
تصنيف منظمة آر اس اس كجماعة إرهابية
مايو 11, 2026
الإيمان وإدارة الأزمات (1)
مايو 12, 2026
د. إسماعيل محمد رفعت
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في ألمانيا
تعاني الأمة الإسلامية اليوم من ظاهرة خطيرة هي الانشغال بتقديس المظاهر والأماكن على حساب القيمة الإنسانية الجوهرية. وهذا لم يقتصر على الأماكن التي شرع الله تعظيمها، بل تعدتها إلى أماكن أخرى تشكل خطراً على العقيدة، كأضرحة الأولياء وما يتصل بها من ممارسات. وهذا التوجه، وإن كان ظاهره التعبد، قد أدى في حقيقته إلى فقدان الأمة لكرامتها وجوهر دينها، حيث استبدلت قيمة الإنسان بالتبرك بالجدران.
والوقوف على هذا الإشكال يتطلب منا إعادة النظر في مفاهيمنا عن التقديس والتعظيم، واستلهام الحكمة الإلهية من تشريع الأشهر الحرم، التي تمثل نموذجاً رائداً في الموازنة بين تعظيم الزمان والمكان وبين تكريم الإنسان الذي هو محور الرسالة كلها.
مظاهر الانحراف عن الجوهر وأسبابها
أولاً: تقديس التراب والجدران بديلاً عن تقديس الإنسان
يلاحظ في واقع المسلمين اليوم ظاهرة مؤرقة، تتمثل في التسابق للحصول على أثر من الأماكن المقدسة، مثل قطع من كسوة الكعبة أو تراب البقيع، بل إن بعضهم يوصي بنثر تراب البقيع عليه عند موته تبركاً به. وهذا السلوك ناتج عن خلل في الفكر وجهل بصحيح الاعتقاد؛ لأن هذه الأشياء -مهما كانت مكانتها- لا تنفع بذاتها ولا تضر، وإنما النافع والضار هو الله وحده.
وتتفاقم المشكلة حين تتحول هذه الممارسات إلى تجارة، فقد رأيتُ من يبيع قطعاً صغيرة من كسوة ضريحٍ ما بأرقام فلكية، وهذا الفعل -فضلاً عن كونه بدعة شركية- هو استغلال للجهل وتجارة بالدين. والمؤلم انتشار هذا في أوساط تظن أنها بذلك تتقرب إلى الله، وهي في الحقيقة تبتعد عن جوهر التوحيد الذي قامت عليه الرسالة.
ثانياً: فقدان الكرامة نتيجة إهمال الإنسان
لقد فقدت الأمة كرامتها يوم ضاعت فيها كرامة الإنسان وعصمة دمه، واستعاضت عن احترام الحريات بتقديس التراب والأضرحة، إنها مفارقة عجيبة: نعتز بالأحجار والبنيان، ونترك كرامة الإنسان؛ نزخرف المساجد حتى تصبح في جمالها وفخامتها أفضل من المسجد الذي تخرج فيه الصحابة -رضي الله عنهم- بمراحل، بينما نفتقد بناء “الإنسان” الذي يملأ تلك المساجد بصفات الصحابة وأخلاقهم.
عندما نُظهر احتراماً للكعبة، بينما تنتهك حرمات المسلمين وتُسفك دماؤهم ولا نسعى في تخليصهم، فقد نسينا جوهر الرسالة، وهذا تناقض صارخ، عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: “مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ وَدَمِهِ، وَأَنْ يُظَنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا”.
المعنى الحقيقي لتقديس المكان
مفهوم تقديس حرم مكة والمدينة يقودنا إلى حقيقة جوهرية، وهي أن تقديسهما يعني في المقام الأول “تحريم الاعتداء على الإنسان” وتوفير الأمن له فيهما، لدرجة وإذا منع على المحرِم قتل البعوض في الحرم، فمن باب أولى أن يكون الإنسان أرفع درجة وأكرم منزلة. إنه تقديس في جوهره للإنسان نفسه، ليستعيد لنفسه قيمتها -إن سُلبت- ويتمكن من الإعمار وأداء عبادته دون خوف.
هذا المفهوم يضع الأمور في نصابها: فالأماكن المقدسة وسائل لحماية الإنسان وتكريمه، لا غايات تُعبد من دون الله أو من دون مراعاة مقاصدها، وتعظيم البيت الحرام لا يكتمل إلا بتعظيم حرمات المسلمين وصيانة دمائهم وأعراضهم.
الإنسان هو القيمة الحقيقية في الوجود
كرم الله بني آدم تكريماً لا يضاهيه تكريم، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلاً﴾ [الإسراء: 70]. وهذا التكريم للإنسان هو سر استخلافه في الأرض، وهو قائم على كونه إنساناً فقط، لا لمنصبه أو ماله أو عرقه أو قبيلته.
وهذا المعنى العظيم رسخته سورة “عبس” حين عاتب الله نبيه ﷺ بأقوى كلمة زجر قيلت في القرآن الكريم وهي: “كلا” في قوله تعالى ﴿كَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ﴾ [عبس: 11] لأجل تثبيت كرامة إنسان بسيط هو ابن أم مكتوم، مقابل قادة قريش وأشرافهم. إنها رسالة واضحة: القيمة عند الله ليست بالمكانة الاجتماعية أو المال أو الجاه، بل بالتقوى والكرامة الإنسانية التي جعلها الله فطرية في كل إنسان.
إن الانكفاء على تقديس الجدران -أياً كان نوعها- هو علامة على هزيمة نفسية وفقدان للبوصلة الأخلاقية، بينما قداسة الأماكن والشهور إنما هي خادمة لصون كرامة الإنسان وحريته وأمنه.
الأشهر الحرم – تعريف وحكمة
أولاً: شهر ذي القعدة من الأشهر الحرم، التي تذكرنا بأن للزمان حرمة أوسع نطاقاً من قدسية الأماكن. وكما تشتاق النفوس إلى البقاع المقدسة، فإنها تشتاق أيضاً إلى الأزمنة المباركة التي جعلها الله مواسم أمن وسلام.
والأشهر الحرم قد جعلها الله ذات حرمة وتعظيم تمتاز بها عن بقية الشهور، وقد حددها النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع فقال: “السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان”.
وحرمة هذه الشهور لصيانة الإنسان أينما كان، في كل بقاع الأرض. فالإسلام إذ يُعظم الزمان إنما يُعظم الإنسان، ويضمن له حرية التنقل والعيش آمناً مطمئناً، بعيداً عن الخوف والاعتداء.
ثانياً: الدين القيم نظام إلهي متكامل، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرًا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَا أَرۡبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةً وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36].
وتحريم الأشهر الحرم هو “الدين القيم”، أي المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، والذي تستقيم به أمور الحياة. فدون هذا التشريع لا يمكن أن تكون هناك حياة حقيقية، بل يعم الفساد والضلال. فهو نظام يضمن استقرار المجتمعات بوضع حدّ للنزاعات، وفيه ثبات التشريع ووضوحه، وهو دين متوارث عن إبراهيم وإسماعيل عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
ثالثاً: الحكمة من تحريم الأشهر الحرم
- بناء الإنسان أخلاقياً: قال تعالى: ﴿فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡ﴾. وظلم النفس هو حرمانها من التزكية والارتقاء في القرب إلى الله. وتعظيم هذه الشهور يحفز على الإكثار من أعمال البر والابتعاد عن الذنوب. وقد قال النبي ﷺ في خطبة الوداع محذراً: “فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا”. وهذا يمثل تدريباً للنفس على ضبط ردود الأفعال وتجنب البغي، ومدرسة أخلاقية مكثفة تهدف إلى تحويل تقديس الزمان إلى بناء حقيقي للإنسان.
- نشر الأمن والسلم الاجتماعي: تحريم القتال في ثلث العام يهدف إلى إرساء سلم اجتماعي عام، يضمن للإنسان الأمن الغذائي والنفسي، وحرية التنقل والتجارة دون خوف من الغارات والحروب. وهذا ما عبر عنه القرآن في دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ [البقرة: 126].
- تعظيم حرمة الإنسان: فإن حرمة الإنسان في الإسلام أعظم من حرمة الكعبة المشرفة، ففي الحديث أن النبي ﷺ نظر إلى الكعبة وخاطبها قائلاً: “والله إن حرمتكِ عند الله غالية، ولكن حرمة دم المسلم عند الله أغلى”. فالهدف من تقديس الأماكن والأزمنة هو توفير بيئة آمنة يحرم فيها الاعتداء على الإنسان.
رابعاً: أدب الإسلام في الأشهر الحرم
الظلم في الأشهر الحرم أشد تغليظاً وعقاباً منه في غيرها، وقد ذهب الإمام الشافعي إلى تغليظ الدية في القتل الخطأ إذا وقع في الشهر الحرام أو البلد الحرام. وهذا لزجر النفوس عن التساهل في الدماء، والتأكيد على أن الاعتداء على الإنسان في زمان أو مكان مقدس هو جُرم مغلَّظ.
كما أمر الله بالاتحاد فقال: ﴿وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةً﴾ أي كونوا يداً واحدة ولا تفرقوا. وختم الآية بقوله: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾، فجعل التقوى قرينة النصر والعون من الله.
مقارنة بين الدين القيم وغيره
أمامنا نموذجان متناقضان يظهران أثر الإسلام في بث روح الأمن وحرية الإنسان:
الأول: الإمبراطور البيزنطي “باسيل الثاني” خلع أعين خمسة عشر ألف أسير بلغاري سنة 405ه، ولم يبقَ من بين كل مائة أسير إلا واحداً فقأ له عين واحدة ليقود أصحابه في طريق عودتهم، فلما رجعوا إلى بلدهم ورآهم القيصر البلغاري “صمويل” مات من هول ما رأى.
الثاني: “صلاح الدين الأيوبي” حرر بيت المقدس من الاحتلال الصليبي، ودفع فداء الأسرى الصليبيين من خزانته الخاصة، حتى مات وليس في خزانته دينار واحد، ولم يكن لديه ثمن الكفن، فكفّنه القاضي “عبدالرحيم البيساني” على نفقته الخاصة. بينما خرج القساوسة بخزائن أموالهم الذهبية محملة على عربات، وتركوا شعوبهم في الأسر.
وبمقارنة صغيرة يظهر الفرق الجوهري بين أتباع الدين القيم الذي يُغَلِّب قيم الرحمة، وبين الممارسات الوحشية التي تنتسب للدين بغير حق.
بينما الإسلام يحمي دور عبادة غير المسلمين في كل الأوقات، فلا يقتصر تحريم القتال والاعتداء على المساجد والمقدسات الإسلامية فقط، بل يمتد ليشمل “الصوامع والبيع والصلوات” (دور عبادة النصارى واليهود)، كما قال تعالى: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٍ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40].
التلاعب بالزمان
النسيء هو تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر، وكان المشركون يلجأون إليه لترتيب مواسم الحج وفق مصالحهم التجارية أو لمواصلة القتال. وقد وصفه القرآن بأنه ﴿زِيَادَةٌ فِي ٱلۡكُفۡرِ﴾ [التوبة: 37]، لأنه اغتصاب لحق التشريع الإلهي، وتغليب للمصالح المادية على التقديس، وقد أبطله النبي ﷺ بقوله: “إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض”.
ويمكننا أن نخلص من هذا كله إلى:
- الأشهر الحرم نظام إلهي حكيم يهدف إلى بناء الإنسان أخلاقياً، وتدريبه على السلم والتسامح.
- الدين القيم هو الدين الذي يحقق الأمن والحرية للإنسان، ويصون كرامته.
- الإسلام سبق كل النظم في حماية حرية الإنسان وأمنه، وفي تقديم قيم الرحمة والعدالة على القسوة والانتقام.
- النسيء نموذج للتلاعب بالتشريع الإلهي، وقد أبطله النبي ﷺ نهائياً.
- التقوى قرينة النصر والعون من الله، والمتقون هم الذين يحفظون حرمات الله في الدماء والأعراض.
إن تعظيم الأشهر الحرم ليس طقساً زمنياً مجرداً، بل هو مدرسة أخلاقية متكاملة تهدف إلى بناء الإنسان الذي هو القيمة الحقيقية في الوجود. والإسلام بهذا التشريع يقدم نموذجاً فريداً في الموازنة بين الأمن والحرية، وبين الرحمة والعدالة، وبين تقديس الزمان وتكريم الإنسان. وهذا هو الدين القيم الذي لا حياة حقيقية دونه، والذي به تستقيم أمور الدنيا والآخرة.
والحمد لله رب العالمين.





