
محكومون بالإعدام ومحفوظون بوعد الله.. أهل الأرض المباركة فلسطين بين الابتلاء والاصطفاء
مايو 6, 2026
قرع الطبول (1)
مايو 8, 2026بقلم: الشيخ شكري مجولي – عضو مجلس أمناء الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ
الحمد لله الذي فرض الحج على عباده، وجعله ركناً من أركان الإسلام، ومؤتمراً عالمياً يجمع شتات المسلمين من كل فج عميق، والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل: “خذوا عني مناسككم”، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
فإن الحج إلى بيت الله الحرام ليس مجرد رحلة بدنية أو سياحة روحية عابرة، بل هو شعيرة عظيمة جمعت بين غايات الدين كلها: عقدية وتعبدية وأخلاقية واجتماعية. فهو الركن الخامس من أركان الإسلام، ختم الله به أركان الدين لما فيه من الشمول والعمق، ولما يتركه من أثر لا يعدله أثر في حياة المسلم والأمة.
وقد أمر الله خليله إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج، وبيّن الحكمة من هذا الجمع العظيم بقوله: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 27-28]. فجعل الغاية “ليشهدوا منافع لهم”، وهذه المنافع ليست قاصرة على التجارة والبيع والشراء، بل تشمل المنافع الدينية والدنيوية والفردية والجماعية.
غير أن الواقع المشاهد يكشف عن مشكلة جديرة بالتنبيه: وهي تحول الحج عند كثير من الناس إلى مجموعة من الأعمال البدنية تؤدى بلا روح، وطقوس تُمارس بلا وعي بالمقصد. فصار همّ الحاج متى ينتهي من الرمي، ومتى يتحلل، ومتى يعود إلى وطنه، دون أن يقف مع نفسه: لماذا أحرم؟ لماذا أطوف؟ لماذا أقف بعرفة؟ ما الذي يريده الله مني في هذه المواقف؟
وهذا المقال محاولة لإعادة الحج إلى مقاصده الكبرى التي شرع من أجلها. فالشريعة الإسلامية لا تشرع الأعمال عبثاً، بل كل حكم وراءه حكمة، وكل شعيرة لها مقصد.
- التأصيل الشرعي لمقاصد الحج
لغة: القصد هو التوجه والأَمّ، والمقصد هو الغاية. اصطلاحاً: مقاصد الشريعة هي الحِكم والغايات التي شرعت الأحكام لأجلها. فـمقاصد الحج: هي الغايات الإيمانية والتعبدية والتربوية والاجتماعية التي شرع الله الحج لأجل تحقيقها في حياة الأفراد والأمة.
الأدلة على أن للحج مقاصد كبرى
- من القرآن: ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ فاللام للتعليل، و”منافع” نكرة تفيد العموم. ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]؛ فربط العمل الظاهر بالمقصد الباطن.
- من السنة: “الحجُّ عرفاتٌ، الحجُّ عرفاتٌ، الحجُّ عرفاتٌ، أيامُ مِنى ثلاثٌ؛ فمنْ تعجّلَ في يومينِ فلا إِثْمَ عليهِ ومن تأخّرَ فلا إثْمَ عليهِ، ومن أدركَ عرفةَ قبلَ أن يَطلعَ الفجرُ فقد أدركَ الحجَّ”1.
فجعل أعظم مقاصد الحج في عرفة وهو الخضوع. وحديث عمر رضي الله عنه مع الحجر الأسود “واللَّهِ، إنِّي لأُقَبِّلُكَ، وإنِّي أعلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ، وأنَّكَ لا تَضُرُّ ولا تَنفَعُ، ولَولا أنِّي رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ ما قَبَّلتُكَ”2. يبين أن المقصد التعبد لا تعظيم الحجر.
- من قواعد الشريعة: الإجماع على أن الأحكام معللة بمصالح العباد. قال ابن القيم: “الشريعة عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها”3.
الفرق بين أعمال الحج ومقاصد الحج
الأعمال وسائل، والمقاصد غايات. الخلط بينهما كمن يظن أن المقصود من الدواء ابتلاعه لا الشفاء.
فالمنسك أو العمل الظاهر= المقصد أو الغاية الباطنة، فالإحرام ولبس البياض للتجرد من الدنيا، وتذكر الكفن، والمساواة. والتلبية إعلان الاستجابة المطلقة لله والتوحيد. والطواف بالبيت الدوران في فلك العبودية وتعظيم بيت الله. والسعي بين الصفا والمروة التذلل لله، والتأسي بهاجر في التوكل. والوقوف بعرفة الخضوع والانكسار، وتذكر يوم القيامة. ورمي الجمار إعلان العداوة للشيطان ورمي الشهوات. والنحر والحلق بذل المال والنفس لله، والتجرد من الذنوب.
المقاصد الكبرى للحج
أولاً: المقاصد العقدية والإيمانية
- تحقيق التوحيد ونبذ الشرك: الحج كله تلبية “لبيك لا شريك لك”. والأذان بالحج مقرون بـ﴿أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: 26].
- تعظيم شعائر الله: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. والمقصد اختبار العبودية: أتطيع لمجرد الأمر أم لا؟
- التذكر العملي ليوم القيامة: الحج صورة مصغرة من الحشر: زحام، ولباس كالكفن، ووقوف، وتضرع. ولذلك جاءت آية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1] قبل آيات الحج.
ثانياً: المقاصد الاجتماعية والحضارية
- تحقيق الوحدة الإسلامية: يجتمع مليونان بلا فرق بين عربي وأعجمي، تحقيقاً لـ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: 92].
- شهود المنافع الاقتصادية والحضارية: ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 28]، قال ابن عباس: “منافع الدنيا والآخرة”. فالحج سوق عالمية ومؤتمر تعارف.
- إظهار عزة الإسلام: هذا الجمع المهيب رسالة للعالم أن هذه الأمة حية. وكان النبي ﷺ يأمر بالرمل في الطواف ليرى المشركون قوة المسلمين.
أثر استحضار مقاصد الحج في الواقع
أولاً: أثر المقاصد على الحاج نفسه
- تحول الحج لرحلة تغيير: مَن استحضر المقاصد يعود إنساناً آخر. قال ابن القيم: “فكم ممن لم يحج ببدنه وهو حاج بقلبه”.
- استمرار الأثر بعد الرجوع: الحج بالمقاصد يبدأ أثره بعد الرجوع، لأن من ذاق الانكسار بعرفة لن يعود للمعصية بسهولة.
- علاج أمراض القلوب: الإحرام يعالج الكبر، والنحر يعالج الشح، وعرفة تعالج الغفلة، والزحام يعالج الغضب.
أثر المقاصد على الأمة
- الحج كمؤسسة لتوحيد الصف: كان عمر يحاسب الولاة في الحج. فلو استعيد هذا المقصد لصار الحج برلماناً إسلامياً لحل قضايا الأمة.
- إحياء الهُوية الإسلامية: في زمن العولمة يصبح الحج مصنعاً للهوية. رؤية مليونين يلبون تشحن العزة وتجدد الانتماء.
- الأثر الاقتصادي والدعوي: تفعيل مقصد ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ يعني أسواقاً للمنتجات الإسلامية ومؤتمرات للتعريف بالإسلام.
نماذج تطبيقية لربط المناسك بالمقاصد
| المنسك | الفعل الخاطئ الشائع | الفعل الصحيح باستحضار المقصد |
| الإحرام | يلبسه وهو مشغول بجوال. | يستشعر أنه كفن ويودع الدنيا ويقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة. |
| الطواف | يزاحم للوصول للحجر ويؤذي. | يطوف خاشعاً متذكرا أن الكون كله يطوف في فلك العبودية. |
| عرفة | ينشغل بالتصوير والأكل. | ينعزل ويبكي على ذنوبه كأنه آخر يوم في عمره. |
| رمي الجمار | يرمي وهو يسب الحصى. | يرمي مستحضراً أنه يرمي الشيطان ويرمي معه كبره وشهواته. |
| بعد الحج | يعود ليتفاخر بلقب “حاج”. | يعود ليكون قدوة، ويحافظ على “يوم ولدته أمه”. |
الخلاصة
- للحج مقاصد كبرى نص عليها القرآن بلفظ ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾.
- المقاصد ثلاثة: عقدية تغرس التوحيد، وتربوية تزكي النفس، وحضارية تبني الأمة.
- الخلط بين الأعمال والمقاصد سبب قلة الأثر، فمن أدى الأعمال بلا مقاصد فاته روح الحج.
- استحضار المقاصد يحول الحج من عبادة موسمية إلى مشروع تغيير دائم.
- كل منسك له مقصد تربوي إذا فهمه الحاج تحول التعب إلى لذة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الترمذي (889)، والنسائي (3044)، وابن ماجه (3015)، وأبو داود (1949)، وأحمد (17342).
2 أخرجه البخاري (1597).
3 إِعْلَام الموقعين (3/ 14 -15).





