
خسرت عملي.. وفزت بالإسلام!
أغسطس 9, 2026
تلميذي الذي بدّل حياتي!
أغسطس 9, 2026نوارا موباكو – إحدى المهتديات الجدد من دولة كينيا
أكثر شيء يمكن أن يصف حياتي هو أنني كنت أسمع الناس طوال اليوم لكن لا أحد كان يسمعني.. أعمل في مركز تنسيق إسعاف خاص في مدينة نيروبي بدولة كينيا. عملي بسيط في وصفه، مرهق في حقيقته: أجلس أمام شاشة مليئة بالأرقام والخرائط، وأستقبل مكالمات لا تتوقف. حوادث طرق، أطفال مرضى، نساء في ولادة مفاجئة، رجال يصرخون وسط الدم والارتباك.
في الليل، يتحول كل شيء إلى فوضى منظمة. هذا التعبير يبدو غريبًا، لكنه الحقيقة. نحن نحاول أن ننقذ أكبر عدد ممكن من الناس، لكن دائمًا هناك من يصل متأخرًا.
لم أكن أفكر في شيء خارج هذا الإطار. حياتي كانت دائرة مغلقة: العمل، النوم، القليل من الطعام، ثم العودة إلى نفس المقعد.. لا أصدقاء حقيقيين، فقط زملاء عمل يختفون بمجرد انتهاء الوردية. لا عائلة قريبة، فقط اتصال قصير من والدتي مرة كل أسبوعين تسأل فيه نفس السؤال: “هل أنتِ بخير؟” وأنا أجيب دائمًا بنفس الكلمة: “نعم” لكن الحقيقة لم أكن بخير أبداً..
في أحد الليالي، حدث شيء غير المعتاد. كانت السماء تمطر بغزارة، ليس مطرًا عاديًا، بل ذلك النوع الذي يجعل الطرق تتحول إلى أنهار صغيرة، ويجعل السيارات تتوقف فجأة دون سابق إنذار.
بدأت المكالمات تتضاعف.. حادث على الطريق السريع، سيارة انقلبت قرب الجسر، طفل فاقد الوعي في حيّ سكني. كنت أضغط على الأزرار بسرعة، أوجّه سيارات الإسعاف، أهدئ المتصلين، وأحاول ألا أفقد تركيزي، ثم جاءت المكالمة التي غيرت كل شيء..
صوت رجل مسن، لكنه لم يكن يطلب إسعافًا لنفسه.. كان يقول بصوت متقطع: “ابني لا يتنفس.. لكنه ليس الحادث الأول.. ليس هذا ما يؤلمني”.
ظننت أنه تحت تأثير الصدمة، وبدأت أطرح الأسئلة المعتادة: العنوان، الحالة، عدد المصابين.
لكن فجأة، سكت.. ثم قال جملة لم أفهمها في البداية: “هل تعرفين لماذا لا نجد السلام حتى ونحن أحياء؟” في عملي، لا وقت للأسئلة الغريبة. حاولت إعادته إلى الواقع: “سيدي، أحتاج العنوان الآن”. لكنه كرر السؤال، وكأنه لا يسمعني: “هل جربتِ أن تسألي نفسك لماذا نحن هنا أصلًا؟”، ثم انقطع الخط.. بقيت الشاشة أمامي صامتة، لكن داخلي لم يكن صامتًا..
شيء ما في صوته لم يكن طبيعيًا. لم يكن هستيريًا، ولا غاضبًا، ولا خائفًا. كان هادئًا هدوءاً محيراً..
عدت للعمل فورًا، لأن الليل لا ينتظر أحدًا، لكن الجملة بقيت في رأسي مثل صوت منخفض لا ينطفئ. وبعد نهاية الوردية، خرجت إلى المطر. المدينة كانت شبه فارغة، والأضواء تنعكس على الأرض المبللة.. ركبت الحافلة الصغيرة التي تقلّنا إلى الحيّ القريب من السكن، جلست بجانب النافذة، كنت متعبة لدرجة أنني لا أستطيع حتى التفكير بوضوح، لكن الجملة نفسها عادت: “لماذا نحن هنا أصلًا”؟
تعجبت وسَخرْت من نفسي دون أن ينطق لساني.. فعملي كله مبني على إنقاذ الحياة، وليس فهمها. لكن الغريب أن السؤال لم يختفِ.
في اليوم التالي، أثناء استراحة قصيرة، فتحت هاتفي بلا هدف. كنت أتصفح الأخبار، صور الحوادث، الإعلانات، أي شيء يقتل الوقت. ثم ظهر أمامي منشور قصير، كان مكتوبًا فيه سؤال بسيط: “هل فكرت يومًا، لماذا خُلقنا؟” لا صورة مبهرجة، لا شعارات كبيرة، فقط كلمات قليلة. تحته اسم صفحة لم أكن أعرفها من قبل. لم يكن فيه أي دعوة مباشرة، فقط سطور قليلة عن الحوار، عن الأسئلة التي لا نجد لها وقتًا في حياتنا. أغلقت الهاتف فورًا تقريبًا، لكن بعد دقيقة فتحته مرة أخرى..لا أعرف لماذا..
في تلك الليلة، لم أستطع النوم بسهولة.. كان هناك شعور غريب، ليس خوفًا ولا فضولًا فقط، بل شيء يشبه “الانزعاج الهادئ”. كأن عقلي لأول مرة لا يريد أن يعود إلى الصمت المعتاد.
بعد ساعة من التقلب، عدت إلى الهاتف، وجدت الصفحة نفسها، وهذه المرة، كان هناك زر صغير للدردشة.. ترددت قليلاً.. ثم كتبت جملة قصيرة جدًا، دون تفكير عميق: “لا أفهم لماذا أشعر أن هناك سؤالًا أكبر من حياتي كلها، لكني لا أعرف ما هو”. لم أتوقع ردًا سريعًا..
لكن بعد دقائق، جاء الرد من شخص لم أكن أعرفه، مكتوب فقط باسم “المحاور”: “أحيانًا لا تكون المشكلة أننا لا نعرف الإجابة بل أننا لم نتوقف بما يكفي لنفهم السؤال”.
توقفت عند الجملة.. لم تكن وعظًا، ولا ضغطًا، ولا محاولة إقناع. كانت مختلفة بشكل ما، لتفتح لي باباً للتفكير والتأمل..
بدأت المحادثة، ورد “المحاور” كان بسيطًا، لكنه لم يختفِ من رأسي. أعدت قراءة الجملة أكثر من مرة: “أحيانًا لا تكون المشكلة أننا لا نعرف الإجابة بل أننا لم نتوقف بما يكفي لنفهم السؤال”.
لم أكن معتادة على هذا النوع من الكلام. في حياتي، الناس إما يطلبون شيئًا، أو يشتكون، أو يعطون تعليمات. أما هذا النوع من الجمل فهو لا يضعك في موقف دفاعي، بل يتركك وحدك أمام نفسك.
كتبت له مرة أخرى: “لكن حياتي مزدحمة جدًا، لا يوجد وقت للتوقف”.
فقال لي: “أحيانًا ليست الحياة هي التي تمنعنا بل نحن من نختار ألا نسمع أنفسنا”.
توقفت قليلاً.. يبدو أن هذه الجملة أصابت شيئًا في داخلي لا أستطيع شرحه…
في اليوم التالي، كنت في العمل كالمعتاد. أصوات الإنذارات، المكالمات، الخرائط تتحرك أمامي، والأرقام تتغير بسرعة.. لكن شيئًا مختلفًا كان يحدث داخلي.
كل مرة أسمع فيها صرخة عبر الهاتف، كنت أتذكر السؤال الأول الذي سمعته من الرجل العجوز: “لماذا نحن هنا أصلًا”؟. لم أعد أتعامل مع المكالمات فقط كواجب وظيفي. صار هناك شعور خفي بأن كل صوت يحمل خلفه حياة كاملة، قصة كاملة، ومعاناة لا نراها، وهذا الإرهاق الجديد كان مختلفًا. ليس إرهاق الجسد، بل إرهاق التفكير.
في المساء، فتحت الهاتف للتصفح دون هدف، وجدت رسالة جديدة من “المحاور: “إذا توقفتِ للحظة عن كل هذا الضجيج من حولك ما أول شيء تشعرين أنه ناقص في داخلك”؟
لم أجب فورًا، وضعت الهاتف بجانبي، وذهبت لأعدّ كوباً من شاي، وجلست قرب النافذة، عاد المطر مرة أخرى. لكن هذه المرة لم أكن أفكر في العمل، ولا في المكالمات، كنت أفكر في نفسي.
سؤال بسيط، لكنه خطير: “ما الذي ينقصني فعلًا”؟ لم تكن الإجابة مالًا، ولا عملًا أفضل، ولا علاقات أكثر.
كان هناك شعور غريب كأنني أعيش دون اتجاه واضح. أتحرك فقط لأن الحياة تتحرك.. عدت وكتبت: “أشعر أنني أعيش دون أن أفهم لماذا أعيش”. قال لي المحاور: “وهذا بداية صادقة أكثر مما يتوقعه كثيرون”.
ثم أضاف: “هل جربتِ يومًا أن تسألي: هل يمكن أن يكون للحياة معنى أعمق من مجرد النجاة اليومية بين العمل والنوم؟”، لم أجب، لكنني لم أستطع إغلاق الهاتف.
في الأيام التالية، تكررت المحادثة، لم يكن هناك ضغط، ولا دعوة مباشرة، ولا محاولة لإقناعي بأي شيء. فقط أسئلة لكنها أسئلة تفتح أبوابًا كنت أظنها مغلقة، وبدأت ألاحظ شيئًا غريبًا: أنا لم أعد أهرب من هذه الأسئلة، بل أبحث عنها.
ذات ليلة، حدثت حالة طارئة كبيرة في العمل. حافلة تعرضت لحادث على الطريق السريع، عدد المصابين كبير.. أصوات الناس كانت متداخلة، والضغط في المركز وصل إلى ذروته. كنت أعمل بسرعة غير طبيعية، لكن فجأة توقفت لثانية.. رأيت نفسي من الخارج تقريبًا. سألت نفسي: ” أنا أنقذ الناس لكن من ينقذني من هذا الفراغ القاتل الذي أشعر به”؟ هذه المرة لم يكن السؤال غريبًا.. كان واضحًا جدًا.
بعد انتهاء الوردية، لم أعد مباشرة إلى النوم، فتحت المحادثة وكتبت: “أشعر أنني أرى الحياة بطريقة مختلفة الآن، وهذا يربكني”.
جاء الرد من المحاور: “الرؤية الجديدة دائمًا تربك في البداية لأنها تكسر الصورة القديمة التي اعتدتِ عليها”. ثم أضاف: “هل ترغبين أن نتحدث الليلة عن أصل هذا الإحساس؟ ليس للإقناع، بل للفهم”. ولأول مرة كتبت دون تردد: ” نعم”.
في تلك الليلة، بدأ الحوار يأخذ عمقًا مختلفًا، لم يكن عن أفكار جاهزة، بل عن أسئلة وجودية لم أكن أجرؤ على طرحها من قبل: عن البداية.. عن الغاية.. عن معنى أن يعيش الإنسان دون أن يعرف لماذا يعيش. كل سؤال كان يفتح طبقة أعمق من التفكير، وكل إجابة لم تكن نهاية، بل بداية سؤال آخر، ومع كل دقيقة، كان شيء داخلي يتغير بصمت وهدوء..
ليس انقلابًا مفاجئًا بل انكسارًا هادئًا لنظام قديم يقبع بداخلي ويطبق على صدري.. قبل أن ينتهي الحوار، قال “المحاور” جملة واحدة فقط: “إذا أردتِ، يمكننا غدًا أن ننظر في سؤال واحد فقط: هل يمكن أن يكون للإنسان علاقة مباشرة مع خالقه دون وسائط معقدة؟”
لم أكن أفهم تمامًا ما يعنيه، لكنني شعرت بشيء جديد لم أشعر به من قبل: فضول هادئ لا يشبه أي فضول سابق.. في تلك الليلة، لم أنَم بسرعة، ولأول مرة، لم يكن الصمت مريحًا ولا مزعجًا، كان فقط مختلفًا. وكأن شيئًا بداخلي بدأ يستعد لمرحلة لا تشبه ما قبلها.
تكررت الحوارات بيني وبين المحاور، الذي ساعدني كثيراً في الوصول إلى حالة من الهدوء النفسي، وكان سبباً أرسله الله لي ليأخذ بيدي إلى الهداية والنور.
وجاءت اللحظة المنتظرة والتي أنعم الله بها عليّ بنطق الشهادتين: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله”.. يا لها من لحظة فارقة، تبدل فيها قدري 180 درجة، من الضلال إلى النور، ومن الباطل إلى الحق.. إنه الإسلام؛ إنه خير النعم التي أنعم االله عليّ بها. فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.
كل ما أتمناه الآن، هو أن يمنّ الله على كل من أُحب من أهلي وأقاربي وأصدقائي بنعمة الإسلام كما منّ الله عليّ بها.. ومن كل قلبي أقول: شكراً لكل محاور ومعلم في مشروع بصيرة.. جزاكم الله عني، وعن كل مسلم أخذتم بيده إلى الهداية، كل خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.





