم تُنسى، وإنما كلمات كُتبت بمداد الجرح الدفين، والحسرة الموجعة، ووجعِ أمةٍ ترى مقدساتها تُنتهك، وأبناءها يُقتلون، وأرضها تُغتصب، وترى من أبناء جلدتها من تحوّلوا إلى خناجر مسمومة في ظهور إخوانهم.
ومن هنا، من جوار المسجد الذي ما زال يناجي ربَّه، ومن بين أزقة بيت المقدس التي تحمل حجارتها ذاكرة أمة بأكملها، نقولها بوضوح لا مواربة فيه: إن التاريخ لا يرحم، وإن سنن الله في الظالمين والمفسدين لا تتخلّف، وإن الدماء التي سُفكت ظلماً ليست أرقاماً عابرة في نشرات الأخبار، وإن المظالم التي ظن أصحابها أنها ستُدفن في غياهب السجون والمعتقلات لا تُدفن معها الحقيقة.
ونستحضر في هذا المقام قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42]، ولا نغفل كذلك عن قوله تعالى في وعيد الظالمين والمعتدين: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]. فليس كل تأخير نجاة، ولا كل قوة دائمة، ولا كل سجن نهاية، ولا كل ظالم أو جبار بمنأى عن الحساب؛ ستتبدّل موازين القوة، وتتغيّر الوجوه، وتتعاقب الأيام، لكن الحقيقة لا تموت، والظلم لا يصبح عدلاً مهما طال أمده؛ فالأيام دُوَل، والتاريخ شاهد، والله لا يغفل عما يعمل الظالمون.
وفي هذا السياق، أستحضر موقفاً نبوياً حاسماً يبيّن أن الرحمة لا تعني إلغاء العدل، وأن العفو لا يعني إسقاط المسؤولية عن الجرائم. ففي يوم فتح مكة المكرمة، في السنة الثامنة للهجرة، دخل رسول الله ﷺ مكة فاتحاً منتصراً، وقد أصبح الذين أخرجوه وحاربوه وآذوا أصحابه رضوان الله عليهم تحت قدرته، ومع ذلك كان فتحه فتح رحمة وعفو وصفح، فعفا عن عامة أهل مكة، وقال لقريش: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ”.
غير أن هذا العفو العام لم يكن إلغاءً للمسؤولية عن كل جريمة، إذ استُثني منه أفرادٌ عُرفوا بارتكابهم لجرائم جسيمة؛ فأمر النبي ﷺ بقتلهم وقال: “اقْتُلُوهُمْ وَلَوْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ”. ولم يكن هذا الاستثناء عبثاً ولا قسوة، بل جاء في سياق ما ارتكبه أولئك الأفراد من جرائم وعدوان وأذى بالغ؛ ليبقى في الموقف النبوي معنى واضح: أن الرحمة في الإسلام لا تعني تعطيل العدل، وأن العفو العام لا يحوّل الجريمة إلى براءة، وأن التوبة الصادقة تقتضي الإقلاع عن الظلم ورد الحقوق إلى أصحابها.
وقد شمل هذا القرار النبوي عدداً من الأشخاص الذين أثخنوا في الدعوة وأهلها جراحاً، ومنهم عبد الله بن خطل، وعبد الله بن أبي سرح، وحويرث بن نقيذ، إلى جانب آخرين. وقد سجّلت كتب السيرة تفاصيل ما جرى لهؤلاء، بما يبيّن أن المكانة أو الاحتماء بالمقدسات لا تجعل الإنسان بمنأى عن المسؤولية عما ارتكبه من جرائم.
وإننا لَنقف هنا لنُؤكّد: إن السخرية من مقام النبوة الشريف، والتطاول على شخص الرسول الأكرم ﷺ، والاستهزاء بشرعته وسنته، ليست مجرد حرية رأي أو هفوات عابرة، بل هي من أعظم الجرائم وأشدها عدواناً على أمة الإسلام. وكما لم يعفُ النبي ﷺ عمن آذوه وتطاولوا على دينه ومقامه الشريف يوم الفتح، فإن عاقبة كل من يستمرئ الخوض في جناب النبوة أو يستهزئ برسول الله ﷺ لن تكون إلا الهوان والقطع في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3]، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾
[الأحزاب: 57].
ومن هنا تتأكد قاعدة أوسع: أن وراء هذه الدنيا حساباً طال الزمان أم قصر، لا تنفع فيه المناصب ولا الحصانات، وأن التوبة الحقيقية ليست كلمات تُقال، وإنما هي رجوع عن الظلم، وإقلاع عن العدوان، وكفٌّ عن التطاول، وردٌّ للحقوق إلى أصحابها.
وإذا انتقلنا من هذا المعنى الذي تقرره السيرة النبوية إلى واقعنا اليوم، فإننا نجد صوراً متعددة من الظلم والخذلان والتطاول تستدعي الوقوف عندها واعتبارها من الشريحة التي استثناها رسول الله ﷺ من العفو.
ففي واقع المسلمين الممتد من جاكرتا إلى الرباط، نرى حكّاماً نصبوا أنفسهم وكلاء لمصالح بني صهيون، فخانوا قضايا أمتهم، وباعوا تضحيات شعوبهم بثمن بخس. ونرى كذلك علماء سلطة، وطواغيت جاه ومنصب، سخّروا العلم لتبرير أفعال الظالمين، وأفتوا بما يرضي أصحاب السلطان، وبدّلوا الحقائق والأحكام خدمةً للأهواء والمصالح، بل وسكتوا أو برروا لمن يتطاول على جناب المصطفى ﷺ وعلى مقدسات المسلمين.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فنرى أيضاً أحزاباً ووسائل إعلام ومفكرين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أبواقاً للغرب لمهاجمة المجاهدين، ولتسويق الهزيمة وتزيينها، وقلب المفاهيم وتبديل المسميات، وللسخرية من التمسك بالنهج النبوي والسنّة الشريفة؛ فأصبحت الخيانة عندهم حكمة، والتنازل واقعية، والتطبيع ضرورة، والاستهانة بالمقدسات والمقام النبوي حريةً وثقافة، والصمت عن المظالم دبلوماسية وحنكة وسداً للذرائع. وهكذا لا يقتصر الخطر على من يمارس الظلم والعدوان بيده، بل يمتد إلى من يبرره بلسانه، أو يزيّنه بقلمه، أو يمنحه غطاءً بأي شكل من الأشكال.
ولعل أعظم ما يختصر حجم الظلم والخذلان الذي تعيشه الأمة اليوم هو حال المسجد الأقصى المبارك؛ إذ مرت الذكرى السابعة والخمسون لجريمة إحراقه، وما زال أهله يواجهون التضييق والمنع من دخوله، مع السماح لأرذل خلق الله باقتحامه وتأدية شعائرهم التلمودية في باحاته، في ظل محاولات متواصلة لفرض وقائع جديدة تستهدف هويته ومكانته وقدسيته بتقسيمه زمانياً ومكانياً.
وتأتي هذه الذكرى شاهدةً على عجز مؤلم، وعلى تخاذل أنظمة تملك من الإمكانات والقدرات والجيوش ما يؤهلها لنصرة مقدسات الأمة، وحماية أهلها، والوقوف في وجه الاعتداءات التي تستهدف القدس والأقصى، لكنها آثرت الصمت والتراجع. بل إن بعض هذه الأنظمة تجاوز الصمت إلى ما هو أبعد وأشد إيلاماً؛ فسارع إلى مسارات التطبيع، ونسج علاقات وتنسيقاً أمنياً مع العدو، في الوقت الذي ضُيّقت فيه المساحات على الأصوات التي ترفع صوتها دفاعاً عن القدس والأقصى، وتناصر حق أهلهما في أرضهم ومقدساتهم.
وهكذا يقف الأقصى اليوم شاهداً على مفارقة مؤلمة: مقدَّسٌ تُستباح حرمته، وشعبٌ يُضيَّق عليه، وأمةٌ تملك من أسباب القوة الكثير لكنها لا تزال عاجزة عن تحويل تلك الإمكانات إلى موقف يليق بمكانة القدس والأقصى والانتصار لرسول الأمة ﷺ في وجدانها.
ومن هنا، فإن الرسالة لا تتوجه إلى الظالم وحده، وإنما إلى كل من له صلة بهذا الواقع ومسؤولية تجاهه:
- إلى كل ظالم ومتجبر: أقول لكل ظالم استقوى بسلطانه، ولكل متجبّر بطش بالعباد وأفسد في البلاد، ولكل من تعاون أو نسّق أو طبّع مع من يعتدي على الأمة الإسلامية ومقدساتها، ولكل من تطاول على مقام النبي ﷺ وسخر من دينه: احذروا عاقبة الظلم والاعتداء؛ فإن للظالمين والمستهزئين يوماً لا ينفع فيه سلطان، ولا جند، ولا منصب، ولا تُجدي فيه أعذارٌ صيغت لتبرير القمع والبطش والاستهانة بالمقدسات.
- إلى الأدوات والأعوان: ونقول لكل من حمل السوط على الأبرياء، ولكل من شارك في الاعتقال أو القمع أو التنكيل، ولكل من نفّذ أمراً يعلم أنه ظلم وعدوان: لا تجعل طاعتك لمن فوقك حجة تتوهّم أنها تعفيك من المسؤولية؛ فالإنسان مسؤول عن فعله، ولا تتحول الأوامر إلى براءة حين يكون مضمونها ظلماً وعدواناً.
- إلى كل من أعان أو سكت: ونقول كذلك لكل من أعان ظالماً، أو مكّنه، أو تستّر على جرائمه، أو سخّر موقعه ونفوذه وقدرته لإيذاء المظلومين والطعن في ثوابت الدين: إن مسؤولية الظلم لا تقف عند اليد التي تباشر الفعل، بل تمتد إلى كل من أعان عليه أو أسهم في تمكينه أو رضي به وسكت عنه مع القدرة على إنكاره. فليحاسب كل امرئ نفسه قبل أن يأتي يوم الحساب؛ يوم لا تنفع فيه المناصب، ولا الامتيازات، ولا النفوذ، ولا الاعتذارات المتأخرة، وإنما يُسأل كل إنسان عما قدّمت يداه.
ومن هذا المنطلق، فإن الأمة الإسلامية مطالبة اليوم بأن ترفع صوتها عالياً، وأن تعلن بوضوح براءتها من الظلم والعدوان والخيانة والتطاول على مقام النبوة، وأن ترفض كل أشكال التواطؤ على مقدساتها ومجاهديها، وأن تتمسك بحقها في تحكيم شرع الله في أرضه، وأن تجعل قضية المسجد الأقصى المبارك والذود عن مقام النبي ﷺ قضية حاضرة في وجدانها ووعيها وعملها، لا شعاراً موسمياً يُرفع ثم يُنسى.
فلا كرامة لأمة يُستباح مسرى نبيها وتُمسّ فيه حرمة نبيها ﷺ، ولا سيادة حقيقية لها وهي ترى مقدساتها تُنتهك، ولا نهضة مكتملة وهي عاجزة عن حماية أولى قبلتيها وثالث مساجدها، ولا عزة تليق بأمة الإسلام إذا بقي الأقصى جريحاً تحت وطأة الاحتلال والعدوان. إن المسجد الأقصى المبارك ليس حجراً من حجارة الأرض فحسب؛ بل هو مركز البركة، وعنوان الكرامة، وشاهد على مكانة هذه الأمة ورسالتها، فإذا أصاب الأقصى مكروه، كشفت الأمة عن ضعفها وانكسارها؛ وإذا عاد إلى حريته ومكانته، عادت قضية العزة والكرامة والسيادة إلى صدارة الوعي الإسلامي.
وعلى الأمة أن تدرك أن استعادة كرامتها وصون جناب نبيها ﷺ لا يكونان بالاستسلام للواقع، ولا بالتعايش مع الظلم، ولا بتجميل الخذلان، وإنما بالوعي، وبتحطيم حدود وعروش “سايكس بيكو”، وتوحيد صفوف الأمة، ورفض التبعية للغرب، ومحاسبة من ثبت ظلمه أو خيانته أو استهزاؤه بالدين، وبناء قوة حقيقية تجعل للأمة كلمة وموقفاً وإرادة سياسية مستقلة.
وفي الختام، إنها رسالة إنذار لكل ظالم وأعوانه ولكل متطاول على مقام النبوة: إن الظلم لا يدوم، وإن استهانتكم بالمقدسات والمقام النبوي لن تمر دون حساب، وإن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وهناك وجوه لا يمكن لنا أن ننساها، فإن التاريخ لا ينسى من ظلم أو خان أو فرّط في مقدسات الأمة أو تطاول على نبيها ﷺ.
فليتدارك كل من جعل من موقعه سبباً في الظلم أو الخذلان أو الطعن في الدين أمره، وليتب إلى الله، وليرفع الظلم، وليعد إلى الحق قبل فوات الأوان وحلول ساعة الندم؛ فإن بشائر قيام دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة باتت قاب قوسين أو أدنى. وحينئذ، ستقتص الأمة الإسلامية العظمى من كل من ظلمها، وجار عليها، وغدر بمقدساتها ومجاهديها، واستهزَأَ بنبيها ﷺ، وأعان عدوها.
فليعلم الجميع أن الحق لا يسقط بالتقادم إطلاقاً، وأن كل ظالم وخائن ومستهزئ سيُسأل عما قدّم وأخّر، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
موعدكم الصبح، ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟





