
هدم الاحتلال منازلهم.. جدة وأبناؤها و30 حفيداً في خيمتين بالقدس
مايو 11, 2026
تصنيف منظمة آر اس اس كجماعة إرهابية
مايو 11, 2026
د. محمد الناهي
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في اليمن
في زمنٍ تتكسّر فيه مرايا الوحدة، وتتشظّى فيه خرائط الانتماء، تقف الأمة الإسلامية أمام مشهدٍ مؤلم؛ أجسادٌ كثيرة، وقلوبٌ متباعدة، وأصواتٌ تعلو، لكنّها لا تلتقي. أمّةٌ كانت يومًا عنوانًا للاجتماع، صارت تُضرب بها الأمثال في التمزّق، وكأننا نعيش واقع قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: 14].
1- مشهد التمزّق.. حين تتعدد الجراح
واقع الأمة اليوم لا يحتاج إلى بيان؛ نزاعات داخلية، واصطفافات حادة، وقضايا كبرى تُنسى في زحام الخلافات الصغرى. لقد تحوّل الاختلاف الذي كان يوماً “ثراءً وتنوعاً” إلى “تنازع وهشاشة”.
* نختلف في الرأي.. فنفترق في الطريق.
* نغضب لموقف.. فننسف تاريخاً من الأخوة.
* نحاكم النوايا.. ونغفل عن إصلاح القلوب.
لقد أصبح بأسنا بيننا شديداً، وضاع السؤال الأهم وسط هذا الضجيج: أين نحن من حقيقة “الأمة الواحدة”؟
2- الحج.. حين تُستعاد الصورة الغائبة
وسط هذا الواقع المتشظّي، يجيء الحج؛ لا كعبادةٍ فردية فحسب، بل كمشهدٍ كونيٍّ يعيد رسم صورة الأمة كما ينبغي أن تكون. في الحج، تذوب العصبيات، وتسقط الفوارق الطبقية، وتتلاشى الحدود الجغرافية.
– وحدة المظهر: لباسٌ أبيض واحد.. كفنٌ للأنا والكبر
– وحدة النداء: “لبيك اللهم لبيك”، صوتٌ واحد يخرس ضجيج الفرقة.
– وحدة الاتجاه: طوافٌ حول كعبة واحدة، تذكّرنا أن القبلة واحدة والرب واحد.
إنه أعظم مؤتمر سنوي للأمة، لكنه ليس مؤتمر كلمات أو بيانات ختامية.. بل هو مؤتمر مشاعر، وسلوك، وتجرد.
3- دروس الحج.. هل وعينا الرسالة؟
الحج ليس انتقالاً بالجسد إلى مكان، بل ارتقاءٌ بالروح إلى معنى. فكل شعيرة فيه تحمل درساً في بناء الأمة:
– التجرّد: حين يخلع الإنسان ثيابه المعتادة، يخلع معها امتيازاته الزائفة.
– المساواة: تجسيد عملي لقول النبي ﷺ: “لا فضل لعربي على أعجمي.. إلا بالتقوى”.
– الانضباط: طوافٌ منظم، وسعيٌ مضبوط، ونفوسٌ تسير بنظامٍ رباني بديع.
إن الأمة التي تستطيع تنظيم ملايين البشر في بقعة واحدة وزمان واحد، لا تعاني من نقص في القدرات، بل تعاني من “أزمة إرادة” في تعميم هذا النظام على شؤون حياتها الأخرى.
4- المفارقة المؤلمة.. حج الأبدان لا الأخلاق
السؤال الذي يطرق الضمير: لماذا نعيش الوحدة أياماً في مكة.. ثم نغادرها سلوكاً ومنهجاً في أوطاننا؟
نحن لا نفتقد النصوص، فآيات الاعتصام تتلى آناء الليل وأطراف النهار؛ بل نفتقد “تجسيدها”.
نطوف بالكعبة، لكن قلوبنا لا تطوف حول معاني الأخوة.
نرمي الجمرات، لكننا لا نرمي أسباب الشقاق من أعماقنا.
نلبي لله باللسان، ونلبي لأهوائنا وعصبياتنا بالأفعال. وكما قال الشاعر وصفاً لهذا الحال:
تفرّقنا فصرنا في شتاتٍ .. كأنّا لم نكن يومًا يدًا معًا
إذا اشتدّ العدوُّ علينا يومًا .. نظرنا من يعادينا أولًا
5- الطريق نحو الائتلاف
إن الحج يبرهن لنا كل عام أن الاجتماع ممكن، وأن الوحدة ليست حلماً مستحيلاً بل “فريضة معطلة”. ولكي يعود الحج محركاً لنهضة الأمة، نحتاج إلى:
- صدق الرجوع لله: أن تكون مرجعيتنا الوحي لا الهوى.
- تطهير القلوب: فالاجتماع البدني دون ائتلاف روحي هو “تجمّع” لا “وحدة”.
- فقه التجاوز: تعلم فن التغافل عن الصغائر من أجل المصالح الكبرى للأمة.
- الخاتمة: من مكة إلى واقع الحياة.
الحج ليس نهاية الرحلة، بل هو نقطة الانطلاق. فإذا خرج الحاج من حجه بقلبٍ أصفى ونفسٍ أزكى ونظرة أوسع لأمته، فقد أدى المناسك حقاً.
إن أمتنا لا ينقصها العدد، بل ينقصها المدد الروحي والائتلاف. ولا تعاني من قلة الموارد، بل من تفرّق الجهود. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92].
فهل نعود أمة واحدة كما أراد الله لنا؟ أم سنكتفي بأن نحجّ كل عام.. ونفترق كل يوم؟
ليست مشكلتنا أننا لا نعرف الطريق.. بل أننا لا نريد أن نسلكه. فليكن الحج هذا العام بداية “هجرة” من ضيق التمزق إلى سعة الوحدة، ومن وحشة الفرقة إلى أُنس الجماعة.





