
مقاصد الحج وأثرها في تزكية الفرد وبناء الأمة
مايو 8, 2026جرحى بقصف الاحتلال لمناطق في قطاع غزة
مايو 9, 2026بقلم: مؤمن سحنون – كاتب تونسي
لطالما كان طول العهد بخرافة ما وانتقالها من جيل إلى جيل من مسببات ترسيخها، وتعظيم الأجيال المتأخرة لها كلما ابتعدت في الزمان، خاصة إذا تجند لها من يقوم على ترميم أصنامها وتلميعها في كل عهد. ولطالما استخدم الطغاة واقع وجود الخرافة بالعمل على توفير أسباب رضوخ الجماهير لسلطانها، لتركيز ملكهم فوق عروش من الوهم، حتى اصطبغت الخرافة بصبغة زائفة من القداسة، قداسة تمتد لمحاولات التحرر منها، وتقيد الجماهير بقيود تراكمات “منطق” الخرافة المهيمن على العقول..
تعيش أمتنا المسلمة اليوم لحظة تاريخية دقيقة، بعد أن توزع جمعها، وأقحمت شعوبها عبر مراحل زمنية داخل الدول المستحدثة، حتى تحولت إلى مجموعات من الكيانات السياسية المتجاورة، يقف على رأس كل واحد منها من يدين بولائه إلى أعدائها وينوبهم في إنفاذ مطامعهم فيها وفي شعوبها. فتجزأت الأمة الواحدة إلى جزر متفرقة، يعيش سكان كل جزيرة في معزل إجباري عما يحدث وراء الخطوط الفاصلة على الخريطة، معزل من الأسر في الأغلال المضادة للحركة، حيث تنتظم عناصر الحياة في كل قطر بنزعة قومية تغذيها مفاهيم وافدة من سياق غريب عن روحها الحضارية، كان قد انتقل لها بمفعول الاحتلال، ليتحول فيما بعد إلى قيد استعماري يقيد اليوم كل شعب بالسلاسل الثقيلة، سلاسل تجر نهاياتها الأجهزة العسكرية والأمنية، وتعلمها وتربي عليها المؤسسات التعليمية، وتلمع صورتها دور الإعلام، وتمجدها النخب السياسية.. ثم يضفي عمائم السوء لها زيف القداسة. إنها سطوة منظومة الخرافة.
وككاتب هذه الكلمات، فإن النزعة القومية التي ترعاها المؤسسات قد ضخت في أفكار أجيالنا من المتعلمين منذ بداية حضورنا في مقاعد الدراسة سيلًا من التعاريف المتخيلة، دعمتها بقراءة تاريخية انتقائية، ثم صاغت تصوراتهم، وحددت نظرتهم لما يحيط بهم، ورسمت إطار ردود أفعالهم على ما يحدث من متغيرات حولهم من خلال ذلك النسق الفكري والنفسي والتربوي. بل إن فلسفة القومية الحديثة قد تسللت لمشاعر وميول الأفراد والشعوب، وأصبغت نتاجها الأدبي والفني، وحكمت واقعها، وتحكمت بشواغل جماهيرها، وسهلت اقتيادهم بعيدًا عن وجهتهم الحقيقية، ما أحدث اختلالًا في جميع مقومات الحياة وركائز البناء، واستنزف شحنة الولاء داخل مسالك متفرقة، وصنع تشويشًا على منظومة القيم الأصلية، فسهل من ثمّ استبدالها بقيم جديدة غريبة على طبيعة المسلمين وسياقهم التاريخي وحركتهم الكونية وتحدياتهم التي تحيط بهم، وانتحلت شرعيتها من الاستبداد السياسي المحلي عميل الطغيان العالمي راعي هذا التغريب.
برز هذا الطابع السياسي للدولة القومية عبر تغيرات تاريخية متتالية، بدأت بسبب ظروف محددة لها خصوصياتها في الغرب، ثم أصبح المثال قابلًا للنسخ والتعميم على بقية الأمم، ليتخذه النظام العالمي فيما بعد كوحدة سياسية معتمدة ومعترف بها حصرًا دون غيرها، متجاوزًا بذلك تاريخ ورصيد الحضارات الأخرى وميراث العلوم والثقافات ونتاج أمم ضاربة في عمق التاريخ.
فكان من السهل سيطرة أعداء الأمة على الشعوب المسلمة، وعلى هويتهم وثرواتهم، وعلى مقدساتهم وأرضهم، عن طريق توليتهم لمن ينوبهم في هذه الأعمال على رأس كل دولة. ثم تمر المكائد تباعًا عبر الأجهزة الرسمية والمؤسسات -حارسة الوضع الراهن- وتصبح الكيانات السياسية داخل إطارها أدوات مسخّرة لخدمة من يتربص بالبلدان وشعوبها. إنه ببساطة احتلال محلي يعمل لحساب المحتل الأجنبي.
واليوم باتت تسمع أصوات طبول الحرب وهي تدق، ويتردد صدى قرعها في تسارع وتصاعد يملأ الأرجاء في اقتراب، وترتفع أعمدة الحرائق وتتزايد مع كل استفراد جديد بأحد الشعوب داخل هذه التقسيمات، وتتقدم جحافل الأحزاب محتشدة الجيوش والكتائب في غزوها العسكري والفكري والاقتصادي، في هجمة معاصرة متوحشة تستهدف الأصول الإسلامية في التصور والقيم والسلوك، فضلًا عن الأرض والثروات الطبيعية، متجهة نحو الجذور الحضارية لأمة بأكملها على اختلاف أوضاع ساكنيها وأحوالهم. ولم يعد عدونا يخفي وجهة حربه الصهيو-صليبية ضدنا كما كان من قبل، بل تنشد طبوله التي ينتشر صوتها في الأرجاء نبرته الدينية المتصاعدة في الحرب. يعزز هذا الغزو الخارجي غزوًا من الداخل يقوده من ينتشي بأصوات قرع الطبول، ويترجم صوت أجراسها إلى ألحان ومعزوفات تقدم للشعوب في طبق من القيم الراقية، مغلفة بلفافة من المصطلحات الرنانة تارة، وبفتاوى التطبيع والخضوع والاستسلام تارة، وبخطاب الضرورة والاستضعاف تارة.
ومع حركة الشعوب الثائرة التي استنهضت قواها وخرجت لكنس سنين الطغيان من تاريخها واستبداله بعصر من الحرية والكرامة، برزت سطوة الدولة القومية الحديثة أكثر على مجريات الأحداث، وكانت معول هدم لجهود الجماهير، وتمكنت من استيعاب مشاريع التغيير المنطلقة أصلًا من منطق الدولة القومية والعاملة داخل إطارها الفكري والتنظيمي، واستغلت غفلتها في إعادة بناء شرعية الهيمنة على الشعوب من جديد.
وبما أن القيود قد أحاطت أولًا بالقلوب والعقول، باعتبارنا قد نشأنا في نظام تعليمي وإعلامي وقيمي مبني على معنى القومية الحديثة عن طريق تلقين المفاهيم وشرعنة التصورات، ولتتحرر الأفكار من طغيان القيود، كان علينا أن نتساءل عن كيفية تكون هذا النموذج من منشئه في الغرب أولًا، ثم كيف انتقل لعالمنا الإسلامي واكتسب شرعيته، كيف وقع بناء مفاهيمه في المخيال الشعبي والبلوغ به لدرجة اعتباره أمرًا بديهيًا، بل أمرًا مقدسًا. وكيف تعاملت محاولات التغيير معه؟ ولتكون الصورة أشمل، بقي أن نتساءل عن مقومات الحياة في المجتمع المسلم حسب تصور الإسلام، لا كشعارات نخبوية، بل كصورة واقعية حيوية، ثم طبيعة دور الجماهير والأفراد في الحياة بالإسلام كأسلوب حياة، ودورهم في معركة استرداد حياتهم الحقيقية التي سلبت منهم مقابل هذا الواقع الذي تحكمه الخرافة.
تكتب هذه الكلمات في واقع ليس ببعيد عن أصوات الطبول وقرعها، التي لا يراد لنا سماعها، وتنحت في أجواء تتقدم فيها صفوف الغزاة الذين لا يراد لنا معرفتهم، وتنطلق من خارج القيود التي يراد لنا التعايش معها واعتيادها بل والدفاع عن وجودها. فهي ليست كلمات من الترف الفكري البعيد عن الواقع، بل إنها بإذن الله في صميم المعركة التي تعيشها الأمة اليوم.
وللحديث بقية في العدد القادم إن شاء الله تعالى.





