
الاحتلال يواصل حرب الإبادة في غزة بعد ثلاثة أعوام من طوفان الأقصى
أكتوبر 7, 2026
التربية المحمدية (5) – سرٌّ بين العبد وربه
أكتوبر 7, 2026بقلم: عماد إبراهيم – مدير مشروع بصيرة الدعوي
بعد الوقوف عند المسافة الفاصلة بين المثال الشرعي الكامل والواقع البشري بما يحمله من تعقيدات ونقائص، يبرز سؤال مهم حول طبيعة التوقعات التي حملتها بعض التجارب الإسلامية، ومدى انسجامها مع السنن الإلهية التي تحكم حركة التغيير والإصلاح. فبين الطموح المشروع لتحقيق النهضة المنشودة، وبين إدراك طبيعة الطريق وما يكتنفه من تحديات، تتشكل الحاجة إلى قراءة أكثر عمقًا للواقع، لا تقلل من شأن الرسالة، ولا تغفل عن قوانين الاجتماع البشري. ومن هنا يأتي البحث في حدود المأمول وإمكانات المتاح، وفي الفارق بين الواقعية التي تعين على البناء والاستسلام الذي يفضي إلى التراجع، وهذا ما سنتناوله في هذا الجزء من المقال.
هل كانت التوقعات أكبر من فهم السنن الإلهية؟
ومن القضايا التي تستحق مراجعة هادئة متجردة أن بعض الخطابات الإسلامية رفعت سقف التوقعات لدى الجماهير إلى مستوى يصعب تحقيقه في الواقع. فقد تصور بعض الناس أن مجرد وصول الإسلاميين إلى الحكم كفيل بالقضاء على الفساد، وتحقيق العدالة، وإنهاء الفقر، وتوحيد الأمة، واستعادة الريادة العالمية، في سنوات قليلة. وهذا التصور لم تؤيده السنن الإلهية ولا التجارب التاريخية.
إن النبي ﷺ نفسه ظل ثلاثة عشر عامًا في مكة يبني الإنسان قبل الدولة، ثم احتاج بعد الهجرة إلى عشر سنوات أخرى حتى استقرت معالم المجتمع الإسلامي في المدينة، ومع ذلك لم تخلُ تلك المرحلة من المنافقين، والأزمات الاقتصادية، والتهديدات العسكرية، والخلافات الاجتهادية.
فإذا كان هذا حال المجتمع الذي رباه رسول الله ﷺ بنفسه، فكيف يُنتظر من أي تجربة معاصرة أن تحقق الكمال في سنوات معدودة؟!
إن من أخطر آثار المبالغة في صناعة الآمال أنها تجعل الإخفاق الجزئي يبدو وكأنه انهيار كامل للمشروع، بينما هو في حقيقته جزء من طبيعة العمل البشري. ولهذا فإن من فقه القرآن أنه يربي المؤمنين على الصبر والمثابرة. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142].
فالتغيير الحضاري لا يصنعه جيل واحد، ولا معركة واحدة، ولا حكومة واحدة، وإنما هو تراكم طويل من العمل وبذل الجهود، تتعاقب عليه الأجيال.
المأمول بين الثابت والمتغير
ومن المهم كذلك التمييز بين الغايات والوسائل. فالغايات الكبرى في المشروع الإسلامي ثابتة، لأنها مستمدة من الوحي؛ كتحقيق العبودية لله، وإقامة العدل، وحفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض. أما الوسائل فهي مجال واسع للاجتهاد، تتغير بتغير الزمان والمكان. ولهذا لم يفرض الإسلام نموذجًا إداريًا واحدًا، ولا نظامًا اقتصاديًا تفصيليًا في كل جزئية، وإنما وضع المقاصد العامة والقيم الحاكمة، وترك مساحة واسعة لاجتهاد الأمة. وقد أدرك الفقهاء هذه الحقيقة مبكرًا. فأقروا بأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وأن الوسائل تدور مع هذه المصالح وجودًا وعدمًا، ما لم تصادم نصًا أو أصلًا قطعيًا.
ومن هنا فإن الجمود على وسيلة معينة، أو اعتبارها جزءًا من الدين، يؤدي غالبًا إلى تضييق ما وسعه الشرع. وفي المقابل، فإن التفريط في الثوابت بحجة الواقعية يؤدي إلى ذوبان المشروع وفقدان هويته. والنجاح الحقيقي يكمن في الجمع بين ثبات المبادئ ومرونة الوسائل.
سؤال المأمول من جديد
بعد هذا العرض، يمكن إعادة صياغة السؤال الرئيس للمقال بصورة أكثر دقة:
هل كانت الأزمة في أن الحركات الإسلامية طلبت ما لا يمكن تحقيقه؟ أم أن الأزمة كانت في تقدير الطريق الموصل إليه؟ أم أن الإشكال الحقيقي يكمن في ضعف قراءة الواقع، وعدم التمييز بين ما هو مقصد ثابت، وما هو وسيلة متغيرة، وما هو ممكن الآن، وما يحتاج إلى تدرج تاريخي طويل؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى محور بالغ الأهمية، وهو الحديث عن المتاح؛ أي الواقع الذي تحركت فيه الحركات الإسلامية، وما يفرضه من قيود، وما يتيحه من فرص، وما يقتضيه من فقه دقيق للسنن الإلهية والاجتماعية.
ثالثًا: المتاح… قراءة الواقع وحدود الإمكان
إذا كان “المأمول” يمثل الصورة التي يسعى المشروع الإسلامي إلى بلوغها، فإن “المتاح” يمثل المجال الذي يتحرك فيه هذا المشروع، بما يحمله من فرص وتحديات، وإمكانات وعوائق، وسنن لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو الأمنيات.
ومن أكبر الأخطاء التي وقعت فيها بعض الخطابات الإصلاحية أنها تعاملت مع الواقع بوصفه عدوًا ينبغي تجاهله، لا حقيقةً ينبغي فهمها. بينما جاء القرآن الكريم ليقرر أن التعامل مع الواقع جزء من فقه الدين، وأن تنزيل الأحكام والمشروعات لا ينفصل عن إدراك طبيعة الزمان والمكان والناس.
ولهذا كان النبي ﷺ يراعي أحوال المخاطبين، ويختار لكل مرحلة ما يناسبها من الوسائل، دون أن يفرط في أصل من أصول الدين. فقد مكث في مكة ثلاثة عشر عامًا يغرس العقيدة ويكوّن الإنسان، ولم يُكلَّف المسلمون فيها بما كُلِّفوا به بعد قيام المجتمع في المدينة. ولم يكن ذلك تغييرًا للدين، وإنما كان مراعاةً لسنن التدرج.
ومن هنا، فإن نجاح أي حركة إصلاحية لا يتوقف على سلامة أهدافها فحسب، وإنما يتوقف كذلك على دقة قراءتها للواقع الذي تتحرك فيه.
أولًا: الواقع السياسي… بين سلطان الدولة وضيق المجال العام
نشأت معظم الحركات الإسلامية الحديثة في بيئات سياسية لم تكن مهيأة لاستقبال مشاريع التغيير الكبرى. فقد ورثت دول العالم الإسلامي بعد الاستعمار أنظمة مركزية دكتاتورية، احتكرت المجال العام، وضيقت على العمل الأهلي، وأخضعت المؤسسات الدينية والتعليمية لإشراف الدولة الأمنية بدرجات متفاوتة. وفي مثل هذه البيئات، يصبح العمل الإصلاحي أكثر تعقيدًا؛ لأن الحركة لا تتعامل مع مجتمع مفتوح يسمح بالتنافس الحر، وإنما مع منظومات سياسية تفرض قيودًا قانونية وأمنية وإعلامية، تؤثر في مساحة الحركة، وفي طبيعة أولوياتها. ولا يعني هذا أن كل تعثر يمكن تفسيره بالاستبداد السياسي؛ فذلك تبسيط مخل، لكنه يبقى عاملًا مؤثرًا لا يجوز إغفاله عند تقييم التجارب. وقد دل القرآن على أن الدعوات لا تتحرك في فراغ، بل تواجه دائمًا مراكز قوة تدافع عن مصالحها. قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31].
فالتدافع مع القوى القائمة سنة ماضية، وليس حالة استثنائية.
ثانيًا: الواقع الاجتماعي… المجتمع ليس كتلة واحدة
من الأخطاء التي وقعت فيها بعض الحركات الإسلامية أنها تعاملت مع المجتمع وكأنه جسم متجانس، بينما المجتمعات الحديثة شديدة التعقيد، وتضم شرائح متباينة في الثقافة والتعليم والمصالح والاتجاهات الفكرية.
ففي المجتمع الواحد نجد الملتزم وغير الملتزم، والمحافظ والليبرالي، والغني والفقير، وسكان المدن والريف، وأصحاب المصالح الاقتصادية المختلفة، فضلاً عن التباينات العرقية والمذهبية أحيانًا.
ولهذا فإن خطابًا واحدًا لا يكفي لمخاطبة الجميع، كما أن الوسيلة الواحدة لا تصلح لكل البيئات. وقد كان القرآن نفسه يخاطب الناس بحسب أحوالهم؛ فخاطب العقل بالحجة، والقلب بالموعظة، والفطرة بالتذكير، والتاريخ بالعبرة، والواقع بالسنن. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. والحكمة هنا ليست مجرد حسن الأسلوب، وإنما وضع الشيء في موضعه، واختيار الوسيلة الأنسب لكل مقام.
ثالثًا: الواقع الدولي… نحن لا نعيش في عزلة!
لم تعد الحركات الإسلامية تعمل داخل حدودها الوطنية فقط، بل أصبحت تتحرك في عالم مترابط اقتصاديًا وسياسيًا وإعلاميًا. فالقرارات الاقتصادية الكبرى، والتحالفات الدولية، والضغوط الدبلوماسية، والاتفاقيات الأمنية، والمؤسسات المالية العالمية، جميعها تؤثر في قدرة الدول، فضلًا عن الحركات، على تنفيذ برامجها. ومن هنا، فإن أي مشروع إصلاحي يتجاهل طبيعة النظام الدولي سيجد نفسه يصطدم بوقائع لم تدخل في حساباته. وهذا لا يعني الاستسلام لهذا الواقع، ولا القبول بكل ما يفرضه، وإنما يعني فهمه بدقة، والتعامل معه بفقه الموازنات، وتقدير المصالح والمفاسد، وهو أصل مقرر في الفقه الإسلامي.
رابعًا: الإمكانات البشرية… رأس المال الحقيقي
كثيرًا ما يُنظر إلى المال أو السلطة بوصفهما العنصر الحاسم في نجاح الحركات، بينما تؤكد التجارب التاريخية أن العنصر الأهم هو الإنسان. فقد يبدأ مشروع صغير بإمكانات مادية محدودة، لكنه يحقق أثرًا واسعًا إذا امتلك رجالًا ذوي علم، وإخلاص، وكفاءة، وقدرة على الإدارة. وفي المقابل، قد تمتلك مؤسسة ضخمة موارد هائلة، لكنها تتعثر بسبب ضعف القيادة أو سوء الإدارة أو غياب التخطيط.
ولهذا كان أول ما صنعه النبي ﷺ هو بناء الإنسان، حتى صار أولئك الرجال قادرين على حمل الرسالة إلى العالم.
ويقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]. فالتزكية والتعليم سبقا التمكين، لأنهما يؤسسان للإنسان الذي يحسن استثمار التمكين إذا أُعطي.
خامسًا: فقه السنن… بين الأمنيات والواقع
من أعظم ما قرره القرآن أن الكون يسير وفق سنن ثابتة لا تحابي أحداً؛ فالنصر له شروط، والتمكين له أسباب، والانهيار له مقدمات، والنهضة لها قوانين. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾ [الحج: 40]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فهذه الآية تقر بأن التغيير الداخلي مقدمة للتغيير الخارجي، وتربط النتائج بالأسباب، لا بالشعارات. وقد أكثر المفكر الجزائري مالك بن نبي من التأكيد على هذا المعنى، حين بيّن أن مشكلات العالم الإسلامي ليست في نقص الموارد وحده، بل في قابلية المجتمع لبناء الحضارة، وأن النهضة تبدأ من الإنسان، ثم الأفكار، ثم الأشياء، لا بالعكس. وهذه الرؤية تلتقي مع السنن القرآنية التي تجعل إصلاح النفس والمجتمع شرطًا لاستدامة أي نهضة.
بين الواقعية والاستسلام
غير أن الحديث عن “المتاح” قد يُساء فهمه، فيظنه بعض الناس دعوة إلى التنازل عن المبادئ، أو القبول بالأمر الواقع. وهذا فهم غير صحيح، فالواقعية في المنهج الإسلامي لا تعني الاستسلام، كما أن المثالية لا تعني تجاهل الواقع. بل المطلوب هو الجمع بين وضوح الغاية، وفقه الطريق.
وقد جسد النبي ﷺ هذا التوازن في سيرته؛ فلم يتنازل عن أصل من أصول الدين، لكنه غيّر الوسائل بحسب المصلحة، وقَبِل بعض الشروط المرحلية في صلح الحديبية، مع أن ظاهرها كان في غير صالح المسلمين، ثم تبين بعد ذلك أنها كانت من أعظم أسباب الفتح. قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1]. وكان في ذلك درس خالد في أن النظر الاستراتيجي قد يرى من المصالح ما لا تدركه النظرة العاجلة.
وبعد أن تبين لنا معنى المأمول، ثم تعرفنا إلى حدود المتاح، يبقى السؤال الأكثر أهمية: لماذا اتسعت الفجوة بينهما في كثير من التجارب الإسلامية المعاصرة؟!
هل كان السبب في الضغوط الخارجية وحدها؟ أم أن داخل الحركات نفسها عوامل أسهمت في هذا الاتساع؟ أم أن الحقيقة تكمن في تداخل العاملين معًا؟!
يُتبع.





