
فيلم وثائقي يوثق تاريخ الجالية المسلمة في مدينة غلوستر البريطانية
نوفمبر 2, 2026
نبي أقام.. أمة لا تموت
نوفمبر 3, 2026بقلم: معتصم العمور – كاتب وباحث سوري
واحدةٌ من المطاعن التي تتردد اليوم على ألسنة المعادين للإسلام في الغرب هي تشدد المسلمين في مسائل الأخلاق الجنسية. فكيف لا تُظهر نساؤهم أجسادهن وشعورهن؟ وكيف لا يُظهر الرجل المسلم عورته أمام الرجال عند الاستحمام (الحمّامات في كثير من الأندية الرياضية تكون مشتركة ومن دون ساتر)؟ ولماذا لا يرضون بثقافة “البوي والغيرل فريند” (العلاقات الحميمة بين الجنسين دون زواج)؟ ولماذا لا يتقبلون الشذوذ الجنسي؟ ولماذا يغارون على نسائهم؟
شكّل كل ذلك لقاحاً لسرديات غربية من قبيل: “الرجل الشرقي ظالمٌ للنساء”، أو “المجتمع المسلم الذي لم يتعلم بعد معنى الحرية”.. وتقريبًا، في كل مقام يُراد فيه ذم الإسلام وإثبات التفوق الأخلاقي الغربي، لا بد أن يُستحضر زواج رسول الله ﷺ من أمنا عائشة رضي الله عنها، استنادًا إلى الرواية التي تذكر عَقده عليها وهي بنت ست سنين، وبناؤه بها وهي بنت تسع. فتُستخدم تلك الرواية استخداماً واسعاً لاتهام رسول الله ﷺ زوراً (اللهم زِد نبينا رسول الله محمداً صلاة وتشريفًا).
المثير للدهشة أن الغرب كان قبل قرون ينسج سرديات معادية للإسلام، ولكن من زاوية معاكسة تمامًا؛ إذ كان يذم انفلات الأخلاق الجنسية لدى المسلمين! نعم، سمعت جيداً، كان الغرب يرانا متحررين جداً جنسياً! وأخذ بعضهم يخلط بين ما لم يفهمه بكثير من البهتان والافتراء. فعلى سبيل المثال، قال راهب أندلسي إن أكثر الأمور فجاجة في محمد (اللهم زده صلاة وتشريفاً) وأتباعه، ممارساتهم الجنسية، وذكر من ذلك تعدد الزوجات، والشذوذ، والجنس في الجنة. كما هاجم قس أندلسي آخر، في القرن التاسع الميلادي، رسول الله ﷺ من جهة تعدد أزواجه وما ورد في القرآن عن الحور العين، ثم مضى في افترائه إلى حد الزعم بأن محمد سيجامع السيدة مريم العذراء في الجنة! اللهم زد نبينا محمدًا ومريم وابنها تشريفًا. نعم، لم يكن العقل الأوروبي في العصور الوسطى يتصور أن أمرًا يُنظر إليه بوصفه دنسًا أو قذرًا كالجنس يمكن أن يكون حاضراً في الجنة. لماذا كان هذا الموقف المتطرف للجنس في أوروبا؟
نظرت أوروبا في العصور الوسطى بتوجس تجاه الجنس. حتى الشهوة الجنسية بين الزوجين نُظر إليها بعين الريبة لأنها تصرف العقل والجسد عن التوحد مع الله. ووفقًا لأحد أبرز أعلام الكنيسة، القديس أوغسطينوس (توفي سنة ٤٣٠م)، فإن الشهوة الجنسية كانت عقابًا إلهيًا لآدم وحواء بسبب معصيتهما وأكلهما من الشجرة، وهو عقاب يمتد أثره إلى ذريتهما. وانطلاقًا من هذا التصور، جرى التشديد على الأزواج في ممارسة العلاقة الجنسية، إذ عُدَّ الإنجاب غايتها الأساسية، لا مجرد تحصيل المتعة، وصار الاستغراق في اللذة الجنسية بين الزوجين إثمًا. وتدخلت الكنيسة في تفاصيل العلاقة الجنسية نفسها؛ فعند ذهاب النساء للكنيسة للاعتراف بخطاياهن أمام الرهبان، كان للرهبان كتيبات إرشادية تُعلِّمهم كيفية استجواب النساء عن تفاصيل ممارساتهن الجنسية، من قبيل الأوضاع التي يمارسن بها الجماع، وما إذا كان الرجل يتعمد تجنب الإنزال داخل زوجته؛ فذلك دليل على ممارسة الجنس طلبًا للمتعة من غير قصد الإنجاب. ويُنزل العقاب على من يفعل ذلك، وكانت المرأة تتحمل النصيب الأكبر منه. ذهب بعض الباحثين إلى وصف أوروبا المسيحية بأنها كانت من أكثر الحضارات عداءً للجنس.
(لعل التطرف الكنسي في موضوع الجنس كان ردة فعل عنيفة للبيئة الرومانية المتساهلة جداً في الأخلاق الجنسية التي نشأ فيها كبار رجال الكنيسة. مثلاً كان ثمن مواقعة عاهرة في روما في بيوت الدعارة الكثيرة المنتشرة بثمن رغيف خبز. وقد بينت بعضاً من ذلك في كتابي “كيف تقدم الغرب ولماذا لم يسلك المسلمون ذاك الدرب”).
المسلمون كانت نظرتهم مغايرة تمامًا؛ إذ لم ينظروا للعلاقات الجنسية، ما دامت ضمن الإطار الشرعي، على أنها مجرد علاقات مباحة فحسب، بل رأوا فيها عملًا مستحبًا ويؤجر المسلم عليه، وهي كما في الحديث صدقة: “وفي بُضْعِ أحدِكم صدقةٌ! قالوا: يا رسولَ اللهِ! أيأتي أحدُنا شهوتَه ويكونُ له فيها أجرٌ؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزرٌ؟ قالوا: بلى، قال: فكذلك إذا وضعها في الحلالِ كان له أجرٌ”.
وفي (إحياء علوم الدين) يقول الإمام الغزالي: “ولعمري في الشهوة حكمة أخرى… وهو ما في قضائها من اللذة التي لا توازيها لذة لو دامت، فهي منبه على اللذات الموعودة في الجنان”.
هذا التصور للجنس كان عسير الاستيعاب على العقل الأوروبي في العصور الوسطى. ولم يقف الأمر عند حد الاختلاف في التصور الأخلاقي، بل أضيف إليه بهتان وتزوير. فعلى سبيل المثال، صوّر بعض رجال الكنيسة النبي محمدًا ﷺ بوصفه نقيضًا للمسيح (Antichrist)، وهو مفهوم يقارب تصور الدجال في الإسلام. وفي هذا السياق، وُسِم المسلمون بالجبن والنفاق والشهوانية والوثنية والانغماس في الملذات وعبادة الأصنام (تم تصوير طواف المسلمين بالكعبة وتقبيلهم الحجر الأسود على أنه وثنية وعبادة الأصنام، ما زال البعض يكرر هذه التهمة لليوم). وفي المقابل، قُدِّمت صورة المسيحي الأوروبي بوصفه شجاعًا، عفيفًا، مؤمنًا بالإله الحق، ومتمسكًا بالعقيدة الحقة الوحيدة.
وتصف “قصيدة محمد” (Roman de Mahomet) المؤرخة بسنة ١٢٥٦م، كيف أن النبي ﷺ يأمر الرجال بالزواج من عشر نساء، ويأمر كل امرأة بأن تتزوج عشر مرات. وعامةً، يكاد لا يخلو كثير ممن كُتب بسوء عن الإسلام في أوروبا قبل القرن التاسع عشر من انتقاد انفتاح المسلمين الجنسي. والكثير من هذه الكتابات أتت بالكذب والبهتان والقصص المختلقة (الروايات الماجنة حول الحرملك أكثر من أن تُحصى). وقد تعمدت هنا حذف العبارات التي تتضمن إساءة إلى سيد البشرية ﷺ، وغير ذلك من الافتراءات التي ارتأيت عدم ذكرها. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.
الافتراءات الغربية حول الزواج بعائشة
ولعلها الشبهة الأكبر التي تُثار اليوم في حق رسول الله ﷺ.. ولم أجد أثرًا لأي أوروبي قبل القرن الثامن عشر يذكر هذه التهمة. والسبب بسيط: أهل تلك العصور لم يجدوا في الأمر ما يستنكرونه، بل إن الأخلاق الجنسية الأوروبية، على ما اتسمت به من تشدد، لم تكن ترى صغر السن مانعًا من الزواج. فالحد الأدنى لسن زواج الفتاة حسب القانون الكنسي الكاثوليكي هو اثنتا عشرة سنة. وهذا القانون أقدم من الكنيسة نفسها؛ جذوره في التشريع الروماني السابق للمسيحية. وبالمناسبة، لا نجد فيما نُقل عن المسيح عليه السلام نصًا يحدد سنًا معينة لزواج الفتاة، كما لا يظهر في البيئة اليهودية التي عاش فيها تحديداً لعمر الفتاة، والأرجح أن الزواج كان يرتبط بالبلوغ.
لماذا جعل الرومان اثنتي عشرة سنة حدًّا أدنى لزواج الفتاة؟ لأن الزواج عند البلوغ، أو قريبًا منه، كان أمرًا مألوفًا في كثير من المجتمعات القديمة بما فيها الرومانية. وقد ذكر الطبيب سورانوس، الذي يعد مؤسس علم طب النساء، أن سن الرابعة عشرة كان سنًّا معتادًا للبلوغ في روما عام ١٠٠م. ولعل تحديد الثانية عشرة كسن قانوني أدنى لزواج الفتاة ارتبط بالعمر الأدنى للبلوغ الذي ألفه الرومان (للفتيان السن القانوني هو ١٤).
أما الخطبة، فلم تكن محددة بعمر، ولذلك كانت تقع أحيانًا في سن مبكرة للغاية. ومن الأمثلة على ذلك فيبسانيا أغريبينا (Vipsania Agrippina)، التي خُطبت وهي لا تزال رضيعة، لم يتجاوز عمرها عامًا لطيباريوس الذي أصبح لاحقًا إمبراطورًا لروما (توفي عام ٣٧م)، وتزوجته في الرابعة عشرة من عمرها. بل إن القديس أوغسطينوس، الذي سبق ذكره، كان قد تجاوز الثلاثين عندما خطب فتاة في العاشرة من عمرها، وكان من المقرر أن يتزوجها بعد عامين قبل قراره دخول الكنيسة والرهبانية.
وعلى هذا، فإن “عقد” زواج رسول الله ﷺ بأمنا عائشة قبل بلوغها وإتمامه الزواج عند بلوغها، لم يكن في السياق التاريخي أمرًا مستغربًا، بل عرفته مجتمعات كثيرة قبل عصره واستمر معروفًا قرونًا طويلة بعده. حتى عتاة الصليبيين لم يلتفتوا لهذا الأمر لأنه مألوف لهم، فإيزابيل ابنة ملك فرنسا (Isabella of Valois)، زُوِّجت سنة ١٣٩٦م من الملك الإنجليزي ريتشارد الثاني وهي في السادسة من عمرها وكان من المفترض إتمام الزواج عند بلوغها الاثنا عشر عاماً (لكن العريس مات قبل ذلك). هل تعرف من اعترض على هذا الزواج؟ لا أحد، لا البابا ولا مطارنة الكنائس في فرنسا وانكلترا وأوروبا.
الانقلاب الأخلاقي الغربي.. من تطرف إلى تطرف
لأكثر من ١٤٠٠ عام من حضارة الإسلام، بقيت الأخلاق الجنسية للمسلمين ثابتة في جوهرها. الذي تبدل جذريًا هو الأخلاق الجنسية الغربية؛ إذ انتقلت من تطرف يرى استمتاع الرجل بزوجته إثمًا، إلى تطرف معاكس. وأضرب لذلك أمثلة:
- الفيلسوف البريطاني ديفيد هيوم (توفي ١٧٧٦م) يقول أن العفة فضيلة مصطنعة نشأت أساسًا ليطمئن الرجال إلى أن “أطفالهم من صلبهم”.
- المفكر الإيطالي سيزاري بيكاريا (توفي ١٧٩٤م) يرى أن الزنا ناشئ من “ضرورة طبيعية”، وتجريمه غير مجدٍ، بل قد يكون ضارًا.
- الشاعر الإنجليزي ويليام بليك (توفي ١٨٢٧م) عدَّ كبت الشهوة من أعظم الشرور، فقال: “قتل الرضيع في مهده أفضل من مداراة الشهوات المكبوتة”.
- ولعل أشد تعبير عن هذا الانقلاب الأخلاقي يعود للفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام (توفي ١٨٣٢م)، يقول: “لم يكن المسيح نفسه نشيطًا جنسيًا مع نساء مثل مريم المجدلية فحسب، بل من المحتمل أنه كان مشاركًا في الذوق الرفيع (علاقات مع رجال!!) وكان يتمتع بعلاقة جنسية مع القديس يوحنا الرسول”.
(كيف ولماذا حدث هذا الانقلاب الجنسي ذكرته في كتابي. كيف تقدم الغرب ولماذا لم يسلك المسلمون ذاك الدرب).
وهكذا قلب كبار مفكري عصر “الأنوار” العفة من فضيلة لرذيلة، والزنا من رذيلة لفضيلة، وجعلوا الحافظ لفرجه الكابت لشهوته كمرتكب جريمة قتل الرضّع، وحوّلوا من له منزلة الألوهية في معتقدهم إلى رجل زاني وشاذ! نزه الله سيدنا عيسى عما يقولون وصلوات الله عليه وعلى نبينا. يا له من تحول، خرجت به أوروبا من واحدة من أكثر الحضارات تشدداً في الأخلاق الجنسية لواحدة من أكثرها تساهلاً فيها، وبقيت أمة الإسلام كما وصفها الله: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].
مَن يعادي الإسلام في الغرب لن يعدم حجة، حين كان متزمتاً ذمّ انفتاح المسلمين (في حدود ما أحل الله). وعندما لم تعد للأخلاق الجنسية أي معنى عنده يطعن في زواج رسول الله ﷺ بأمنا عائشة. مع أن هذا النمط من الزواج لم يكن غريبًا عن تاريخهم هم أنفسهم. نقرأ مثلاً في التراث الكنسي، أن السيدة مريم العذراء تزوجت القديس يوسف النجار وهي في نحو الثانية عشرة من عمرها، وتصفه بعض الروايات بأنه كان طاعنًا في السن، وتجعله روايات أخرى في نحو التسعين. وكأن بعض المعادين للإسلام ورسوله في الغرب لا يبالون بهدم تراثهم الحضاري والديني والتاريخي كله في سبيل الطعن في رسول الله ﷺ في أمر لم يكن مستنكرًا عندهم أصلًا. فمثلهم كمثل من يخصي نفسه ليغيظ زوجه؛ فما زادهم الله إلا خبالًا، وما زاد الله رسولنا إلا تشريفًا.





