
القسام تكشف لأول مرة عن إطلاق صاروخ عياش 250
يونيو 9, 2026بقلم: فيليب حِتي – المستشرق الأمريكي الشهير*
في العهد المدني تم تنظيم الإسلام وحدة عربية قومية، وقطع النبي الجديد صلته باليهودية والنصرانية، وعُين يوم الجمعة للصلاة الجامعة، واعتيض بالأذان عن النفخ بالبوق وقرع الأجراس، وجُعل رمضان شهراً للصوم، وحُولت القبلة من بيت المقدس إلى مكة، وأُقر الحج إلى الكعبة ولثم الحجر الأسود فيها، وهما من فروض الدين المرعية في الجاهلية.
وفي سنة ٦٢٨م سار محمد بصحبة ألف وأربعمائة من المؤمنين إلى مكة مسقط رأسه؛ فجرت بينه وبين قريش مفاوضات انتهت بتوقيع صلح الحديبية، الذي وضع المسلمين على قدم المساواة مع المكيين1. وقد أنهى هذا الصلح بالفعل ما كان بين محمد وبين قومه قريش من حرب. وكان بين الذين دخلوا في الإسلام إذ ذاك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، اللذان قُدر لهما فيما بعد أن يرفعا لواء الإسلام عالياً ويحملا سيفه ظافراً إلى شتى البلدان.
وتم فتح مكة بعد انقضاء سنتين على صلح الحديبية (في أواخر كانون الثاني سنة ٦٣٠م/ ٨هـ) فدخل محمد الكعبة وأمر بأصنامها فحُطمت وطهر البيت الحرام منها، وكان عددها على ما قيل يبلغ ثلاثمائة وستين، وجعل محمد يشير إلى هذه الأصنام بقضيب في يده وهو يقول: “وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً “2. وأمكنه الله من قريش التي كانت تأتمر عليه، إلا أن محمداً قدر فعفا3. وقلما تجد في التاريخ القديم مثالاً للعفو عند المقدرة يعادل هذا المثال.
والراجح أن محمداً في هذه المدة4 أقر المسجد الحرام، أي الكعبة وما يحيط بها من أرض حرماً لا يجوز للمشركين أن يقربوه. ونزلت الآية ٢٨ من سورة التوبة: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسࣱ فَلَا یَقۡرَبُوا۟ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَـٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَیۡلَةࣰ فَسَوۡفَ یُغۡنِیكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۤ إِن شَاۤءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ﴾ [التوبة: 28]. فانتهج المفسرون منها طريقاً للقول في أن الله قد حرّم على غير المسلمين الاقتراب منها. والظاهر أن المراد من هذه الآية هو منع عبدة الأوثان من المجيء إلى الكعبة في موسم الحج. على أن قول المفسرين لا يزال مرعياً إلى يومنا هذا5.
ولا يزيد عدد النصارى الأوروبيين الذين أفلحوا في الوصول إلى الحرمين الشريفين ونجوا بأنفسهم على خمسة عشر رجلاً، أولهم لودفيكو دي فارتما من أهالي بولونية6 في سنة ١٥٠٣، وآخرهم الدن رتر الإنكليزي7. أما أكثرهم فضلاً على العلم فهو بلا ريب السير رتشرد برتن (١٨٥٣)8.
وأقام محمد في السنة التاسعة للهجرة حامية في تبوك على حدود غسان، ولما لم يلقَ كيداً صالَح صاحب أيلة (العقبة) وهو نصراني، كما أنه صالح قبائل اليهود المقيمين في واحات أذرُح ومقْنا والجرباء9 إلى الجنوب. وأقام محمد عند الحدود يتحدى من شاء أن ينازله أو يقاومه؛ فأقبل النصارى يصالحونه فأعطوه الجزية؛ فكتب لهم رسول الله كُتب أمن وأحاطهم بكل صنوف الرعاية. وكانت الجزية تشمل الخراج والضريبة، فأصبحت هذه الجزية سابقة لها شأن بعيد في تطورات السياسة الإسلامية من بعد.
وتسمى السنة التاسعة (٦٣٠-٣١) “سنة الوفود“ لأن الوفود كانت فيها ترِد تترى إلى المدينة لتنضم إلى الدين الجديد ولتعلن الطاعة للنبي الأمير، ودخلت كثير من القبائل في الدين الجديد إذعاناً لمقتضيات الظروف إن لم يكن عن عقيدة وإيمان. ولم يكن الإسلام يطالب المنضوين فيه إلا بالشهادة الشفهية وتأدية الزكاة.
ويُستدل على كثرة الداخلين في الإسلام من البدو بقول يُعزى إلى عمر: “البدو مادة الإسلام“.
وكانت القبائل والأنحاء التي لم ترسل ممثليها قبلاً تسرع الآن في إرسال وفودها من أقاصي عُمان وحضرموت واليمن، وبينهم ممثلو طيء وهمدان وكندة، على قول الروايات. وأقبل عدد من القبائل التي لم تكن قد أذعنت لرجل واحد من قبل تُقدّم الطاعة لمحمد وتعلن له الإسلام.
وفي السنة العاشرة للهجرة دخل محمد ظافراً على رأس موكب الحج السنوي إلى مكة عاصمته الدينية الجديدة. وكانت هذه آخر مرة يحج فيها النبي فسُميت “حجة الوداع“10. وبعد ثلاثة أشهر مرض النبي فجأة فمات وهو يشكو من صداع شديد، وذلك في الثامن من حزيران سنة ٦٣٢.
وفي الدور المدني أُنزلت سور القرآن الطويلة، وهي على العموم غزيرة المادة، وقد ورد الكثير منها في أسلوب جدلي أو تشريعي. ويلاحَظ في هذه السور تنظيم أمور الصوم والزكاة والصلاة، وقوانين اجتماعية وسياسية، وترتيب مسائل الزواج والطلاق، ومعاملة العبيد وأسرى الحرب والأعداء، ولقد أوصى القرآن خيراً وبِراً بالعبد واليتيم والمسكين وابن السبيل والبائس، أوَلم يجد الله الرسول يتيماً معدماً فآواه؟ ﴿فَأَمَّا ٱلۡیَتِیمَ فَلَا تَقۡهَرۡ * وَأَمَّا ٱلسَّاۤىِٕلَ فَلَا تَنۡهَرۡ﴾ [الضحى: 9-10]11.
ولم ينسَ محمد وهو في ذروة المجد أيام فقره وخمول ذكره؛ بل بقي زاهداً في الطعام واللباس، يسكن بيتاً من الطين كأكثر المنازل الحقيرة في الجزيرة وفي الشام اليوم، بضع غرف حول بهو ينفذ الداخل إليها منه. وكثيراً ما كان يُرى يصلح ملابسه بيديه، ويشارك أهل مكة في حياتهم العامة. وكان عند محمد أول ما اشتد المرض به سبعة دنانير تصدق بها جميعاً على فقراء المسلمين.
ولقد تزوج النبي من نحو اثنتي عشرة امرأة، منهن من تزوج منها بدافع الحب، ومنهن من كان زواجه منها لغرض سياسي أو اجتماعي. وولدت له خديجة عدداً من البنين والبنات فمات البنون ولم يعش بعده من البنات إلا فاطمة زوج علي. وحز موت أبنائه في نفسه ولكنه تعزى حين وُلد له من مارية القبطية ولدٌ أسماه إبراهيم. ولم يعِش إبراهيم طويلاً فمرِض ومات وحزن النبي عليه حزناً مريراً.
وتركت أعمال محمد اليومية وسلوكه في الأمور الخطيرة والتافهة أبعد الأثر في النفوس، بحيث أصبحت قدوة يقتدي بها الملايين إلى يومنا الحاضر. ولم يحدث أن اعتُبر شخص واحد عند أي طائفة من طوائف الجنس البشري المثل الكامل للإنسان فقادت أفعاله بمنتهى الدقة كما حدث لمحمد12.
ومن هذا المجتمع الديني في المدينة نشأت فيما بعد دولة الإسلام، وبقي الدين أُس اجتماعها كما كان للمهاجرين والأنصار، وهذه أول محاولة في تاريخ الجزيرة لتنظيم الجماعة العربية تنظيماً غير مألوف من قبل، قائماً على أساس الدين لا أساس الدم كما كان في الماضي، ومرتبطاً بالله الواحد الفرد ممثل الوحدة السياسية.
وكان الرسول ما دام على قيد الحياة هو المنفذ لأوامر الله والمرجع الأخير في شؤون الأمة المدنية. وعلى هذا كان محمد -علاوة على مقامه الروحي- يمارس السلطة الزمنية نفسها التي يمكن أن يمارسها رئيس الدولة، ومن هنا أصبح جميع أفراد الجماعة الإسلامية -بقطع النظر عن نزعاتهم القبَلية وولائهم القديم- إخواناً في العقيدة وأعضاء في أخوية يجمعهم حب الله والخضوع لرسوله.
وهذه كلمات الرسول في خطبته الجامعة في حجة الوداع: “أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه! تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرء من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه“13.
وهكذا فقد قضى الإسلام دفعة واحدة على قرابة الدم، وهي أوثق صلة تربط بين القبائل، واستعاض عنها بقرابة جديدة، هي قرابة الإيمان، بحيث نشأت شبه جامعة إسلامية لبلاد العرب. ولم يكن لهذا المجتمع الجديد كهنوت أو زعامة دينية ذات رتب أو بلاط مركزي للدين كالمجلس البابوي في النصرانية.
وكان للمسجد في هذا المجتمع قيمة خاصة، فهو بمثابة دار الندوة وساحة التدريب العسكري، كما أنه كان مكان التقرب والعبادة. وكان الإمام في الصلاة هو أيضاً الأمير الأكبر لجيش المؤمنين، الذين كانت تجمع بينهم روابط قوية متآزرين للدفاع عن أنفسهم متحدين ضد العالم أجمعين. أما العرب الذين ظلوا على وثنيتهم فهم خارج الجامعة الروحية في نظر الأمة.
ومحا الإسلام ما قبله؛ فالخمر والميسر -وهما من بعد النساء أعز ما كان يتوق إليه العرب- حرّمهما في آية واحدة14. ونبذ الغناء وهو أيضاً مما تستطيبه نفس العربي، ويبدو الاختلاف بين العهد الجاهلي والعهد الإسلامي في كلمات نسبتها الرواة إلى جعفر بن أبي طالب، قيل كلم بها النجاشي يوم أحضر هذا المهاجرين وسألهم في دينهم فقال جعفر:
“أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة15، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا في ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصِلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكْل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام16، فصدّقناه وآمنا به واتبعناه”17.
ومن المدينة امتدت أصول الحكم الإسلامي إلى كل نواحي الجزيرة، وانتشرت من بعد في معظم أقطار آسيا الغربية وأفريقيا الشمالية. وكانت الجماعة المدنية إذاً مثالاً مصغراً لما وصلت إليه الدول الإسلامية بعدئذ من اتساع الرقعة وترامي الأمصار.
ولقد استطاع محمد في سحابة عمره وهو غير طويل أن يهيئ الوسائل لنشوء أمة فتية لم تكن قد نهضت من قبل، تتألف من قبائل تأبى الاتحاد، في بلاد كانت حتى ذلك الوقت “تعبيراً جغرافياً“ قليلة الشأن، وأن يؤسس ديناً دحر النصرانية واليهودية في الشرق الأدنى وحل محلهما وهو لا يزال دين جزء كبير من الجنس البشري. واستطاع فوق ذلك أن يضع حجر الأساس لإمبراطورية ما لبثت أن حوت بين أطرافها المترامية أجمل مقاطعات العالم المتمدن في ذلك العصر.
وكان محمد أمياً18 ومع ذلك فقد أُنزل على يديه كتاب لا يزال ثُمن سكان العالم يحسبونه آية العلم والحكمة والدين.
ــــــــــــــــــــــــ
* فيليب حتي وآخران، تاريخ العرب المطول، (بيروت: دار الكشاف، 1949م)، 1/162 وما بعدها.
1 البلاذري ص٣٥-٦.
2 البلاذري ص٤٠، وقابل سورة الإسراء: ٨٣.
3 الواقدي ص٤١٦.
4 ابن سعد ج٢ قسم١ ص٩٩، وقابل البيضاوي ج١ ص٣٨٣.
5 محمد لبيب البتنوني، الرحلة الحجازية، (القاهرة، ١٣٢٩) ص٤٧، وفيه: “ترى الآن أهل الحرمين أنفسهم يبالغون في مراقبة الأجانب الذين يفدون إلى بلادهم، فلا يتعدى جدة وينبع وصنعاء جنوباً ومحطة العلا شمالاً أحد من الأجانب بالمرة، وإن فعل فما هو إلا مورط بنفسه إلى حتفه من أهل البلاد“.
6 انضم لودفيكو إلى جماعة الحجاج في دمشق وهو متنكر في زي مماليك مصر، ووصف رحلته إلى الحجاز في كتاب بالإيطالية (سنة ١٥١٠) نُقل إلى سواها من لغات أوروبا، ودحض افتراء بعض الأوربيين الشائع في أقطار الغرب آنئذ، والقائل إن جسم محمد بعد وفاته ظل معلقاً في الفضاء فوق مكة. انظر:
The Travels of Ludovico di Varthema in Egypt, Syria, Arabia Deserta and Arabia Felix, tr. J. W. Jones ( Hakluyt Society, vol. xxxii, London, 1863 ), pp. 25 seq.
7 Rutter, The Holy cities of Arabia, 2 vols. ( London, 1928 )
8 Burton, Personal Narrative of a Pilgrimage to el Medinah and Meccah, 3 vols.
9 البلاذري ص ٥٩ وما يلي.
10 الواقدي، ص٤٣٢.
11 سورة البقرة: ١٧٢، ٢١٨، سورة النساء: ٤٠، سورة التوبة: ٦٠، سورة النور: ٣٣، سورة الضحى: ٩. وقابل:
. Robert Roberts, The Social Laws of the Qorân, London, 1925
12 52.D. G. Hogarth, Arabia (Oxford, 1922), p
13 ابن هشام ص٩٦٩، وقابل الواقدي ص٤٣٣-٤.
14 سورة المائدة: ٩٢.
15 قابل سورة البقرة: ١٦٨.
16 الواقع أن فريضة الصوم لم تحدد حتى انتقل الرسول إلى المدينة، أي بعد الهجرة إلى الحبشة بزمن طويل. سورة البقرة: ١٧٩، ١٨٣.
17 ابن هشام ص٢١٩.
18 إن لفظة “أمي“ في القرآن (آل عمران: ١٩) تطلق في رأي أهل السنة على من لا يقرأ أو يكتب، إلا أن الطبري (تفسير: ج ٣ ص١٤٣) يقول إن الأميين هم “الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب“. والنقادة من العلماء يرون أن لفظة “أمي” في القرآن (سورة الأعراف: ١٥٦، آل عمران: ٦٨ـ٦٩؛ الجمعة: 2) ترمز إلى غير أهل الكتاب، ويجب أن تُفسر بمعنى الذي لا يقرأ الأسفار المقدسة مما عند اليهود والنصارى.





