
منهجان في البحث والنتيجة واحدة: هل كان الحاكم المسلم حاكماً مُطْلقاً؟
سبتمبر 3, 2026
حسين رضا – باحث في علوم القرآن
لم يتخرج أصحاب رسول الله ﷺ من مدرسة الوحي الإلهي ليكونوا رهبانيين منعزلين عن الدنيا، يكتفون بصلاح أحوالهم ويقبعون في صوامعهم تاركين العالم يغرق، بل كان هذا الجيل على النقيض تماماً من ذلك؛ لأنهم فهموا أن الإسلام ليس ثوبا يرتدونه في المسجد ويخلعونه في الشوارع والأسواق، وإنما فهموه روحا اختلطت بدمائهم ولحومهم وعظامهم، فحملوا هذا النور ومشوا به في الناس، فهدى الله بهم العصاة، وأرشد بهم الحيارى، دون أن تنظمهم وزارة شؤون الدعوة، لأنهم لم يحملوا دعوتهم وظيفة بل عبادة وهُوية.
حتى بات كل واحد منهم يرى نفسه سفيراً لهذا الدين، فجعلوا المسجد والسوق والشارع والبيت ساحة للدعوة، وأقاموا حياتهم على الدعوة بشغفٍ لم يستطع أن يوقف زحفه جيش طاغية، ولا سيف ظالم، ولا ركون إلى دنيا وأولاد. وهكذا أبناء الدعوة تنبض قلوبهم بها، ولا تُبصر أعينهم غير مصلحتها.
(١) داعية من اللحظة الأولى
بمجرد أن شهد سيدنا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- الشهادتين، لم يجلس في بيته، ولم يقل أنا حديث عهد بالإسلام وسأنتظر حتى أتعلم وأطيع أوامر النبي بالدعوة، وإنما انطلق بما وهبه الله من نعمة الدين إلى من يعرفهم من أهله وأصدقائه المقربين، ولأنه رضي الله عنه كان رجلاً مُؤَلَّفاً لقومه، مُحبَّباً سهلاً، تاجراً ذا خُلُقٍ ومعروف، يأتيه رجال قومه لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، راح يدعو إلى الله من يثق به من قومه ممن يجلسون إليه. فأسلم على يديه في أيامه الأولى: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ! (خمسة من العشرة المبشرين بالجنة). فجاء بهم إلى النبي ﷺ فأسلموا.
لقد حوّل الصديق رضي الله عنه رصيده الاجتماعي إلى رجال مؤمنين بدين الله، وهذه لمحة تعلمنا أن نصاحب خيار الناس الذين نثق في أمانتهم ويثقون فينا.
ثم إنه رضي الله عنه لم يتحجج بقلة العلم وحداثة الدخول في الدين الجديد، وإنما استثمر أدواته المتاحة -مكانته المرموقة، وتجارته، ومحبة الناس لمجالسته- لصالح دينه.
إن الداعية الصادق لا ينتظر التكليف الرسمي، ولا يحتاج إلى منبر في مسجد ليدعو إلى الله، وإنما يحركه الشغف بدعوته، وحب هداية الناس، وابتغاء رضا مولاه، فيجعل من كل علاقة عمل أو حوار ودي، مدخلاً ذكياً للحديث عن الله وحبه لعباده.
يقول أهل العلم: فلما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله، وكان أنسب قريش لقريش، فاستجاب له من استجاب، فكانوا هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بمن فيهم أبو بكر، هم العُمُد، وهم سادة الإسلام.
فيا صاحبي وأخي؛ لا تنتظر أن تكون عالما بحرا ولا داعية مشهورا لتدعو إلى الله، ولا ترضى أن تحيا جاهلا، وإنما كن متعلما داعيا، فأبو بكر دعا هؤلاء العظماء ولم يكن قد نزل من القرآن إلا آيات معدودات راح يكلم بها من يعرف عن فضائل الإسلام.
ونحن اليوم نملك من العلوم أكثر من الجيل الأول لكنهم ملكوا قلوبا يقظة، ونفوسا عاشقة للخير ونشر الهدى، فتعلّم وأصلح نفسك وادع غيرك في آن واحد.
(٢) حين تصير الدعوة فطرة
لما قدِم الطُّفيل بن عمرو الدوسي -سيد قبيلة دَوس- مكة، خوّفه إعلام قريش الكافر من أمر النبي ﷺ وشخصه، حتى وضع القطن في أذنيه! ثم عاتب نفسه على أنه لم يحترم عقله وهو الرجل المعظم في قومه، فراح واستمع للنبي ﷺ فأسلم من فوره. وما إن نطق بالشهادتين حتى قال: “يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي امْرُؤٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي، وَإِنِّي رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ وَدَاعِيهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي آيَةً تَكُونُ لِي عَوْنًا”. فدعا له النبي ﷺ. وانطلق الطفيل عائداً إلى قومه شغوفاً لينقذهم، فلم يهدأ حتى أسلم أبوه، وزوجته، ثم عاد إلى النبي ﷺ ومعه نحو ثمانين بيتاً من قبيلته أسلموا، وكان فيهم أبو هريرة رضي الله عنه.
إن الطفيل قد تحققت فيه من أول ساعة له في الإسلام فورية الانتماء فحمل هم إبلاغ الرسالة إلى الناس، لأن الإسلام بات قضيته الأولى، فانطلق بالشهادتين وبعض الآيات ففتح الله له القلوب بصدقه وإخلاصه، هذا لنتعلم أن الصدق في الدعوة والإخلاص في بلاغ الرسالة يسبق كثرة الحفظ والتقعر والتشدق، وأن حماس البدايات قد يغير مجرى التاريخ لصالح الحق، ويخرج للإسلام رجالا مثل الذين أسلموا على يد أبي بكر والطفيل وغيرهم كعثمان وأبو طلحة وأبو هريرة وغيرهم من سادتنا وأئمتنا.
يقول أهل العلم: إن الدعوة إلى الله من أعظم أسباب شرح الصدر وسكينة النفس، لأن الداعي كلما دعا الناس إلى الله ابتهج قلبه بهدايتهم، إذ هو بمنزلة من يُفرق المسك على الناس، فيُصيبه من ريحه بقدر ما يجود به على الخلق.
فيا صاحبي وأخي؛ لا تنتظر أن تصبح عالماً مُتبحراً لتدعو إلى الله، بل يكفيك ما عندك ولو آية، ولا تخجل من دينك، ولا تبخل بجهدك على من حولك، لعل كلمة تُنقذ واحدا من الكفر والعصيان، وتُنقذك معه من عذاب الله.
(٣) قلب صادق يفتح المدينة
أرسل النبي ﷺ سيدنا مصعب بن عمير إلى المدينة، فواجهه أُسيد بن حُضير -سيد الأوس- شاهراً حربته غاضباً يريد طرده منها، فلم يغضب مصعب، ولم يهرب، بل قابله بابتسامة وهدوء الواثق وقال: “أَوَتَجْلِسُ فَتَسْمَعَ؟ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كَفَفْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ”. فقال أُسيد: أَنْصَفْتَ. فجلس وسمع القرآن، فأسلم في ساعته، ثم أسلم سعد بن معاذ، ثم أسلمت المدينة كلها على يد هذا الشاب الرباني الذي أخلص قلبه لله.
هذا يُعلمنا أن امتصاص الصدمة الأولى بالمنطق واللطف وحسن البيان تخدم الدين أكثر من الرد الهجومي على الخصم المُجادل، كما يعلمنا أن الداعية المخلص لا يغضب لنفسه رغم أن التهديد كان بالقتل، لكن مُصعب احتفظ بهدوئه، لأن السلوك القويم يوّلد الحجة العقلية المُقنعة، فاستطاع بذلك أن يدخل قلب أُسيد بمفتاح الاحترام والرقي والإنصاف والتلطف والابتسامة.
يقول أهل العلم: هذا من كمال عقل مصعب وحسن سياسته ودعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، فإنه لم يواجهه بغلظة بل ألَان له القول، فكان ذلك سبب هدايته وهداية سادة الأنصار.
فيا صاحبي وأخي؛ كلامك وسلوكك هو الرسالة الأولى التي يقرؤها الناس منك قبل أن يسمعوا منك قال الله وقال الرسول، فكن مصعباً في ساحات دنياك وبيتك وعملك، ولا تواجه المخالفين لك بالغلظة والاتهام، وتعلّم بالإنصاف والابتسامة، فالأخلاق الراقية تكسر رماح الغضب، وتفتح مغاليق القلوب.
(٤) دعاة من أول تلاوة
حين عاد النبي ﷺ من الطائف مكسوراً، صرف الله إليه نفراً من الجن فاستمعوا القرآن مرة واحدة فقط! فماذا فعلوا؟ يقول الله عنهم: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: 29-31].
إن في هذا دليل سلامة القلب وسرعة الاستجابة وبيان صدق الغيرة على الأهل والعشيرة وبني الجنس، فالجن لما أسلموا لم يجلسوا جلسة استراحة يتحدثون فيها عن متعة القرآن وجمال صوت النبي ﷺ، وإنما تحولوا على الفور إلى دعاة مُنذرين، فالمسلم الشغوف بالدعوة لا يهدأ له بال وهو يرى قومه في غفلة عن ربه، فيقوم بعد سماع الحق إلى تحمل مسؤولية التبليغ وهداية العباد.
يقول أهل العلم: في هذه الآية دليل على أن الجن مأمورون بالأمر والنهي، وأنهم يدعون قومهم، وفيه هذا تنبيه للإنس وتوبيخ للمتخلفين منهم أن يكون الجن أسرع مبادرة للخير والدعوة منهم.
فيا صاحبي وأخي؛ لا نكن أقل همة من مؤمني الجن! نحن نستمع لمئات الخطب، ونحضر عشرات الدروس، ثم نخرج دون أن ننقل آية واحدة لأهلنا وجيراننا، واعزم من اليوم إذا سمعت موعظة أن تكون صدى صوتها فيمن هم حولك، ولا تكتفِ بمتعة الاستماع، بل احمل همَّ الإنذار والتبشير لمن تحب.
(٥) المتحدث العالمي باسم الدعوة
لما دخل رِبعي بن عامر -رضي الله عنه- على رستم قائد الفرس، وهو يركب فرساً قصيرة ويرتدي ثياباً متواضعة، وخيمة رستم مُرصعة بالذهب. سأله رستم: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ فوقف رِبعي الواثق المعتز بوحي الله الذي لا تغره حطام الدنيا، وألقى بيانه العالمي الخالد بلسان الداعية المؤمن الصادق: “اللَّهُ ابْتَعَثَنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ الْعِبَادِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ”.
هذا نموذج الاعتزاز بالإيمان والاستعلاء بالوحي لبيان قيمة فساد كل ما دون ذلك، فسيدنا ربعي لم يرَ نفسه جندياً فقيراً مهزوما نفسيا أمام زعيم إمبراطورية مادية عظمى، لأنه يرى نفسه بعين الإيمان مُنقذاً جاء يحرر المساكين الذين أفسد فطرتهم الجبابرة.
كما أن الحقيقة التي لا مفر منها أن الشغف الخالص بالدعوة يمنح المسلم فصاحة البيان ورصانة العقل وثبات القلب، وهو ما لخصه ربعي بكلمات أبانت عظمة رسالة الإسلام في جملٍ واضحاتٍ مُبهرات، لأنه أحب قضيته التي آمن بها حتى تشبعت بها نفسه، فكان كلامه كالسيف القاطع الذي مزق زخارف حضارة الفرس، وبات يردده الزمان كل حين وآخر.
يقول أهل العلم: لقد أوجز وأبلغ في توصيف مهمة المسلم في الوجود كما أرادها الله وغرسها فيهم رسوله ﷺ فلم تُبهره زينة الدنيا لأنه طالبُ آخرة، وداعيةٌ إلى الله.
فيا صاحبي وأخي؛ كن معتزا بدعوتك! فلست متسولاً يطلب رضا الشرق أو الغرب، ولا متهماً يعتذر عن أحكام دينه، لأنك في الحقيقة تحمل مشروع إنقاذ البشرية من السقوط في براثن الحضارات المادية، فتكلّم في كل نادٍ بلسان الواثق المنقذ لا بلسان المضطرب المنهزم.
السباعية العملية
جاهد أن تكون مشروعاً دعوياً متحركاً بدينك في كل أرض؛ وأوصيك بسبع:
الأولى: أخلاقك هي الدعوة الصامتة التي تبلغ رسالتها قلوب الناس دون كلام، فكُن الموظف الأكثر أمانة، والطالب الأكثر أدباً، والجار الأكثر نفعاً، والمسلم الأخلص عملا، والزوج الأكرم معاشرة، والابن الأعظم برا.
الثانية: اعتمد الدعوة الذكية على منصاتك الاجتماعية، شارك كلمات الخير وجاهد أن تنتفع بها قبل غيرك كي لا تكون حجة عليك عند ربك، فإنك لا تدري أي منشور سيقع في قلبٍ إنسان فيصلحه ويُكتب في ميزانك.
الثالثة: لا تمل من الكلام عن الله بقصص حقيقية صحيحة تُحبب الناس في ربهم الكريم وترقق قلوبهم للعودة إليه.
الرابعة: اقتنص مواسم القلوب لأن فيها تتفتح القلوب، فذكّر الناس بكرم الله في أفراحهم، والرضا بأقداره في أحزانهم.
الخامسة: أكثِر الدعاء بظهر الغيب لكل داعية مخلص يريد هداية الله، أن يوفقه الله، وإذا رأيت معصية من أحد فادعُ الله أن يتوب عليه وأن يُطهره منها، وأن يرده إليه، فهذا عادة القلوب النقية.
السادسة: لا تُغرق السفينة واعتمد مبدأ التدرج مع من حولك في الهداية، حبّب إليه الله أولا، ثم خذ بيده إلى الصلاة، وارتق به على مهل، ولا تستعجل له حتى لا يسقط منك، ويكفيك والله لو نفذ من كلامك الكثير بعض المواعظ القليلة.
السابعة: اعتمد القصص الخفيفة، والسؤال الذي يثير العقل والقلب، كأن تقول ما هي أكثر آية أثرت فيكم؟” أو كيف تتخيلون لقاء النبي ﷺ؟ واجعلها تلامس الواقع وتترك في الناس أثر عمليا.





