
مسيرات ميليشا الدعم السريع تستهدف أسواقاً ومحطات وقود بالأبيض
يونيو 22, 2026بقلم: كارين أرمسترونج – الراهبة سابقاً، والباحثة في الأديان*
في عام ٦٢٢م غادر فريق ضخم من الحجاج المدينة إلى مكة في موسم الحج، وكان بعضهم ما يزال وثنياً، ولكن ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين كانوا من المسلمين، وكانوا يمثلون أقوى الأسرات نفوذاً في المدينة. ووقعت أثناء الرحلة حادثة ثبت فيما بعد أنها استطلعت الغيب بصورة تدعو للدهشة، إذ إن البراء بن معرور، أحد رؤساء الخزرج، اقترح على غيره من حجاج المسلمين برنّة يشوبها التردد أن يغيروا قبلتهم في الصلاة أثناء موسم الحج.
كان الجميع يحثون خطاهم جاهدين وقد يمموا وجوههم شطر مكة، حيث بيت الله العتيق، أهم الأماكن المقدسة، وحيث كان معظمهم على وشك أن يقابلوا نبيهم للمرة الأولى. وبدا لهم أنه من غير اللائق أن يُديروا ظهورهم إلى مكة في الصلاة حتى يواجهوا بيت المقدس. ورأى الآخرون أن البراء لم يكن مصيباً، لأن قبلة محمد، في حدود ما يعرفون، كانت بيت المقدس، وكان ذلك سبباً كافياً لأن يولوا وجوههم شطرها.
ولكن البراء أصر على رأيه واتخذ من مكة قبلة له أثناء الرحلة وإن كان ما يزال قلقاً بعض الشيء، ومن ثم توجه فور وصوله إلى الكعبة لمقابلة محمد وسؤاله عن رأيه. ولكن إجابة محمد كانت غامضة إذ قال له: “كنت على قبلة لو صبرت عليها”. وإن كان الرسول استمر يولي وجهه شطر بيت المقدس في الصلاة، وأطاعه البراء وحذا حذوه. وقد تذكر أبناء عشيرة البراء، في قابل الأيام، ما أبداه البراء من بصيرة نافذة. ولم يلبث أن تُوفي البراء بعد أن عاد إلى المدينة، وكان المعتقد أنه لا ينبغي الاستهانة بحدس الذين يشرفون على الموت بل يجب أخذه مأخذ الجد.
وأثناء شعيرة الإقامة في وادي مِنَى، حدث اجتماعٌ آخر في الشِعب عند العقبة، ولكن الاجتماع انعقد هذه المرة في جوف الليل، وكانت البيعة التي عقدها المسلمون في ذلك العام أصبحت تُسمى بيعة الحرب: “بايعنا رسول الله بيعة الحرب على السمع والطاعة، في عُسرنا ويُسرنا، ومَنشطنا ومَكرهنا، وأثرَة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم”.
ولم تكن بيعة الحرب تعني أن الإسلام قد تحول فجأة إلى دين عدواني وحربي، ولكن البيعة كان لابد منها بسبب الخطوة التي كان محمد يوشك أن يخطوها، إذ كان يحث أصحابه على الهجرة من مكة إلى المدينة، ولم تكن الهجرة تغييراً جغرافياً فحسب، إذ إن المسلمين كانوا يوشكون على التخلي عن قريش وقبول حماية قبيلة لا ينتسبون إليها بنسب الدم. كانت خطوة غير مسبوقة، وكانت تتضمن، من زاوية معينة، إيذاء الحساسيات العربية على نحو ما آذاها امتهان الربّات الوثنية.
لقد كان نظام “التحالف” قائماً على الدوام، وكان يعني أن يصبح فرد من الأفراد أو تصبح عشيرة بأكملها “أعضاء شرفيين” في قبيلة أخرى، بحيث يقبلون حمايتها لهم، ولكن ذلك لم يكن يعني في يوم من الأيام قطع الوشائج إلى الأبد، فروابط الدم كانت تمثل قيمة مقدسة في بلاد العرب، كما كانت من أسس المجتمع.
وتدل كلمة “الهجرة” في ذاتها على أن ذلك الانفصال الأليم كان يشغل مكان الصدارة في أذهان الذين قرروا الهجرة إلى المدينة. ومادة الكلمة “هجر” والفعل المشتق منها “هَجَرَهُ” ترجمه بعضهم إلى “قطع صلات أو أحاديث الود أو الحب.. كَفَّ.. عن الارتباط به”. وكان على مسلمي المدينة أن يَعِدُوا بأن يصبحوا أولياء (أي حُماةً) وأنصاراً بصفة مستديمة لأناس من غير أقربائهم. ومنذ ذلك الحين أصبحوا يُعرفون باسم الأنصار، أي الذين قدّموا “النصر” أي العون إلى الرسول وأصحابه.
وعادة ما تترجم كلمة “الأنصار” إلى الإنجليزية بما يعني “المعينين” ولكن هذه الترجمة لا تقدم إلا صورة ضعيفة لمعنى النصر فهو لا يقتصر على تقديم العون، بل يعني الاستعداد لتدعيم “العون” والمؤازرة بالقوة إذا اقتضت الضرورة. وكان هذا هو سبب بيعة الحرب من جانب مسلمي المدينة. وقد تمت البيعة سراً، فلم يكن الأمر يقتصر على قيام محمد عما قريب باتخاذ قرار غريب، لنفسه ولأصحابه المكيين، ولكنه كان يتعرض لخطر داهم.
ويؤكد ابن إسحاق الجوانب الإيجابية للهجرة ويجعل قرار الهجرة يبدو قراراً طوعياً. ولكن القرآن يقول إن المسلمين ﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [آل عمران: 195]، ويقول عن مكة ﴿قَرۡیَتِكَ ٱلَّتِیۤ أَخۡرَجَتۡكَ﴾ [محمد: 13] و﴿أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟﴾ [التوبة: 40].
ويبدو أن محمداً كان يدرك أن الناس يتآمرون على قتله. وقد يكون مُطْعِم قد أجاره عند عودته من الطائف، شريطة أن يكف عن الدعوة إلى دينه. ولا يشير القرآن مطلقاً إلى مزايا الهجرة، ولكنه يوحى فقط بأن المسلمين كانوا مضطرين إلى الرحيل ومرغمين عليه. وقد ساد الاجتماع الذي عُقد في موسم الحج عام ٦٢٢م إحساس بالخطر وبأن الجسور قد تقطّعت دون أمل في إعادة بنائها، وكان لابد من الحفاظ على سرية الاجتماع، بل إن الأنصار لم يذكروه حتى لأصحابهم الوثنيين أثناء الحج، حتى لا يتحدثوا عن الهجرة المنعزمة في أرجاء مكة وبحيث لا تنتبه قريش إلى ما كان يجري آنذاك.
وفي ليلة البيعة، ترك الأنصار أصحابهم الوثنيين نياماً في خيامهم، وتسللوا “تسلل القطا مستخفين” إلى الشِعب عند العقبة، حيث قابلوا محمداً وبصحبته العباس. ولم يكن العباس قد اعتنق الإسلام بعد، ولكنه كان يحب ابن أخيه، وكان يريد أن يطمئن، وفقاً للمصادر الأولى للسيرة، على أن محمداً سوف يتمتع بالأمن والسلامة الكاملة في المدينة.
وبدأت وقائع الاجتماع بأن حذّر الأنصار قائلاً إن عليهم أن يفكروا ملياً قبل أن يتعهدوا بنصرة وحماية مسلمي قريش: “فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه وما نعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلِموه وخاذِلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه”. ولكن الأنصار كانوا على استعداد للثبات على قرارهم، إذ أخذ البراء بن معرور بيد النبي، ممثِلاً للأوس والخزرج، وأقسم إن المسلمين سوف يحمون النبي حمايتهم لنسائهم وأطفالهم.
ولكن رجلاً من الأنصار قاطع البراء أثناء حديثه قائلاً: إن أهل المدينة قد عقدوا أحلافاً ومعاهدات أخرى، وإنهم قد يضطرون إلى نقض بعضها في غضون حمايتهم لمسلمي مكة. ماذا يكون عليه الحال إذا هجر محمد المدينة بعد ذلك وترك أهلها عُرضة لانتقام حلفائهم السابقين؟ فتبسم محمد وأجاب: “أنا منكم وأنتم مني، أحارب مَن حاربتم وأسالم مَن سالمتم”. ولما رضي الجانبان بذلك عقد الأنصار بيعة الحرب.
وبعد عودة الأنصار إلى المدينة، شرع محمد في إقناع مسلمي مكة بالهجرة إليها. لقد كانت خطوة رهيبة ولا رجوع عنها، إذ لم يكن أحد يعرف مدى نجاحها، لأنها لم تكن مسبوقة في بلاد العرب. ولم يأمر محمد المسلمين بالهجرة، فمن رفض أو رأى أنه لا يقدر عليها، سُمح له بالبقاء. ولقد ظل بعض كبار المسلمين في مكة ولم توجَّه لهم إطلاقاً تهمة الرِدة أو الجبن. ولكن نحواً من سبعين مسلماً انطلقوا خلال شهري يوليو وأغسطس عام ٦٢٢ مع أفراد أسرهم إلى المدينة، حيث استضافهم الأنصار ريثما يتمكنون من الاستقلال بمنازلهم. ولا يبدو أن قريشاً بذلت جهداً كبيراً لمنعهم من الهجرة، وإن كان بعض النساء والأطفال قد احتُجزوا بالقوة، وأُعيد أحد الرجال مربوطاً إلى جمله فاحتفلت بذلك قريش. ولكن المسلمين كانوا يحرصون على عدم لفت انتباه الناس إليهم، وكثيراً ما كانوا يتفقون على اللقاء خارج مكة، وكانوا يسافرون في جماعات صغيرة لا تثير الانتباه.
وكان من السابقين عمر وأسرته، وعثمان بن عفان وزوجته رقية، وغيرهم من أفراد أسرة النبي، مع زيد وحمزة. وظل محمد وأبو بكر في مكة حتى غادرها الجميع، ولكن تلك الهجرة على ذلك النطاق الواسع سرعان ما أحدثت فجوات بعثت على قلق أهل البلدة، وهي التي كانت ترمز إلى الجرح السيال الذي أحدثه محمد في جسد قبيلة قريش، وهي التي كانت تنعم بالوحدة والازدهار من عشر سنوات فحسب. وكان عبد الله بن جحش (ابن عمة محمد) قد هاجر من قبل مع أسرته وأخواته، وبعد رحيلهم أصبح المنزل الكبير الخاص بآل جحش في وسط مكة خاوياً تماماً. ونظر إليه عتبة بن ربيعة فرآه مهجوراً ونذير سوء إذ كانت الدار “تخفق أبوابها يباباً ليس فيها ساكن”.
وفي أغسطس تُوفي مُطعِم الذي كان يجير محمداً، فأصبحت حياة الرسول معرضة للخطر من جديد. وانعقد اجتماع خاص لمناقشة أمر محمد في دار الندوة (مجلس الشيوخ) وحرص أبو لهب على عدم حضوره، وكان بعض الرؤساء لا يريدون إلا إبعاد محمد عن مكة، ولكن الآخرين كانوا يدركون أن السماح لمحمد باللحاق بالمهاجرين الآخرين فيه خطر شديد عليهم. وقالوا إن كل الذين هاجروا يُعَدون خونة فقدوا الأمل وانتهكوا المبادئ وقطعوا أواصر النسب المقدسة، ولن يرعووا الآن عن اقتراف أي جُرم، فإذا ظفروا برئاسة محمد وزعامته لهم فسوف يمثلون خطراً يتهدد مكة. وطرح أبو جهل، آخر الأمر، خطة تكفل التخلص من محمد دون أن تؤدّي إلى الأخذ بثأره، وهي أن يأخذوا من كل قبيلة “فتى شاباً جليداً وسيطاً فينا.. فيضربوه ضربة رجل واحد.. فيتفرق دمه في القبائل جميعاً”، وهكذا يكون على بنى هاشم أن “ترضى بالعقل” أي بأخذ الدية، لأنهم لن يستطيعوا أن يحاربوا قريشاً كلها.
وسرعان ما تم اختيار الفتيان، واجتمعوا خارج منزل محمد، ولكنهم انزعجوا عندما سمعوا أصوات سَودة وبنات النبي من خلال النوافذ، ولما كان من العار أن يقدموا على قتل رجل بحضرة نساء بيته، قرروا أن ينتظروه حتى يخرج في الصباح. ونظر أحد المتآمرين من النافذة فشاهد محمداً نائماً وقد تدثر ببُردته، ولم يفطنوا إلى أن محمداً كان قد نبهه جبريل -فيما يروي الرواة- إلى المؤامرة فخرج متخفياً من باب خلفي وترك علياً، الذي كان قد تأخر في الهجرة حتى يؤدي عن النبي الودائع التي كانت عنده للناس، راقداً في فراشه ونائماً فيما يبدو متدثراً ببردته. وعندما خرج علىّ في الصباح من المنزل، أدرك الشبان أنهم قد خُدعوا، ومن ثم أعلنت قريش عن مكافأة قدرها مائة من النوق لمن يعود بمحمد حياً أو ميتاً.
وكان محمد وأبو بكر في هذه الأثناء يختبئان في غار بأحد الجبال خارج المدينة. ومكثا في الغار ثلاثة أيام، وكان مناصروهما يتسللون من مكة بين الفَينة والفينة لتزويدهما بالمؤن والأنباء. وجاء في الأثر أن فريقاً من الباحثين عن محمد مرّ بالغار فعلاً، ولكن أفراده لم يهتموا بالنظر في داخله، إذ كانت عنكبوت قد نَسجت بيتاً كبيراً تغطي المدخل خيوطه، ونبتت شجرة سنط أمامه بين عشية وضحاها بما يشبه المعجزة، أما في الموقع الذي لابد للمرء أن يضع قدمه فيه حتى يصعد إلى الغار فكانت توجد فيه حمامة ترقد على بيضها في العش، وكان الواضح أنه قد مضى عليها وقت طويل. وشعر محمد في هذه الأيام الثلاثة بسلام نفسي عميق، وأحس إحساساً قوياً بوجود الله معه. ويصف القرآن هذا الشعور بأنه السكينة، والتي تعني حرفياً لوناً من السكون ولكنها تعني في هذا السياق معنى يقترب من معنى السكينة بالعبرية، وهو المصطلح الذي يشير إلى وجود الله على الأرض، ويقول القرآن: ﴿فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وعندما بدا لمحمد وأبي بكر أنهما يستطيعان مغادرة الغار في أمان، حرصا وهما خارجان على عدم الاقتراب من الحمامة الراقدة، وركبا الراحلتين اللتين كان أبو بكر قد جهزهما. وأراد أبو بكر أن يقدم الراحلة الأقوى إلى محمد، ولكن محمداً أصر على أن يدفع ثمنها، فقد كانت هذه هجرته الشخصية، وقربانه إلى الله، ولذلك فكان من المهم له أن يشعر بأنه صاحب الرحلة كلها. وأطلق على الناقة اسم “قَصْواء” وظلت راحلته المفضلة إلى آخر عمره.
وكانت الرحلة التي شرعا فيها تحفّها أخطار بالغة، إذ يقال إن محمداً لم يكن وهو على ظهر الطريق يتمتع بحماية أحد. واصطحبهما الدليل في طريق بالغة الالتواء، وكانا يتقدمان ويتأخران لتضليل مَن يتعقبهما. وكان مسلمو المدينة في تلك الأثناء يترقبون وصولهما بلهفة كبيرة. وكان عدد كبير من المهاجرين يقيمون في قُباء، وهي منطقة في أقصى جنوب الواحة، وكانوا يقومون كل يوم بعد صلاة الصبح بتسلق الصخور البركانية القريبة ويتطلعون إلى كل شبر في الأفق.
وفى صبيحة يوم ٤ سبتمبر ٦٢٢ لمح القادمين رجلاً من اليهود فصاح بالأنصار: “يا بني قِيلة! هذا جدكم قد جاء!” وعلى الفور أهرع الرجال والنساء والأطفال لملاقاة المسافرين فوجدوهما يستريحان عند جذع نخلة.
ومكث محمد وأبو بكر في قباء ثلاثة أيام، ثم لحق بهما عليّ. ولكن المسلمين في “المدينة” (وكان ذلك الاسم يطلق على أكثر مناطق الواحة ازدحاماً بالسكان) كانوا يتطلعون إلى لقاء النبي بصبر نافذ، ومن ثم انطلق لمقابلتهم واختيار المكان الذي سيقيم فيه. كان يركب راحلته “قصواء” التي قيل إنها “مأمورة” ومن ثم ترك النبي لها حرية الذهاب أنَّى تشاء. وتوسل إليه الكثيرون وهو في الطريق أن ينزل عن راحلته ويقيم في منازلهم ولكن محمداً يرفض بأدب جَم حتى بركت عند مِربَد (وهو المكان الذي يُجفف فيه التمر) ورفضت أن تنهض من جديد. وكان المربد مِلكاً لأخوين من يتامى المدينة، فنزل محمد عن ظهرها وسمح بحمل متاعه إلى أقرب منزل، ثم بدأ التفاوض مع الأخوين حول شراء أرضهما. وعندما تم الاتفاق على سعر مناسب، أمر الرسول بأن يبدأ العمل فوراً على بناء مسجد، على أن يتخذه النبي منزلاً له ولأسرته أيضاً. وشرع الجميع في العمل، وكان المهاجرون يعملون جنباً إلى جنب مع الأنصار. ولم يكن أبناء قريش جميعاً ممن اعتادوا العمل اليدوي، وكان عثمان بن عفان زوج ابنة النبي أنيقاً مهندماً، وقد وجد ذلك العمل فيما يبدو مرهقاً ومنهكاً له، وفى أثناء العمل كانوا أحياناً ينشدون أراجيز ألفها المنشدون خصيصاً لهذه المناسبة منها :
لا عـيـش إلا عـيـش الآخـرة اللهـم ارحـم الأنـصـار والمهاجرة1
وكان محمد يغير الشطر الثاني إلى “اللهم ارحم المهاجرين والأنصار”، وهو التعديل الذي يبتعد بالكلام عن الوزن والقافية، مما يبين أن محمداً كان “أمياً”، فلم يكن شاعراً بالفطرة، والواقع أن نقص مهارته اللغوية يثبت مدى إعجاز القرآن.
ولكن المهاجرين والأنصار كانوا في حاجة إلى رابطة “رسمية” أقوى من الأراجيز والمشاركة في العمل. ومن ثم وُضعت معاهدة آنذاك، ومن حسن حظنا أن المصادر الأولى قد حفظتها لنا حتى نطلع على التخطيط الأول لأقدم مجتمع إسلامى. وهي تقول إن محمداً وَادَعَ القبائل العربية واليهودية بالمدينة وعاهدهم، على أن تنسى جميع قبائل الواحة، على اختلافها، عداءها القديم وأن تشكل فيما بينها “قبيلة عظمى” إن صح هذا التعبير، وعلى أن يسود السلام بين المسلمين واليهود من ناحية وبين مشركي المدينة من ناحية أخرى، بشرط ألا يعقدوا معاهدة منفصلة مع مكة للتخلص من النبي.
وتقول المادة العشرون من العهد: “لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن”. وإن مرجع أمر المجتمع كله إلى الله، وإن ذمة الله واحدة. أما المسلمون فهم يشكلون فيما بينهم مجموعة ذات طابع جديد تماماً، فالقبائل جميعاً “أمة واحدة من دون الناس”. وكانت القبيلة حتى الآن تمثل الوحدة الأساسية للمجتمع، أما الأمة فهى مجتمع يقوم على الدين لا على صلات القرابة والنسب. وكان ذلك غير مسبوق في بلاد العرب. لم تكن ولاية محمد الأصلية تتضمن إنشاء حكومة دينية، والأرجح أنه لم يكن يدري ما هي الحكومة الدينية، ولكن تطور الأحداث دفعه إلى تجاوز مفهوماته المسبقة الأصلية إلى إيجاد حل جديد تماماً.
كان الإسلام يمثل على امتداد سنوات عديدة قوة تفصم عرى المجتمع، وكان محمد يُتهم بأنه يسرق الأطفال من أبويهم. ولكنه لم يدُر بخلد أحد حتى حدثت الهجرة أن يترك قبيلة قريش. أما الآن فقد ألغيت الروابط القبلية القديمة، وأصبحت قريش والأوس والخزرج أمة واحدة، وبدأ الإسلام يمثل قوة توحيد لا تفريق.
ولكن مفهوم القبيلة كان له تأثيره المحتوم في نظرة المسلمين الأوائل إلى الأمة. وكانت نظرتهم إلى المجتمع الجديد ما تزال تخضع للمفاهيم القبلية، وفي هذا يقول القرآن: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمۡوَ ٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِینَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوۤا۟ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَلَمۡ یُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰیَتِهِم مِّن شَیۡءٍ حَتَّىٰ یُهَاجِرُوا۟ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ فَعَلَیۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَهُم مِّیثَـٰقࣱ﴾ [الأنفال: ٧٢].
فإذا أردت الانضمام فعليك أن تهاجر وتترك قبيلتك وتلتحق بالأمة. كانت الأمة، مثل القبيلة، عالماً قائماً برأسه: “أمة واحدة من دون الناس”. ولكن بإمكانها التحالف مع القبائل الأخرى بالطريقة التقليدية. وكان على وحدة الأمة أن تمثل وحدة الخالق، وقد أُمر المسلمون أيضاً أن يقيموا الحياة الشخصية على أسس هذه الوحدة، فلا يسمحوا لرابطة الدم أو للإخلاص القديم للقبيلة، أن يعوق وحدة الأمة أو أن يُشتت الأمة ويحيلها إلى فرق متناحرة، فيجب ألا يحارب مسلم مسلماً مهما تكن قبيلته. ولم يكن محمد قد أصبح بعد رأس هذه الأمة، فكانت منزلته بالغة التواضع في المدينة، وكانت في البداية أقل كثيراً من منزلة رؤساء المدينة مثل سعد بن معاذ أو ابن أُبيّ. وكانت الوظيفة الخاصة الوحيدة التي يقوم بها هي النهوض بدور الحكم المحايد في المنازعات الناشبة بين المسلمين.
كان ذلك حلاً ثورياً، ولكن الجميع كانوا على استعداد في البداية لتجربة ذلك الحل، فقد كانت الأحوال في المدينة من المحال أن تستمر، وكان التغيير – مهما يكن – أفضل من دائرة الحروب القديم التي لا بُرء منها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كارين أرمسترونج، سيرة النبي محمد، ترجمة: فاطمة نصر ومحمد عناني، ط2 (القاهرة: سطور، 1998م)، ص226 وما بعدها.
1 قال ابن هشام: هذا كلام وليس برجز. (ص٤٤٢). (المترجم)





