
التربية المحمدية (4): الشغف بالدعوة والقضية الأصيلة
سبتمبر 4, 2026
الدفاع المدني في غزة يواصل انتشال جثامين شهداء برج المهندسين
سبتمبر 5, 2026بقلم: سميح عبد الرحمن – كاتب وباحث
إذا كان صدق الوجهة هو الأساس الذي يقوم عليه الجندي المؤمن، فإن الطاعة والانضباط هما اللذان يحفظان تماسك الجيش، ويجعلان منه قوةً قادرةً على تنفيذ ما يُطلب منها في أصعب الظروف. وقد شهدت خيبر مشهدًا عجيبًا يكشف إلى أي مدى نجحت التربية النبوية في صناعة جيل يسمع الأمر فيمتثل، حتى حين يخالف الأمر رغبة النفس وحاجتها الملحّة.
كان زاد المسلمين في خيبر قليلًا، حتى اشتد بهم الجوع وأصابتهم المخمصة، فلما ظفروا بشيء من الحُمُر الأهلية ذبحوها، وأوقدوا تحت القدور، وأخذ اللحم ينضج فيها. وبينما القدور تغلي بما فيها، جاء أمر رسول الله ﷺ بتحريم لحوم الحمر الأهلية، فنادى مناديه في الناس أن يكفئوا القدور وألا يأكلوا منها شيئًا.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر أصبنا حُمُرًا خارجًا من القرية، فطبخنا منها، فنادى منادي رسول الله ﷺ: ألا إن الله ورسوله ينهيانكم عنها؛ فإنها رجس من عمل الشيطان. فأُكفئت القدور بما فيها، وإنها لتفور باللحم”.
تأمل المشهد جيدًا: رجال في رباط وجهاد، أنهكهم السير والقتال، وأصابهم الجوع والفاقة، ثم وقع الطعام في أيديهم، فذبحوه وأوقدوا النار، وانتظروا حتى أخذ ينضج أمام أعينهم؛ ثم جاءهم أمر واحد من رسول الله ﷺ، فانتهى كل شيء!
لم يقولوا: نحن في حال حرب، وللضرورة أحكام. ولم يبحثوا عن رخصة يتأولونها، أو مخرج يبررون به ما تشتهيه نفوسهم، ولم يقولوا: نأكل ما نضج ثم ننتهي بعد ذلك؛ وإنما أكفؤوا القدور بما فيها، لأن الأمر قد جاء، والسمع والطاعة لله ولرسوله عند هذا الجيل لم يكونا شعارًا يُرفع، وإنما منهج حياة يُتبع.
وهذه واحدة من أعظم صفات الجيش المنصور؛ فالانضباط العسكري في التصور الإسلامي لا ينفصل عن الانضباط الإيماني، والجندي الذي تربى على الوقوف عند حدود الله، والامتثال لأمر رسول الله ﷺ، وتقديم أمره على رغبات نفسه، أقدر على الطاعة والثبات وتحمل التكاليف حين تشتد المعركة.
من ترك شيئًا لله
ولم يطل بالمسلمين الجوع بعد ذلك؛ فقد دعا لهم رسول الله ﷺ: اللهم افتح عليهم أعظم حصن فيها، أكثرها طعامًا، وأكثرها وَدَكًا”. ثم ندب رسول الله ﷺ الناس للقتال، فما غابت شمس ذلك اليوم حتى فتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ، ولم يكن بخيبر حصن أكثر منه طعامًا ووَدَكًا، فوجد المسلمون فيه من الأقوات ما وسّع الله به عليهم بعد ما أصابهم من الجوع والشدة.
وهنا يلتقي مشهد القدور التي أكفأها الصحابة امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ، بمشهد الحصن الذي فتحه الله عليهم بما فيه من وفرة الطعام؛ فيبعث المشهدان في النفس معنى إيمانيًا جليلًا: أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.
ولا شك أن الدرس هنا يتجاوز حدود الطعام والجوع إلى معنى أوسع في تربية رجال التحرير؛ وهو سرعة الامتثال لأمر الله وأمر رسول الله ﷺ، والقدرة على الانتصار على النفس قبل الانتصار على العدو. فالجندي المسلم الذي يُعِدُّ نفسه ليكون في جيش التحرير، لا بد أن يربي نفسه على الوقوف عند حدود الله، وأن يملك رغباته حين تشتد، وألا يجعل حاجته أو شهوته أقوى من أمر الله في قلبه.
الانتصار على الشهوة.. جيشٌ يملك نفسه
وتأخذنا خيبر إلى ميدان آخر، ربما كان أشد ميادين الانتصار على النفس وأخطرها؛ فإذا كان الجوع يضغط على الإنسان طلبًا للطعام، فإن شهوة الفرج قد تكون أشد سلطانًا، ولا سيما على رجال طال سفرهم وبعد عهدهم بأهليهم. وهناك، في خيبر أيضًا، جاءت التوجيهات النبوية لتصنع جنديًا يملك شهوته كما يملك سلاحه، فلا تسقط أمام فتنة النساء حصونٌ عجز العدو عن إسقاطها في ميدان القتال.
في خيبر جاء النهي النبوي عن نكاح المتعة، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية” متفق عليه.
وإذا وضعنا هذا التوجيه إلى جانب ما قرره رسول الله ﷺ في شأن السبايا، اكتملت أمامنا صورة المنهج النبوي في ضبط شهوة الجندي في ظروف الحرب؛ فلا تكون الحرب بابًا للفوضى الأخلاقية، ولا يبيح الانتصار للمقاتل أن يتجاوز حدود الله في الأعراض والفروج.
جاء عن رويفع بن ثابت الأنصاري -كما يرويه ابن إسحاق- قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم خيبر فقال : “لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماؤه زرع غيره ، يعني إتيان الحبالى من السبايا ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها…”
إننا أمام جيش يقاتل منذ أيام، بعيد عن أهله ونسائه، وقد فتح الله عليه حصون عدوه، وأصبحت بين يديه أسباب ربما تدفع غير المنضبط إلى إطلاق العنان لشهوته؛ لكن التربية النبوية كانت حاضرةً في الميدان، تضع الحدود، وتنظم الغرائز، وتربي الرجال على أن المجاهد في سبيل الله لا يتحرر من أحكام الله حين يحمل سلاحه، بل يكون أشد التزامًا بها، لأنه إنما خرج ابتداءً لإعلاء كلمة الله، فكيف ينصر دين الله بمعصيته؟!
وهنا يظهر معنى عظيم في بناء جيش التحرير: أن الجندي الذي نريده ليس آلةً للقتال، وإنما إنسانٌ ربانيٌّ يملك سلاحه ويملك نفسه معًا؛ ينتصر على عدوه في الميدان، وينتصر على شهوته في داخله، فلا تستعبده امرأة، ولا تستدرجه صورة، ولا تسقطه نزوة، ولا يبيع دينه وأمانته من أجل لذة عابرة.
وهذا المعنى أشد إلحاحًا في زماننا؛ فقد أصبحت شهوة الجنس واحدةً من أخطر أبواب الاختراق والإسقاط التي ينفذ منها الأعداء إلى الأفراد والمجتمعات، واستُخدمت النساء والعلاقات المحرمة والصور والمقاطع والابتزاز أدواتٍ للإفساد والتجنيد والحصول على المعلومات. وربما عجز العدو عن اختراق رجل بالسلاح، ثم دخل إليه من باب شهوة لم يتعلم كيف يغلقه!
ومن هنا فإن إعداد جيش التحرير لا يكتمل بالتدريب على السلاح فقط، ولا بالتأهيل البدني والأمني وحده، وإنما يحتاج إلى تربية إيمانية طويلة على العفة وغض البصر ومجاهدة النفس ومراقبة الله؛ لأن من لم يتعلم في زمن السعة كيف يقول لشهوته: “معاذ الله”، ربما لم يستطع أن يقولها حين تصبح وراء هذه الشهوة معلومةٌ أو أمانةٌ أو دماءُ رجال.
لقد كان جيش رسول الله ﷺ جيشًا بشريًا؛ له حاجاته وغرائزه وشهواته، ولم يطلب الإسلام من رجاله أن يتجردوا من بشريتهم، وإنما رباهم على أن يقودوا شهواتهم ولا تقودهم، وأن يضعوها حيث أحل الله، ويحبسوها حيث حرم الله.
وهكذا تتكامل ملامح الجندي في مدرسة خيبر: صدقٌ يدفعه إلى البذل، وطاعةٌ تجعله يقلب قدر الطعام وهو جائع، وعفةٌ تجعله يملك شهوته وهو قادر عليها. ويبقى امتحان آخر ربما كان من أشد امتحانات النفوس وأخطرها على الجيوش والدول؛ امتحان المال؛ حين تصبح الغنائم بين الأيدي، ويظن المرء أن ما يأخذه قليل، وأن أحدًا لن يراه أو يحاسبه عليه.
فتنة المال.. جيشٌ يحفظ الأمانة
في خيبر كانت الغنائم كثيرة، وكان المسلمون قبلها في شدة وضيق، وهنا جاء امتحان آخر من امتحانات النفوس: هل تمتد اليد إلى شيء من مال المسلمين قبل أن يُقسم؟ وهل يظن أحد أن ما يأخذه خفيةً يسير لا يضر، أو أن سابقته وجهاده يشفعان له في شيء من ذلك؟
في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة مِدعم، وكان عبدًا أُهدي لرسول الله ﷺ، فكان يخدمه، أنه بينما كان يحط رحل رسول الله ﷺ أصابه سهم فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنة! فقال رسول الله ﷺ: بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا”. فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين، فقال النبي ﷺ: شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ”.
يا له من مشهد يهز القلوب!
رجل خرج مع رسول الله ﷺ، وكان في جيش الفتح، ثم أصابه سهم فمات، حتى ظن الناس أن الجنة قد وجبت له؛ لكن شملةً واحدةً من مال المسلمين مد يده إليها قبل أن تحل له، جعلت رسول الله ﷺ يقول فيها ما قال!
ولم تكن هذه الواقعة الوحيدة في خيبر؛ فعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ، فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ، لَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ”.
خرز لا يساوي درهمين!
هكذا كانت التربية النبوية تهدم من جذورها منطق استصغار المال العام؛ فلا يقول الرجل: وما قيمة شملة في غنائم خيبر؟ وما قيمة شراك نعل؟ وما قيمة خرز لا يساوي درهمين؟ لأن القضية ليست في مقدار المال الذي أخذه، وإنما في اليد التي امتدت إلى ما لا يحل لها، وفي استهانة القلب بحقوق المسلمين وأموالهم.
وكان هذا منهجًا نبويًا عامًا في تربية الجيش وصيانة أموال الأمة، حتى فيما قد يظنه الإنسان انتفاعًا عابرًا لا سرقةً ولا تملكًا؛ فقد قال رسول الله ﷺ يوم خيبر: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ”.
فمال المسلمين ليس مالًا مباحًا لمن وصلت إليه يده، والأمانة لا تتغير أحكامها بتغيير الأسماء، ولا يصبح الحرام حلالًا لأن صاحبه لم يأخذه إلى الأبد، أو لأنه وجد لنفسه مخرجًا وتأويلًا.
وأمام هذه المشاهد، يبرز مشهدٌ مقابلٌ تتجلى فيه قيمة الأمانة؛ حيث يروي ابن إسحاق في أحداث خيبر قصة راعٍ أسود كان أجيرًا لرجل من يهود خيبر يرعى له غنمه، فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي. فوقع في نفسه ذكر النبي ﷺ، فأقبل بغنمه حتى جاء رسول الله ﷺ، فسأله: ماذا تقول، وإلى ماذا تدعو؟ فقال ﷺ: أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وألا تعبد إلا الله”. فقال الرجل: فما لي إن أنا شهدت وآمنت بالله؟ قال ﷺ: لك الجنة إن مت على ذلك”، فأسلم. ثم قال: يا رسول الله، إني كنت أجيرًا لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ فأمره رسول الله ﷺ أن يردها إلى صاحبها، فأخذ حفنةً من الحصباء فرمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك أبدًا؛ فخرجت الغنم مجتمعةً كأن سائقًا يسوقها حتى دخلت الحصن. ثم تقدم الرجل فقاتل مع المسلمين حتى أصابه حجر فقتله، فجيء به إلى رسول الله ﷺ، وما صلى لله صلاةً قط، فنظر إليه النبي ﷺ ثم أعرض عنه، فسأله أصحابه عن ذلك، فقال ﷺ: إن معه الآن زوجتيه من الحور العين”.
تأمل المفارقة بين المشهدين: رجل في جيش المسلمين مد يده إلى شملة من الغنيمة قبل أن تحل له، فإذا بها تشتعل عليه نارًا؛ وراعٍ أسلم لتوه، والقتال قائم بين المسلمين وأصحاب الغنم التي في يده، ومع ذلك لم تصبح أموالهم حلالًا له لمجرد أنهم أعداء يحاربون المسلمين، وإنما بقيت الأمانة في ذمته حتى يؤديها إلى أهلها، ثم مضى الرجل فبذل نفسه لله.
هكذا كان رسول الله ﷺ يربي جيش التحرير الأول؛ فلم يكن الجهاد عندهم رخصةً لاستحلال الأموال، ولا السابقة والتضحية صكًّا يمنح صاحبه حقًا خاصًا في مال المسلمين؛ بل كلما عظمت المسؤولية كانت الأمانة أعظم، وكان الوقوف بين يدي الله أشد.
وهذا درس تحتاجه الأمة اليوم كما احتاجه رجال خيبر بالأمس؛ فأموال المسلمين العامة، وأموال التبرعات والإغاثة والدعوة والجهاد، كلها أمانات، لا تصبح حلالًا بتغيير أسمائها، ولا باختراع المخارج والتأويلات لاستباحتها، ولا لأن صاحب اليد عليها قد بذل وضحى وسبق غيره في خدمة الأمة.
وما أخطر أن يقنع الإنسان نفسه بأنه يستحق من مال المسلمين ما لم يأذن الله له فيه، فيبحث عن فتوى هنا، أو تأويل هناك، أو غطاء إداري يصنعه لنفسه؛ بينما الحقيقة البسيطة التي رُبِّي عليها جيش محمد ﷺ أن ما ليس لك فليس لك، وأن أموال الأمة لا تستحلها المناصب، ولا التضحيات السابقة، ولا الشعارات الكبيرة.
مدرسة خيبر.. وإعداد جيش التحرير
وهكذا، فإننا حين نعيد قراءة خيبر لا نكون أمام غزوة عسكرية فحسب، ولا أمام صفحة من صفحات الانتصار نطويها بعد أن نحصي وقائعها وحصونها ورجالها، وإنما نقف أمام مدرسة متكاملة في إعداد جيش التحرير.
ففي جناحها الأول رأينا عقلًا استراتيجيًا يدير الصراع بوعي وبصيرة؛ يعاهد حين تكون المصلحة في العهد، ويصبر ما دام العهد قائمًا، ويحسم الخطر حين يصبح تهديدًا، ويرتب الجبهات، ويحيّد بعضها، ويختار رجاله، وينقي صفوف جبهته، ويقطع الإمداد عن عدوه، ويعزله عن حلفائه، ويأتيه من حيث لا يحتسب. فلا عشوائية في القرار، ولا اندفاع تحكمه العاطفة، ولا تواكل يعطل الأسباب؛ وإنما توكل صادق يصاحبه تخطيط محكم، ووعي بالواقع، وتقدير لموازين القوى، مع يقين راسخ بأن النصر من عند الله وحده.
وفي جناحها الآخر رأينا أيَّ رجال يحملون هذه الخطة وينفذونها؛ رجالًا صدقوا الله في بذل أرواحهم، وتجردوا له في جهادهم، وتربوا على السمع والطاعة، والوقوف عند حدود الله، وضبط النفس أمام ضغط الحاجة وسطوة الشهوة، وحفظ الأمانة، والتعفف عن المال الحرام، واستشعار رقابة الله في الخلوات كما في ميادين القتال. لقد كان جيشًا قويًا في مواجهة عدوه، لكنه كان -قبل ذلك- قويًا في مواجهة نفسه؛ منضبطًا بأمر الله، متخلقًا بقيم الإسلام، يحمل رسالةً قبل أن يحمل سلاحًا.
هذه هي الثنائية التي صنعت جيش النبوة: عقل يحسن إدارة المعركة، ونفس أحسن الوحي تربيتها.
ولعل من أخطر ما يصيب مشروعات التحرير في أمتنا اليوم أن تختل إحدى هاتين الكفتين؛ فحماسة بلا وعي وبصيرة قد تهدر الطاقات وتفتح على الأمة معارك لا تطيقها، وذكاء استراتيجي بلا إيمان وأخلاق قد يصنع قوةً قادرةً على هزيمة عدوها، لكنها تحمل بذور هزيمتها في داخلها.
إن الأمة التي تتطلع اليوم إلى تحرير أرضها ومقدساتها تحتاج إلى أن تعود إلى هذه المدرسة المحمدية؛ لا لتستنسخ وسائل القرن الأول في معارك القرن الحادي والعشرين، ولكن لتستعيد السنن التي قامت عليها صناعة النصر: الإخلاص وسلامة الوجهة، وصدق التوكل مع استفراغ الوسع، والبصيرة مع الشجاعة، والطاعة مع القوة، والعفة مع القدرة، والأمانة مع التمكين.





