
إنه الإسلام خير النعم
أغسطس 9, 2026
حين يصبح الفساد مشروعًا عامًا
أغسطس 10, 2026ماري ياماكا – إحدى المهتديات الجدد من جمهورية بنين
اسمي “ماري ياماكا “، وأكتب هذه الكلمات وأنا في السادسة والثلاثين من عمري، بعد أن ظننت لسنوات أنني أعرف تمامًا كيف يجب أن تُدار حياة الإنسان.. أعمل مُدرسة في مدرسة ثانوية حكومية في مدينة بورتو نوفو في بنين.. أدرّس اللغة الفرنسية وعملي يبدو بسيطًا من الخارج، لكنه في الحقيقة أشبه بمحاولة يومية لإقناع مراهقين بأن المستقبل يستحق أن يُؤخذ بجدية!
أعيش مع ابني “دانيال” البالغ من العمر 11 عامًا. هو السبب الذي جعلني أستمر في الحياة بعد وفاة زوجي قبل سنوات.. منذ ذلك اليوم، أصبحت حياتي قائمة على شيء واحد: السيطرة.. السيطرة على الوقت، على المال، على مشاعر الطفل، على الفوضى، وعلى أي احتمال قد يخرج عن خطتي.. كنت أؤمن أن الإنسان القوي هو الذي لا يترك شيئًا للصدفة.
بدأت الانكسارات الصغيرة من حيث لا أتوقع: المدرسة!
في الأشهر الأخيرة، أصبح أحد الطلاب في الصف الأخير يثير قلقي. لا لأنه مشاغب، بل لأنه صامت معظم الوقت بشكل غير طبيعي! يجلس في آخر الفصل، لا يتحدث، لا يشارك، لكنه ينظر إليّ وكأنه يريد أن يسأل سؤالًا ولا يجرؤ على قوله.. اسمه “آلان”.
كان يحصل على درجات متوسطة، لكنه لا يبدو مهتمًا بأي شيء.. لا أصدقاء واضحين له، ولا نشاطات يشارك بها! في البداية اعتبرته مجرد طالب عادي يمر بمرحلة مراهقة تتسم بالانطوائية، لكن شيئًا في صمته كان مختلفًا! ذات يوم، بعد انتهاء الحصة، بقي في الفصل. قلت له: “هل هناك مشكلة في الدرس؟”
هز رأسه بالنفي، لكن لم يغادر! انتظرت قليلا لأستمع إليه.. ثم قال فجأة: “أستاذة، هل يمكن أن يكون الإنسان مستقراً في حياته؛ يأكل، يشرب، يتعلم، ينام ويستيقظ.. لكنه لا يشعر أنه حي؟!”
السؤال أربكني! في مهنتي، أنا معتادة على أسئلة واضحة: قواعد، أزمنة، نصوص أدبية، لكن هذا السؤال لم يكن من هذا النوع!
قلت له: “هذا سؤال معقد وعميق، لكنه ليس هنا مكانه”. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: “لكن أين مكانه إذن؟!”، ثم خرج وبقي السؤال في المكان!
في تلك الليلة، ظلت سؤال الطالب يسيطر على تفكيري: “هل يمكن أن يكون الإنسان مستقراً في حياته؛ يأكل،يشرب، يتعلم ،ينام ويستيقظ.. لكنه لا يشعر أنه حي؟!”
اني نائم.. البيت هادئ.. لكن داخلي لم يكن هادئًا.. لأول مرة، شعرت أن حياتي ليست منظمة كما كنت أظن!
في اليوم التالي، أثناء استراحة قصيرة، كنت أتصفح بعض المواقع التعليمية وصفحات الـ(فيس بوك) للبحث عن بعض المعلومات، وظهر أمامي منشور يتحدث عن فكرة وجودية فلسفية بشكل ما، “يتحدث عن أسباب خلق الإنسان ووجوده في هذه الدنيا ونحو ذلك…”. كانت الصفحة التي نشرت المنشور تسمى “بصيرة”، وهي ليست من الصفحات التي أتابعها، لكن الجملة أثارت فضولي ودفعتني للتفكير والنهم تجاه البحث عن أجوبة والفهم.
دخلت الصفحة، كانت هناك وسيلة للتواصل مع الصفحة للحوار والسؤال. كتبت لهم: “لماذا أشعر أن كثيراً من الأسئلة تلاحقني وتطاردني ليلاً ونهاراً دون سبب، ولا أجد لها جواباً؟!”
جاء الرد من المحاور: “لأن بعض الأسئلة لا تأتي لتزعجنا بل هي رسالة لتوقظ شيئًا ما بداخلنا”. لم أفهم تمامًا ماذا يعني هذا الرد! لكنني لم أطلب توضيحًا.
كتبت: “أنا لا أحب أن أفقد السيطرة على الأمور”. فقال لي: “هل تملكين السيطرة فعلًا.. أم أنك فقط تتأقلمين مع ما يحدث”؟
فكرت قليلاً، ثم قلت: هذه ليست إجابة تقليدية، إنما هذه مرآة وضعها أمامي المحاور، تعكس ما بداخلي بوضوح ودون تشويش! وتركت الحوار في تلك الليلة دون أن يكتمل!
خلال الأيام القليلة التالية، بدأت ألاحظ شيئًا جديدًا في حياتي اليومية، ابني “دانيال” أصبح أكثر هدوءًا.. أو ربما أصبحت أنا أقل انشغالًا عنه!
في المدرسة، الطالب “آلان” لم يتغير، لكنه أصبح يثير في داخلي اهتمامًا مختلفًا، وكأنه فتح لي بابا لإعادة ترتيب حياتي! لم أعد أراه كطالب فقط، بل كـ “سؤال مستمر”!
ذات مساء، بعد عودتي من العمل، جلس دانيال بجانبي وقال: “أمي، لماذا يبدو أنك مشغولة دائماً، و تفكرين كثيرًا هذه الأيام؟ ما الذي يشغلك عني”؟
سكتُّ قليلًا، ثم قلت: “أحيانًا تطرأ على الإنسان أشياء جديدة يحتاج أن يفكر فيها، لم يكن يفكر فيها من قبل”. لم يرد ابني ولو بكلمة! لكنه نظر إليّ نظرة طويلة يعتريها القلق!
في تلك الليلة، فتحت المحادثة مع محاور “بصيرة” مرة أخرى.. كتبت: “أشعر أنني أقترب من شيء لا أفهمه، وهذا يربكني”!
فقال: “الاقتراب من الحقيقة الغائبة ربما يكون مصدر إزعاج وليس الراحة”! ثم أضاف: “هل يمكن أن نسأل سؤالًا مختلفًا اليوم: ماذا لو لم يكن الإنسان مجرد مسؤوليات وأدوار”؟ لم أجب فورًا، لكن السؤال لم يفارق ذهني لحظة واحدة!
في اليوم التالي، حدث موقف غير متوقع في المدرسة.. الطالب “آلان” انهار فجأة في الفصل. حيث بدأ في البكاء دون أن يصدر صوتاً! لم يكن يصرخ.. فقط جلس على الأرض وقال: “لقد تعبت.. من كل شيء”!
تدخلت بسرعة، أخرجته من الفصل، وحاولت تهدئته، لكن الغريب أنني لم أتعامل معه كمعلمة هذه المرة فقط، بل كأم.
سألته بهدوء: “ما الذي يتعبك؟”
فى البداية، لم يجب بسرعة. ثم قال:”لا أعرف لماذا أستمر أصلاً!”.
هذه الجملة كانت أخطر من أي خطأ لغوي رأيته في كتاب مدرسي.
في تلك اللحظة، شعرت بشيء داخلي ينكسر، ليس بسبب الطالب.. بل في فهمي لنفسي وفي قناعاتي!
بعد انتهاء اليوم الدراسي، عدت إلى المنزل وكان يعتريني صمت غريب عليّ!
لم أفتح التلفاز.. لم أعدّ الطعام مباشرة.. جلست، وفكرت: هل يمكن أن يكون هناك شيء أعمق، وهدف أسمى من كل ما أفعله يوميًا طوال حياتي؟!
هل يمكن أن يكون “التحكم” الذي أحيا به مجرد وهم لحماية نفسي من أسئلة أكبر؟!
عدت إلى المحادثة مرة أخرى، وكتبت: “إذا توقفت عن التحكم والسيطرة على كل شيء.. ماذا يبقى؟!”
جاء الرد من المحاور: “يعود الإنسان إلى فطرته دون الأقنعة التي تعود عليها، ويعلم أن الأمور تسير بمقادير رب الكون”.
ثم أضاف: “هل تريدين أن نكمل الحديث عن معنى الطمأنينة والسكينة الحقيقية”؟ سكتُّ قليلاً،ثم كتبت له: “نعم بالطبع”.
في تلك الليلة، بدأ الحوار يأخذ منحى لم أختبره من قبل.. لم يعد عن السيطرة ووهم التحكم بمقادير كل شيء وفقط، بل عن معنى الوجود، عن الموت الذي لا نحب التفكير فيه،عن الحياة التي نعيشها وكأنها لا تحتاج تفسيرًا،عن الخوف الذي نخفيه خلف الجداول والخطط عن مستقبلنا! وكان كل سؤال يفتح بابًا أعمق بداخلي.
وفي نهاية الحوار، قال لي المحاور: “غدًا، يمكننا أن نتحدث عن فكرة واحدة: كيف يكون للإنسان علاقة مباشرة بخالقه، دون أن يضطر أن يعيش حياته كلها في حالة وهم السيطرة والخوف”.
لم أجب،لكنني لم أغلق المحادثة وتركت الباب دون أن أغلقه!
ولأول مرة.. شعرت أنني بدأت أنفر من حياتي وشخصيتي، وأتشوّق إلى المزيد من المعرفة وصولاً إلى حالة الطمأنينة والهدوء النفسي.
لم تكن تلك الليلة مثل أي ليلة سابقة.. بعد أن أغلقت المحادثة، بقي الهاتف على الطاولة، لكنني لم ألمسه مرة أخرى. شعرت أن أي محاولة للهروب إلى شيء مألوف -تلفاز، رسائل، أعمال منزلية- ستكون مجرد محاولة فاشلة لإغلاق باب بدأ يُفتح في داخلي بالقوة!
جلست في الظلام قليلًا، يعتريني الهدوء قبل أن أقرر أن أتحرك. ليس لأنني فهمت شيئًا، بل لأن الصمت بدأ يصبح أثقل من قدرتي على احتماله.
في الغرفة المجاورة، كان ابني “دانيال” نائمًا.. اقتربت منه قليلًا.. وجهه الهادئ في النوم أعاد لي شيئًا كنت أظنه ثابتًا: فكرة أنني أعرف تمامًا ما الذي أفعله كأم. لكن السؤال الذي سمعته من الطالب، ثم الأسئلة التي جاءت بعدها، بدأت تزعزع هذا اليقين.
“هل يمكن أن يكون الإنسان حيًا.. لكنه لا يشعر أنه حي؟”
لم أعد أستطيع التعامل مع الجملة كفكرة عابرة!
في اليوم التالي، كنت في المدرسة أبكر من المعتاد، لم يكن هناك سبب إداري.. فقط شعور داخلي بأن شيئًا ما ينتظرني هناك. الطالب “آلان” لم يكن قد وصل إلى المدرسة بعد. جلست في الفصل للحظات، أنظر إلى المقاعد الفارغة. كل مقعد بدا وكأنه يحمل قصة مختلفة من حياة لم أفهمها بالكامل.
حين دخل “آلان”، لم يرفع رأسه مباشرة.. جلس في مكانه المعتاد، لكن هذه المرة، لم أبدأ الدرس فورًا. قلت له بهدوء: “كيف حالك اليوم”؟
تردد.. ثم قال: “أَفضل من أمس.. لكن ليس كثيرًا”. صمت لحظة، ثم أضاف: “هل ما زلتِ تفكرين في السؤال يا أستاذتي؟”
أجبت: “نعم”.
بعد انتهاء الحصة، طلبت منه أن يبقى قليلًا، هذه المرة لم يكن هناك توتر كما في السابق، فقط مساحة صامتة بين شخصين يحاولان فهم شيء غير واضح.
قلت له: “من أين جاء هذا السؤال؟”
نظر إلى الأرض، ثم قال: “منذ وفاة أبي، كل شيء تغير. أمي تعمل طوال الوقت، وأنا أعيش كأنني في غرفة مغلقة حتى لو كنت خارجها. لا أحد يسأل إن كنت بخير فعلًا”.
سكت قليلاً.. ثم أضاف: “كنت أعتقد أن هذا طبيعي. لكنني بدأت أشعر أن هناك شيئًا مفقود”.
لم أجب بسرعة، لأول مرة، لم أكن أبحث عن “حل تربوي” أو “نصيحة تقليدية”.
كنت أستمع فقط! في تلك الليلة، عدت إلى المنزل وأنا أفكر فيه أكثر مما أفكر في نفسي. لكن المفاجأة أنني عندما جلست، لم يكن داخلي صوته هو فقط.. بل صوتي أنا أيضًا.
بدأت أرى حياتي بطريقة مختلفة، أنا أيضًا فقدت زوجي منذ سنوات، أنا أيضًا ملأت الفراغ بالعمل والسيطرة والانشغال، أنا أيضًا لم أسأل نفسي يومًا: هل أنا أعيش أم فقط أستمر؟!
فتحت الهاتف مجددًا، كتبت دون مقدمات: “أشعر أنني بدأت أرى أشياء لم أكن أراها من قبل، وهذا يربكني أكثر مما يطمئنني”.
فقال لي المحاور: “الحقيقة بعد التيه، تشبه الضوء في غرفة اعتادت الظلام.. ليست مريحة في البداية”. ثم قال: “هل يمكن أن نكمل ما بدأناه عن العلاقة بين الإنسان وخالقه وحاجة الإنسان لهذه العلاقة”؟ لم أكن معتادة على كلمة “احتياج” بهذا الشكل! لكنها كانت دقيقة بشكل مزعج.
قلت له: “أنا لا أفهم ما يحدث لي. كأنني أعيش حياتين في نفس الوقت”.
فقال: “بل أنتِ تتركين الحياة الحقيقية تقترب منك للمرة الأولى.. ماذا لو كان هناك خالق، وليس فقط فكرة عن الخالق”؟
قلت: “أنا لا أملك إجابة، لكني لا أريد أن أهرب من السؤال بعد الآن”.
فقال لى: “وهذا كل ما نحتاجه كبداية”.
في الأيام التالية، بدأت شخصيتي تتغير بطريقة لا يلاحظها الآخرون بسهولة، لكني أنا فقط كنت أشعر بها، لم أعد أرى الطلاب كأرقام حضور وغياب، لم أعد أرى نفسي كمديرة لحياة مُحكمة السيطرة. بل بدأت أرى شيئًا آخر: حياة داخل الحياة. وفي تلك اللحظة، أدركت شيئًا لم أكن أجرؤ على قوله لنفسي من قبل: إن بعض الأسئلة لا تأتي لتُجاب بسرعة؛ بل لتعيد تشكيل الإنسان ليعود لفطرته السوية وحياته الحقيقية التي أرادها لنا الخالق الواحد.
هنا وفي تلك اللحظة فقط، قلت للمحاور: “كيف أقترب من خالقي”؟
فقال: “أن تؤمني بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولاً.
فقلت: أنا أريد ذلك جداً، وأشعر به من صميم قلبي. ورددت معه “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”.
وللمرة الأولى أشعر بأنني حرة.. مطمئنة.. مستسلمة تماماً لإرادة وحكم خالقي بعد أن كنت أرى الحياة هي أن أكون أنا المسيطرة.
الحمد لله .. الحمد لله.. الحمد لله الذي هداني لمعرفته والإيمان به، وأنعم عليّ بالإسلام. أعنيّ ياربي على تعلم دينك، والثبات عليه، والدعوة له.
آمين..آمين.. آمين.





