
الحج ونداء الوحدة حين تجتمع الأجساد وتغيب القلوب
مايو 11, 2026
الأشهر الحُرُم مدرسة لحفظ كرامة الإنسان
مايو 12, 2026
محمد بن إلياس الجامعي
باحث هندي
تشهد الساحة الدولية منذ سنوات تصاعدًا ملحوظًا في النقاشات المتعلقة بالوضع الديني والسياسي في الهند، لاسيما فيما يرتبط بوضع الأقليات الدينية وتحديدًا المسلمين الذين يتجاوز عددهم أربعمائة مليون نسمة. وقد جاءت توصيات اللجنة الأميركية للحريات الدينية الدولية “USCIRF” الأخيرة لتشكّل نقطة تحوّل نوعية، إذ دعت الإدارة الأميركية إلى فرض عقوبات على منظمة راشتريا سوايام سيوك سانغ المعروفة اختصارًا بـ “آر اس اس “، وعلى الجهات المرتبطة بها، كما طالبت بتصنيف الهند دولة مثيرة للقلق بسبب الانتهاكات المنظمة التي تقوم بها هذه الحركة القومية الهندوسية المتطرفة. ومع اتساع رقعة الاهتمام الدولي بهذه التوصيات، تزايد الحديث داخل الأوساط العربية والإسلامية حول ضرورة اتخاذ موقف مشابه، يصنّف هذه المنظمة كجماعة إرهابية، ليس فقط حفاظًا على حقوق المسلمين في الهند، بل حمايةً للأمن القومي العربي والإسلامي من امتداداتها الفكرية والتنظيمية.
نشأة منظمة آر إس إس وخلفيتها الفكرية
ولفهم هذا التوجه المتنامي، من الضروري العودة إلى جذور منظمة آر اس اس التي تأسست عام 1925 على يد كيشور بال رام هيدغيوار، في سياق سياسي واجتماعي تميز بتنامي النزعات القومية الهندوسية. وقد تبنت المنظمة منذ بداياتها رؤية أحادية للهند، تقوم على اعتبار البلاد وطنًا حصريًا للهندوس، وأن الأقليات الدينية وعلى رأسها المسلمون “غرباء” أو “دخلاء” ينبغي إخضاعهم للهوية الهندوسية السائدة. ومع أن الهند كانت تشهد آنذاك نهضة وطنية قادها المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو وحركات المقاومة الشعبية ضد الاستعمار البريطاني، فقد اختارت آر ایس إس أن تبقى بعيدة عن تلك الحركة التحررية، مما أثار شكوكًا كبيرة حول دورها السياسي في مرحلة ما قبل الاستقلال. وقد اتهم كثير من المؤرخين المنظمة بأنها كانت أقرب إلى المنطق الاستعماري في رؤيتها للمجتمع، وأنها تبنت أفكارًا مستمدة من الفاشية الأوروبية والنازية الألمانية، خاصة في ما يتعلق ببناء المجتمع على أسس عرقية ودينية نقية.
اغتيال غاندي وحظر المنظمة
بلغت الشبهات حول المنظمة ذروتها بعد اغتيال المهاتما غاندي في يناير 1948، عندما تشير العديد من الوثائق إلى أن القاتل Nathuram Godse كان عضوًا سابقًا في آر ایس إس، وأن بعض الدوائر المرتبطة بالمنظمة كانت متورطة فكريًا في التحريض عليه. وفي أعقاب عملية الاغتيال، أصدر وزير الداخلية آنذاك، سردار ، قرارًا تاريخيًا بحظر المنظمة واعتقال العديد من قياداتها. وقد كانت تلك اللحظة اعترافًا رسميًا بخطر التنظيم على وحدة الهند وسلامها الاجتماعي. واستمر الحظر حتى عام 1949 حين رُفع عنه بناءً على تعهد مكتوب قدّمته المنظمة، ألزمت فيه نفسها بالتخلي عن نشاطها السياسي والابتعاد عن العسكرة، إلا أن هذا التعهد لم يلتزم به في الواقع.
الجدل حول الوثائق التاريخية
بعد مرور عقود على هذه الحادثة، عاد الباحث القانوني فينكتیش نایک ليفتح هذا الملف عبر طلبات معلومات رسمية، ففوجئ بأن ملفات رفع الحظر غير موجودة في الأرشيف الوطني الهندي، وأنها موسومة بعلامة “NT” أي “لم تُنقل”. وقد أثار اختفاء هذه الملفات شكوكًا كبيرة بين الباحثين والمؤرخين، خاصة أن هذه الوثائق تتعلق بلحظة مفصلية في تاريخ الهند الحديث. وقد طلب نایک نسخًا من الملفين الأساسيين، وهما ملف الحظر لعام 1948 وملف رفع الحظر لعام 1949 المعنون بـ “F.No.1(40)-D”، لكن الجهات المختصة أكدت عدم توفرهما، الأمر الذي دفع البعض إلى الاعتقاد بأن هناك محاولة مقصودة لطمس الأدلة المتعلقة بعلاقة آر ایس إس المباشرة بعملية اغتيال غاندي.
الانتقادات السياسية المعاصرة
تزامن هذا الجدل التاريخي مع تصاعد الانتقادات الداخلية للمنظمة في الهند في السنوات الأخيرة، خاصة بعد إقدام رئيس الوزراء نریندر مودی على إصدار طابع وسكة تذكارية احتفالًا بمرور مئة عام على تأسيسها. وقد أثار هذا الاحتفال موجة من الرفض السياسي. ففي ولاية كيرالا، شبّه رئيس وزرائها پنارائی وجین بين آر ایس إس والصهيونية الإسرائيلية، قائلًا إنهما “توأمان فكريان” في الطريقة التي يحاولان بها فرض هوية دينية على الدولة. بل اعتبر احتفال الحكومة بهذه المناسبة إهانة خطيرة للدستور الهندي، لأنها تمنح الشرعية لتنظيم “وقف ضد حركة الاستقلال وساند الاستعمار البريطاني”. ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد صرح الأمين العام للحزب الشيوعي في الهند (ماركسي) دي راجہ بأن المنظمة “رجعية، تفرقية، وفاشية”، فيما أشار القيادي في حزب “عام آدمی پارٹی” سنجے سنگھ إلى أن آر اس إس لم ترفع العلم الوطني لمدة 52 عامًا ووقفت موقفًا مؤيدًا للبريطانيين. أما دیپانکر بھٹاچاریہ، الأمين العام لحزب اليسار الثوري، فقد ذكّر بأن سردار پٹیل حظر المنظمة بسبب دورها في اغتيال غاندي، معتبرًا أن احتفاء الحكومة الحالية بها يعكس “طمسًا للحدود بين الحزب الحاكم BJP والمنظمة الأم RSS”.
توصيات USCIRF ودلالاتها
وسط هذا الواقع، جاءت توصيات USCIRF لتؤكد المخاوف المتراكمة. فقد شددت اللجنة على أن آر اس إس تشكل “إطارًا تنظيميًا للعنف الطائفي”، وأنها مسؤولة عن تغذية خطاب الكراهية الذي أدى إلى هجمات على المسلمين والمسيحيين، وهدم المساجد، وفرض سياسات تمييزية مثل قانون المواطنة CAA، وسجلات السكانNRC، وقوانين منع التحول الديني. وأوصت اللجنة بتصنيف الهند دولة مثيرة للقلق وفرض عقوبات مباشرة على الصف الأول من قادة آر ایس إس وتجميد أصولهم وحظر دخولهم إلى الولايات المتحدة. وهذه التوصيات ليست مجرد موقف حقوقي، بل تحمل انعكاسات سياسية وأمنية واسعة، لأنها تؤكد أن المنظمة تشكل تهديدًا يتجاوز حدود الهند.
الانعكاسات على العالم العربي والإسلامي
وفي العالم العربي والإسلامي، تُقرأ هذه التوصيات في ضوء ما تمثله آر اس إس من خطاب معادٍ للمسلمين، فهي تعتمد عقيدة “الهندوتفا” التي تقدم تصورًا أحاديًا لهوية الهند يقوم على إقصاء المسلمين وتحويلهم إلى “طبقة أدنى” في السلم الاجتماعي. ومن خلال فروعها المنتشرة في الخليج وأوروبا وأميركا الشمالية، تسعى المنظمة لنشر خطاب يحرّض ضد المسلمين ويشوّه صورتهم، مما يجعلها مصدر تهديد للأمن الاجتماعي في الدول العربية والإسلامية التي تستضيف ملايين العمال الهنود.
تأثير الهندوتفا في الجاليات الهندية
ومع تصاعد نفوذ الهندوتفا في الجاليات الهندية المقيمة في الخليج، أصبح من الضروري للدول العربية والإسلامية دراسة تأثير هذه الحركات على التماسك الاجتماعي، خاصة في ظل وجود دلائل على أن بعض الخلايا المرتبطة بالمنظمة تمارس أنشطة دعوية وسياسية تتعارض مع القوانين المحلية، بل تنشر أفكار الكراهية الطائفية في بيئات متعددة الديانات.
مبررات التصنيف كجماعة إرهابية
إن تصنيف منظمة آر ایس إس كجماعة إرهابية لم يعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل بات ضرورة قانونية وأمنية لحماية المجتمعات الإسلامية، ولإرسال رسالة واضحة إلى الحكومة الهندية بأن التحريض الديني ضد المسلمين لن يكون مقبولًا على الساحة الدولية. وتستند عملية التصنيف إلى معايير دولية تتمثل في أن المنظمة تتبنى خطابًا يؤدي مباشرة إلى العنف، وتمتلك جناحًا شبه عسكري، وتشارك في عمليات قتل جماعي، وتقوم بتهديد السلم الأهلي داخل الهند وخارجها، وهو ما يجعلها مُنطبقة تمامًا على تعريف الإرهاب وفق التشريعات العربية والإسلامية.
خاتمة
وبناءً على ما تقدّم، فإن توصيات USCIRF ليست سوى خطوة أولى ينبغي أن تتبعها خطوات عربية وإسلامية محسوبة، تتمثل في التصنيف القانوني، ثم المنع من العمل داخل أراضي الدول الإسلامية، ثم مراقبة الأنشطة المرتبطة بها، وأخيرًا دعم الأقليات المسلمة في الهند عبر المنظمات الدولية. إن العالم اليوم يقف أمام لحظة فارقة؛ فالهند إما أن تظل دولة تعددية تحترم الجميع، أو تتحول إلى دولة قومية أحادية تُقصي مئات الملايين. وتحديد موقع منظمة آر اس إس في هذا السياق هو مفتاح الفهم، ومفتاح الحل.





