
الأشهر الحُرُم مدرسة لحفظ كرامة الإنسان
مايو 12, 2026
الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ تقيم ندوة “ماذا يحدث في مالي؟”
مايو 12, 2026
د. سليمان الأحمر الأنصاري
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي في الجزائر
ثلاثمائة رجل ونيف فتحوا ربع الكرة الأرضية في ربع قرن. مرت بهم أزمات كثيرة في مراحل التأسيس والتقعيد والبناء والانتشار. كانت لهم عقيدة راسخة مستمدة من الكتاب والسنة على بصيرة من علم وهدى ورحمة. من هنا استطاعوا إقامة هذه الشريعة الربانية، المركوزة في عقيدة التوحيد، والمدعومة بمتممات مكارم الأخلاق، فأداروا بها كل الأزمات.
عوامل إيمانية وأخلاقية في إدارة الأزمات
سنة الله ماضية في المجتمعات والدول. يقول اللّه عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]. ولقد عرض الله عز وجل علينا في القرآن الكريم أحسن القصص، وذكر محناً كبرى قابلت الفئة المؤمنة، منها أزمة المسلمين في عهد النبي ﷺ حين فقدوا الأمان على أنفسهم وذويهم وكادت الفئة الأولى تفنى، فكان الإذن بالهجرة، ثم أزمة الحصار الجائر للمؤمنين في المدينة من كل الجزيرة العربية كادت تودي كذلك بالأمة الوليدة. ومع ذكر كل قصة من تلك القصص المباركة وضع القرآن كيفية إدارتها ومنهجية التعامل معها.
ولقد وضح الإسلام عوامل علاج الأزمات ومواجهة المحن، سار على هديه قادة الأمة على مدى أربعة عشر قرناً من الزمان، يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89].
ولم تضعف الأمة ولم تنهر، ولم تتكالب عليها الأمم إلا حين تنازلت وتخلت عن منهج ربها.
- الأزمات نوع من الابتلاء
نجد ذلك في كاثر من آيات القرآن العظيم؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]. وقال الله سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]. وقال الله عز وجل: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]. وقال الله سبحانه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168]. وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]. وقال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
كافة الرسل ابتلوا ووقعوا في أزمات أثناء دعوة أقوامهم ولكن الله نجاهم من تلك الأزمات هم ومن آمن معهم من أقوامهم. ورسول الله ﷺ هو وصحابته رضوان الله عليهم قد وقعوا في عدد من الابتلاءات والأزمات، مثل: الحصار في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات، والهجرة من مكة إلى المدينة، وغزوة أُحد، وذات الرقاع.. وغيرها. والتي لولا الله ما قامت لدولة الإسلام قائمة.
فعلى المسلم، عند الابتلاء، أن يضع نصب عينيه قاعدة “ما أصابك لم يكن ليخطئك”، لتجعله يظفر بثمرة “الإيمان بالقضاء والقدر”. فالأزمة في حقيقتها مصيبة يبتلينا الله بها تمحيصًا للقلوب ورفعةً للدرجات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]، وقال الله سبحانه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً﴾ [الأحزاب: 38]، ويقول الله عز وجل: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3].
يجب على المسلم أن يجعل الإيمان بالقضاء والقدر وسيلة لكسب الحسنات وتكفير السيئات من منطلق حديث النبي ﷺ: “ما يصيب المسلم من نصَب ولا وصَب ولا هَم ولا حزَن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه”.
ومن السنة النبوية الشريفة، قال ﷺ: “إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه، أوشك أن يعمهم الله بعقابه”.
تجنب الأزمة بالصبر والصلاة
تجنبها بالعمل الصالح، ومنه الصبر والصلاة، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 153-157].
وقد أثنى الله تعالى على حال أمة آمنت فرفع عنها العذاب برحمة منه، إذ قال الله عز وجل: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: 98].
اللجوء لله عز وجل والتعلق به سبحانه، والإلحاح في الدعاء
الدعاء هو الذي يعيد التوازن البشري ويحفظ النفس البشرية من الانهيار والاستسلام، فاليقين بفرج الله هو العامل النفسي الأهم والأخطر في مواجهة الأزمات، لذلك حرص القرآن على مخاطبة النفوس وتثبيتها عند المحن والابتلاءات، وتدريبها على أن هذه الأزمات ستنتهي حتمًا.
يقول الله تعالى: ﴿وإِذا سأَلك عِبادِي عنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب دعوة الداعِ إذا دعانِ﴾ [البقرة: 186]. ويقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]، لذلك يحذر من الدعوات الباطلة إذ يقول سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء: 56]. ويقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. ولما قيل للنبي ﷺ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم أنزل الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].
وفي سيرة رسول الله ﷺ نجد أنه لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه: “اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض”، فما زال يهتف بربه، مادًا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: “يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9]، فأمدّه الله بالملائكة.
ويقول ﷺ: “ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله تعالى إياها، أو صرف عنه السوء مثلها، ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم”.
ومن ذلك فعل النبي ﷺ كما يُحَدِّث به علي رضي الله عنه يقول: “لقد رأيتُنا ليلة بدر وما مِنا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ فإنه كان يصلي إلى شجرة، ويدعو حتى أصبح”.
فالدعاء هو أهم حلقة في إطار مواجهة الأزمات، وتأتي بالتوازي مع بقية الأمور الأخرى التي سبق ذكرها.
الثقة فيما عند الله
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح: 5-6]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
ومن سيرة رسول الله ﷺ في غزوة بدر وقف النبي ﷺ يشير إلى مواطن الأرض، ويقول: هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان. يقول الصحابة: فما أخطأ موقع أحدهم. وبعد موتهم ودفنهم في القليب وقف أمام القليب وقال ﷺ: “فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟”.
التأمل والتدبر في إيجاد الحلول واتباع المنهج العلمي
إن كل مرحلة من مراحل مواجهة الأزمة تقود إلى المرحلة التي تليها إلى أن يحين الخروج منها. فمن الأمل واليقين برحمة الله التأمل وإيجاد الحلول العلمية والعملية، إذ إنها كلها حلقات متواصلة، لا يمكن الفصل بينها، وإن أي حلقة منها إذا ما فُقدت فسيُفقد من خلالها التوفيق الإلهي في الحل الجذري.
لذلك، فمن الضروري تشخيص الأزمة بطريقة سليمة ودقيقة لإتاحة العلاج الصحيح، وإلا ستبقى الأزمة قائمة والناس تدور في حلقة مفرغة دون الوصول إلى النهاية. ففي الأزمات والكوارث لا يمكن الاعتماد على الظنون والتخمينات، وإنما كل الأمور والقرارات المتخذة ينبغي لها أن تكون قائمة على فكر مستنير وذهنية منفتحة. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: 28].
إن الظنون والتخمينات، دون دليل قائم أو برهان، مرفوضة في الإسلام، لذلك فإن الحق يعني اليقين المستفاد من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، الكفيلة بالخروج من الأزمة، أما حالة الظن فكفيلة باستمرار الأزمة واستفحالها.
لقد جاء القرآن الكريم ليضع الطريقة المُثلى في علاج الأزمات والابتلاءات، بخطوات منظمة، وبشكل منطقي:
أولاً: قراءة التاريخ، وذلك من باب القياس والقراءة الموضوعية للاستفادة من أزمات الأمم المشابهة.
ثانياً: القراءة العلمية والموضوعية للأزمة.
ثالثاً: إعداد العلاج والحل.
الأخذ بالأسباب
الأخذ بالأسباب يقود إلى العلاج والخروج من الابتلاءات، بإذن الله تعالى، وذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66]، فلو أنهم استجابوا واستمعوا للموعظة التي يعظهم الله بها لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا واستقرارًا للإيمان في قلوبهم وأبعد عن الاضطراب فيه، فعلى البشر ألا تعيش حالة الأزمة والابتلاء بكل كيانها وتفتقد القدرة على القراءة والتشخيص، وتدبر الحلول.
وللحديث بقية في العدد القادم إن شاء الله.





