
عظيم فضل الله على أهل غزة
أكتوبر 6, 2026
الصين تواصل قمع مسلمي الأويغور وطمس هويتهم
أكتوبر 6, 2026بقلم: أحمد هاني – كاتب وطالب بكلية الطب
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، الذي بُعث بالسيف بين يدي الساعة. أما بعد: فأعتقد أنك، في الغالب -أخي الكريم- لم تتردد على أسماعك هذه الجملة كثيرًا إلا من باب رد الشبه عن هذا الحديث الشريف، بينما القلة هم من يستفتحون بها في الصلاة والسلام على رسول الله.. إن كان هناك من يستفتح بها أصلًا!
في عصر الدولة المركزية الحديثة، امتلكت الدولة، فوق قدرتها على “تزوير التاريخ”، قدرةً أخرى؛ إذ تُحوّل “الأبطال التاريخيين” إلى “أوشحة” تغطي بها وجهها القبيح الذي اسودّ بسبب التبعية والعمالة والتفريط في المقدرات. مثلما فعلت مع “مصطفى كامل”، و”أحمد عرابي”، و”عمر المختار”، و”عبد القادر الجزائري”، و”الخطابي”.. إلخ. فقد امتلكت كذلك الدولة القدرة على تحويل الرموز الدينية العظيمة، الشاهقة السامقة، إلى أدوات في خدمة أجندتها -أو أجندة سيدها- لأنها استطاعت الاستيلاء على المؤسسات الدينية التي كانت، طوال العصور الإسلامية، مستقلة عن الدولة.
ولا رمز أعظم، ولا أسمق، من نبينا ﷺ.
***
ارتبطت صورة رسول الله ﷺ، في أغلب هذا العصر الحديث الذي يتشدق -نظريًا- بمصطلحات التسامح، والأخوة الإنسانية، وحقوق الإنسان.. إلخ، بهذه المنظومة. نعم، هي تلك المصطلحات التي تراها كأصنام عجوة في غزة والعراق وسوريا وأفغانستان واليمن والصومال وليبيا.. وفي الانقلابات العسكرية في الدول العربية والأعجمية، الإسلامية وغير الإسلامية على حد سواء. فدول العالم الثالث هي “حق مكتسب” و”حديقة خلفية” لـ”رعاة البقر” من الغربيين، وإخوتهم من “بني الأصفر”.
أقول: ارتبطت صورة نبينا ﷺ، في هذا الخطاب، بحيث أصبحت انعكاسًا -لا لأخلاق نبينا في الواقع- بقدر ما هي انعكاس لشعارات هذا النظام العالمي. فهو محمد بن عبد الله “العابد”؛ ولكن عبادته هي الصلاة.. التي لا تنهى عن فحشاء أو منكر يُعرض على شاشات التلفاز، أو في إعلانات الشوارع، أو في المدارس والجامعات، وفي الحياة الإنسانية عمومًا. عبادته هي الزكاة: الفردية! فالدولة ليست ملزمة بجمع الزكوات والصدقات، بل بجمع الضرائب والمكوس. عبادته هي الصوم: الفردي! فالدولة ليست ملزمة بمعاقبة المفطرين جهرًا في نهار رمضان، أو بالعمل على فتح المساجد آناء الليل وأطراف النهار، لكي يحقق الناس أكبر استفادة من الشهر الفضيل.. وليست ملزمة كذلك بمنع الأعمال “الفنية” المبتذلة الرخيصة التي تطبع مع القبح، وتنشر الرذيلة، وتسمم تلك الأجواء العطرة! عبادته هي الحج: الملتزم بالغطاء القانوني الذي جعل “الحج” – كغيره من الشعائر – سلعة رأسمالية، حتى أصبح أكثر المسلمين لا يستطيعون زيارة بيت الله الحرام!
وخرج “كهنة المعبد” -عذرًا- أعني مشايخ الدولة، ليقولوا للمسلمين: “إن التحايل على هذه المنظومة الرأسمالية والتفلت بشكل (غير شرعي) للحج هو حج غير مبرور وبأموال حرام”! متجاهلين النص القرآني الصريح: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]؛ فـ”سبيل” هنا كلمة منكرة، أي إن المراد بها “أي سبيل”، ولو كان بالتفلت من “المنظومة الرأسمالية”.
ومحمد بن عبد الله هو “الزاهد”.. ولكن زهد “الرضا بالقليل”، حتى وإن كانت القلة بسبب منظومات وسلطات تحتكر وتسرق ثروات الناس ليعيشوا في قصورهم، مترعين من النعيم، روايين من السرور، عاثرين من الدلال، ناهضين من الغرور، بين الرفارف والزخارف والمشارف والحرير. بينما شعوبهم في فقر مدقع! ولكن يجب أن يقنعوا بالقليل، وأن يزهدوا في الدنيا.. “يا بنَ الخطَّابِ أما ترضَى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدُّنيا؟!”١.
ووقتها لن يستطيع الرجل العامي البسيط التمييز بين “الزهد الشخصي عن مباهج الحياة الدنيا” وبين “وجوب إقامة الحق والقسط وإزالة الظلم ابتغاء مرضات الله”.
ومحمد بن عبد الله هو “الخلوق”.. ولكنها الأخلاق التي تقتصر على “عيادة المريض”، و”التبسم في وجه أخيك” – في الإنسانية طبعًا! – و”الصدق” – طالما أنه يحقق ثقة بينك وبين العميل – و”الرفق” – حتى وإن انتهكت حرمات الله، فالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة -.. إلخ. لكن “إنكار المنكر” ليس من أخلاقه؛ فهو تدخل في الخصوصية. و”الأمر بالمعروف” ليس من أخلاقه؛ فهو “ادعاء كاذب من أصحاب (قال الله وقال الرسول) للمثالية”. و”الشجاعة” ليست من أخلاقه؛ فهي “مضيعة للوقت ومحاولة للحصول على (تريند)”. و”الكرم” ليس من أخلاقه؛ فهو “إتلاف للمال”. ومواجهة الظلمة بظلمهم ليست من أخلاقه؛ بل هي “إرهاب وتكفير للدولة”! والغضب إذا انتهكت محارم الله ليس من أخلاقه؛ بل “قمع لحرية الرأي والتعبير وحرية الملبس”.
والعمل على إقامة حدود الله -شاملةً- ليست من أخلاقه؛ بل هي “رجعية وعودة إلى الخلف، وأهم شيء هو روح الشريعة الإسلامية”. ومحمد بن عبد الله هو “الرفيق اللطيف الحنون الرحيم”، وقل ما شئت مما يشابه ذلك. فهو “كان أرحم الناس بالناس”. ومشى في جنازة “يهودي”٢.. وذهب ليزور “اليهودي” الذي كان يلقي القاذورات أمام بيته! ٣ ومات ودرعه مرهونة عند “يهودي”! ٤.
ولن يُذكر قتاله وتهجيره لبني قينقاع وبني النضير.. وقتاله وقتله لبني قريظة.. وإسقاطه خيبر، معقل الدسائس والمؤامرات ضد المسلمين! فهو ﷺ لم يقتل إلا رجلًا واحدًا في حياته، وهو “أُبي بن خلف”، فلم يكن مسارعًا إلى القتل، ومهووسًا به! ٥
وبالطبع، فكل مسلم سيعرف عنه أي “قتل” بعد ذلك سيكون “عنيفًا وإرهابيًا ودمويًا”.. ولن يُسأل عن سبب القتل؛ فرسول الله كان رحيمًا! ولن تُذكر غزواته وسراياه، وأوامره المباشرة بقتل واستهداف شخصيات مجرمة بعينها، “وإن لم يمارس هو القتل بنفسه”. ٦
وهو ﷺ كان يدعو الناس -دائمًا- بالحكمة والموعظة الحسنة.. لا “بالغزوات والسرايا”. وكان يقول: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”٧ بعد غزوة أُحد، ولم يقل: “أتسمعون يا معشرَ قريشٍ ! أما والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه؛ لقد جئتُكم بالذَّبحِ”٨ في قلب مكة.
وهو من قال: “بُعثت بالحنيفية السمحة”٩، ولم يقل: “بُعثت بالسيف بين يدي الساعة”.١٠ ومحمد بن عبد الله هو “المبشر الشفوق”.. فهو القائل: “وددت أني قد رأيت إخواننا” ١١ ، ولم يقل: “ويل للعرب.. من شر قد اقترب” ١٢، وهو القائل: “اللهم أمتي أمتي” ١٣، ولكنه لم يقل -للمبدلين الذين يُذادون عن حوضه-: “سحقًا! سحقًا!”١٤.
هو القائل: “أتُحِبُّه لأُمِّكَ؟ أفتُحِبُّه لأُختِكَ؟”١٥، ولكنه لم يقل: “والذي نفسي بيدِه لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقت لقطعتُها” ١٦. هو القائل: “قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا” ١٧، ولكنه لم يقل: “فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد” ١٨. ومحمد بن عبد الله هو “الداعية المربي”.. فهو يجلس مع أصحابه ليعلمهم الدين، لكنه لا يجلس معهم لمشاورتهم في إعدادات الغزوة القادمة! ويستقبل الوفود الآتية من القبائل لكي يحدثهم عن “شعائر الإسلام”، لا ليأخذ منهم “البيعة ويولي عليهم أميرًا”. وينطلق في أسفاره ليدعو القبائل المجاورة إلى الإسلام، لكنه لا ينطلق في غزواته لمواجهة “الروم”! يتحدث عن “الذكر والقيام”، ولا يتحدث عن “السياسة والإمارة”.. يحذر من “الناس” أن يبتدعوا في الدين: “فكل بدعة ضلالة”، لكنه لا يحذرهم من “أمراء يهدون بغير هديه ولا يستنون بسنته، يكذبون ويظلمون” ١٩.
يقول: “اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة”٢٠، لكنه لم يقل: “إنما الطاعة في المعروف” ٢١، و”إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان” ٢٢. يقول: “من آذى ذميًا فقد آذاني” ٢٣، لكنه لم يقل: “المؤمنون أمة واحدة من دون الناس” ٢٤.
سُرَّ من معاذ بن جبل لأنه قال: “أجتهد برأيي”، لكنه لم يُسرّ لأنه قال – قبل ذلك -: “أقضي بما في كتاب الله.. فبسنة رسول الله” ٢٥. هو القائل عن مكة: “ولو أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت” ٢٦، لكن “الهجرة لم تكن فرضًا على كل مسلم في ذلك الوقت” ٢٧!
ومحمد بن عبد الله هو “الداعي إلى السلام والوئام”.. ليس الداعي إلى “الجهاد والحرب”. فلم يقل: “إذا تبايعتم بالعِينةِ وأخذتم أذنابَ البقرِ ورضيتم بالزرعِ وتركتم الجهادَ سلط اللهُ عليكم ذُلًّا لا ينزعُه شيءٌ حتى ترجعوا إلى دينِكم.”. ٢٨ ولم يقل: “مَن ماتَ ولم يغزُ ولم يحدِّث نَفسَهُ بالغَزوِ ماتَ علَى شُعبةٍ من نفاقٍ”29.
ولم يقل: “جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم”30، ولم يقل: “مثل المجاهد في سبيل الله – والله أعلم بمن يجاهد في سبيله – كمثل الصائم القائم، وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالمًا مع أجر أو غنيمة” ٣١. بل كان دائمًا يدعو إلى الدعوة بالرفق.. بدلًا من السيف.. ويدعو إلى احترام العهود والمواثيق “الدولية، بالطبع” ٣٢.
***
لا يعني ما سبق ذكره رفض الجانب الذي يبرز من سيرة رسول الله ﷺ، بل هو رفض لاختزال رسولنا الكريم، وتطويعه لخدمة هذا النظام العالمي وشعاراته الكاذبة. فرسول الله كان “عابدًا”، ولكن عبادته كانت تغيير منظومة الحياة لتتماشى مع مراد رب العالمين. ورسول الله لم يمنعه “زهده” عن مباهج الحياة الدنيا من قتال الظلمة وأئمة الكفر والجور، لإحقاق الحق وإقامة القسط: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
ورسول الله هو أعظم الناس أخلاقًا، “كافة الأخلاق، لا أخلاقًا رأسمالية”. ورسول الله لم يكن رحيمًا فقط، بل كان رحمةً تمشي على الأرض.. ولكنه ﷺ كان عظيمًا في حربه، وجيشه كان يُرعب القاصي والداني، فكان إذا نزل بقوم فساء صباح المنذرين!
ورسول الله، كما وصفه ربه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وكذلك هو القائد العسكري والسياسي العظيم، الذي نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الديني والدنيوي.
هو الذي قاد الكتائب، وأرسل البعوث، وحينما وقع “اتفاقية سلام” وقعها من موقع الند للند!
هذا هو رسول الله.. لا رسول الأمم المتحدة!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
١ أخرجه مسلم (1479) بلفظه مطولا، والبخاري (2468) باختلاف يسير، والترمذي (2461) مختصرا.
٢ الصحيح أنه قام حين مرت جنازة يهودي وتدل القصة على تعظيم هول الموت وإنسانيته ﷺ.
٣ قصة مكذوبة ولا سند لها وتتداول شعبيا.
٤ صحيح البخاري، 2916.
٥ المقصود مباشرة القتل بنفسه.
٦ مثل كعب بن الأشرف ، وسلام بن أبي الحقيق ، وخالد بن سفيان الهذلي.
٧ السلسلة الصحيحة، 7/532.
٨ صحيح الموارد، 1404. وقالها الرسول في المرحلة المكية ردا على استهزاءات صناديد قريش وأذاهم المتكرر.
٩ هداية الرواة، 3772 ، في إسناده علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف.
١٠ أخرجه أحمد، 5115 ، والبخاري. لا تعارض – عند النظر بين الحديثين إن ثبتت صحتهما – فالجهاد بالسيف من الحنيفية السمحة، وإنما أوردناهما بهذه المقابلة توضيحا للفكرة.
١١ صحيح النسائي، 150.
١٢ صحيح أبي داود، 4249.
١٣ صحيح مسلم، 202 .
١٤ صحيح مسلم، 249، ولا تعارض بين هذا الحديث وما قبله، فرسول الله مبشر ونذير، وشفوق بأمته ويغضب لدين الله إذا بدل. وإنما أوردناه لنفس السبب.
١٥ تخريج المسند لشعيب، 22211.
١٦ صحيح النسائي، 4915، أوردناه في إبراز حزم النبي ﷺ في إقامة حدود الله ولا تعارض بينه وبين الحديث الذي قبله، ولكن أوردناهما بهذه المقابلة لنفس السبب.
١٧ البدر المنير، 1/680.
١٨ صحيح البخاري، 4972.
١٩ المقصد هو نقد حصر البدع في الجانب التعبدي والشعائري.
٢٠ صحيح البخاري، 693.
٢١ صحيح البخاري، 7257.
٢٢ صحيح البخاري، 7055.
٢٣ لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما ذكرناه لكثرة استعماله شعبيا ولنفس السبب.
٢٤ من أول بنود “دستور المدينة” ، وإن اختلف في صحته فهو صحيح واقعا وعملا. وأوردناه والحديث الذي قبله لنقد الهوية الوطنية.
٢٥ ساقط. وقال البخاري: لا يصح. وسائر ما طالعت من الأحاديث المشابهة له ضعيفة أو ساقطة أو مكذوبة. وإنما أوردناه لأنه يستشهد به شعبيا في تبرير الابتعاد عن حكم كتاب الله وحكم سنة رسول الله.
٢٦ الاستذكار، 2/451.
٢٧ كانت الهجرة فرضاً على المسلمين في أولها.. ثم ظل الأمر يتدرج حتى فتح مكة “لا هجرة بعد الفتح”.
٢٨ أخرجه أبو داود، 3462.
٢٩ صحيح أبي داود، 2502.
٣٠ رياض الصالحين، 437.
٣١ صحيح البخاري، 2787.
٣٢ الوفاء بالعهود والمواثيق أوامر ربانية، لكنها بالطبع ليست عهود الخيانة أو مواثيق التفريط في المقدرات واحتلال بلاد الإسلام.





