
وَحدَةُ المُسلِمين.. وَاجِبُ الوَقتِ وَكُلّ وَقت!
مايو 6, 2026
مقاصد الحج وأثرها في تزكية الفرد وبناء الأمة
مايو 8, 2026بقلم: مؤيد شقيرات – كاتب فلسطيني
في زمنٍ تتكاثر فيه الجراح، وتتعاظم فيه صور الألم والانكسار الظاهري، وتضيق فيه السبل حتى يكاد اليأس يتسلل إلى القلوب، تصبح الحاجة ملحّةً إلى خطابٍ يعيد ترتيب البوصلة، ويقرأ الواقع قراءةً ربانية لا تنخدع بالمظاهر ولا تنكسر أمام الوقائع. ومن هنا تأتي هذه المقالة لتخاطب وجدان الأمة من بابين متكاملين، يجتمعان في الغاية ويختلفان في جهة التوجيه؛ أولهما خطاب تثبيتٍ وتصبيرٍ لأهل الأرض المباركة فلسطين، يربط ابتلاءهم بسنن الله الجارية، ويغرس في قلوبهم معاني اليقين والثبات، وثانيهما خطاب نداءٍ واستنهاضٍ للأمة الإسلامية بعامة، ولأهل القوة فيها بخاصة، يذكّرهم بواجبهم الشرعي تجاه إخوانهم، ونحو مسرى رسول الله ﷺ، ويدفعهم إلى ترجمة الإيمان إلى فعلٍ يغيّر مجرى الأحداث.
فأما الخطاب إلى أهل الأرض المباركة المقدسة، فهو خطابٌ يُبنى على أصلٍ راسخ يعيد إلى القلوب توازنها، ويثبّت بها اليقين، وهو قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]. لقد نزلت هذه الآية بعد غزوة أُحد، بعد الجراح النازفة، وبعد لحظاتٍ شعر فيها الصحابة رضوان الله عليهم بثقل الابتلاء ومرارة الانكسار الظاهري، لكنها لم تكن خطابًا للأجساد المنهكة، بل كانت خطابًا للقلوب، لأن الله يعلم أن موطن الثبات الحقيقي هو القلب، وأن الهزيمة تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في الواقع.
فقوله تعالى: ﴿ولا تهنوا﴾ نهيٌ عن الوهن، والوهن ليس ضعف الجسد فحسب، بل هو فتور العزيمة، واستسلام الإرادة، وانطفاء جذوة الإيمان في القلب. وهو أخطر من كل أدوات العدو؛ لأنه إن تمكّن من النفس أسقطها ولو كانت تملك أسباب القوة. ثم جاء قوله تعالى: ﴿ولا تحزنوا﴾ ليعالج جانبًا آخر من الانكسار، فالحزن إذا استقر في القلب أورث العجز، وأقعد صاحبه عن النهوض، وربطه بالماضي بدل أن يدفعه إلى العمل للمستقبل.
لكن الله سبحانه لا يكتفي بالنهي، بل يفتح باب الرجاء ويقرر حقيقة كبرى: ﴿وأنتم الأعلون﴾، وهو علوٌّ ليس بالماديات، ولا يُقاس بالعدد ولا بالسلاح، بل هو علوٌّ بالإيمان، ورفعةٌ بالمنهج، وثباتٌ على الحق. غير أن هذا العلو مشروط بشرطٍ حاسم: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، فالإيمان هو سرّ القوة، وهو مصدر العزة، وهو الميزان الذي تُوزن به الأحداث في نظر المؤمن.
ومن هنا تتقرر قاعدة إيمانية عظيمة: المؤمن لا يُهزم هزيمةً حقيقية أبدًا. قد يُبتلى، وقد يُؤذى، وقد يُحاصر، وقد يُقيد، لكن قلبه لا يُكسر، وبوصلته لا تضيع، ونوره لا ينطفئ ما دام متصلًا بالله. فالهزيمة الحقيقية ليست في فقدان شيء من الدنيا، بل في فقدان الصلة بالله.
ولكي لا يُفهم هذا المعنى على أنه تسليةٌ عاطفية، يضع القرآن الكريم الحقيقة الكاملة بلا مواربة، فيقول سبحانه: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]. إنه وعد رباني قاطع بأن الابتلاء سنة ماضية، وأن طريق الإيمان محفوف بالاختبارات، في المال، وفي النفس، وفي المعنى. ثم يضع الله مفتاح النجاة في كلمتين جامعتين: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾، فالصبر يثبت القلب عند العواصف، والتقوى تضبط الاتجاه فلا ينحرف، وبهما يتحقق الثبات الذي هو من ﴿عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
وعند كل صدام، ومع كل اشتداد في الطريق، ينكشف عجز الأعداء مهما تعاظم بطشهم؛ فهم في حقيقتهم لا يملكون إلا ثلاث أدوات محدودة: القتل، أو السجن، أو النفي. وهي في ميزان الدنيا موجعةٌ ثقيلة، لكنها في ميزان الإيمان معارجُ رفعة، ومواطنُ اصطفاء، ومفاتيحُ نصرٍ يراه أهل البصيرة قبل أن تدركه الأبصار.
فالقتل في سبيل الله ليس خاتمة الطريق، بل بدايته الحقيقية؛ بداية حياةٍ لا تزول، وكرامةٍ لا تفنى. يقول الله تعالى: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: 157]، ثم يكشف الحقيقة العظمى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: 169-170]، فإنه انتقال من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن ابتلاء اللحظة إلى نعيم الأبد. ويحسم القرآن الكريم قضية الخوف من الموت بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145]، فالموت ليس بيد عدوٍ ولا بقرار طاغية، وإنما هو بأجلٍ كتبه الله، لا يتقدم ولا يتأخر.
ثم يضع الله عز وجل الميزان الحق للفوز بقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. فحين يستقر هذا المعنى في القلوب، ستسقط رهبة الموت، وسيتحول الخوف إلى ثبات، والتضحية إلى شرف، وسيصبح الدم الزكيّ وقودًا لمسيرة الحق لا نهايتها. وهنا ينقلب ميزان القوة: فما يظنه العدو إخمادًا، يكون في الحقيقة إحياءً، وما يراه نهاية، يكون بداية امتدادٍ للفكرة في قلوب الأحياء، وستنكسر معادلة الرعب التي يراهن عليها الطغاة.
وأما السجن، ففي منطق الطغيان أداة كسرٍ وإخضاع وإخمادٍ للأصوات، لكنه في منطق الإيمان خلوة صفاء، ومدرسة إعداد لا محطة إنهاء، ومحراب تربية، وميدان تزكية. هناك، حيث تُغلّ الأيدي، تنطلق الأرواح، وحيث تُضيّق الجدران، تتسع الآفاق. وما قول يوسف عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33]، إلا إعلانٌ بأن المؤمن يختار طريق الكرامة ولو قاده إلى القيود، ويرفض الانحناء ولو كلفه ذلك عمرًا خلف القضبان. وهكذا كانت السجون في تاريخ الأمة مصانع رجال، تُصاغ فيها العزائم، وتُمحّص فيها القلوب، ويخرج منها الأحرار أكثر صلابةً ونقاءً. فالسجن قد يقيّد الجسد، لكنه يعجز عن أن يطال روحًا امتلأت يقينًا بالله، أو إطفاء نورٍ أودعه الله في القلوب، أو فكرةً سكنت ضمير الأمة.
وهكذا جرت سنن الله في تاريخ الأمة؛ فما كان السجن يومًا نهاية الدعاة وحاملي لواء التغير والتحرير والنهضة للأمة الإسلامية ومقدساتها، بل كان بداية نضجهم واشتداد عودهم. وقد صدق من قال معبرًا عن روح المؤمن التي لا تُقهر:
ضع في يديّ القيدَ ألهبْ أضلعي … بالسوطِ ضع عنقي على السكّينِ
لن تستطيع حصار فكري ساعةً … أو نزع إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي … وربّي ناصري ومعيني
سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي … وأموت مبتسمًا ليحيا ديني
وأما النفي والإبعاد، الذي يبدو في ظاهره اقتلاعٌ من الأرض، وتمزيقٌ للانتماء، لكنه في حقيقته توسّعٌ للرسالة، وانتشارٌ للفكرة. فالدعوة التي تُحبس في أرضٍ تضيق بها، يفتح الله لها آفاقًا أرحب حين تُهجَّر، والفكرة التي يُراد خنقها في موطن، يُكتب لها الانتشار حين تُطارَد. وإن المؤمن الحق لا يُقاس بجغرافيا، ولا يُحاصر بحدود فرضتها قوى الاستعمار، لأنه يحمل رسالته في صدره، ويجعل من عقيدته وطنًا لا يُنتزع، وحيثما وُجد موضعٌ يُذكر فيه الله ويُرفع فيه الحق، فثمّ أرضه، وثمّ ميدانه.
وما الإخراج من الديار إلا بابٌ من أبواب التمكين لمن صدق مع الله، فكم من ضيقٍ أورث سعة، وكم من محنةٍ أطلقت طاقاتٍ كانت كامنة. إذا أُغلِق باب، فتح الله أبوابًا، وإذا اشتد الحصار، انطلقت الدعوة أبعد مما كانت. وهكذا تتحول أدوات القهر كالنفي من أداة إضعاف إلى وسيلة للانتشار، ومن محاولات الطمس إلى أسبابًا للظهور والتمكين.
بالإضافة إلى ذلك قد سنّ الله سنّة الهجرة لتكون علامة فارقة في مسيرة الدعوة، لا هروبًا من الواقع بل انتقالًا نحو صناعة واقعٍ جديد. فهي حركة واعية من الضعف إلى القوة، ومن الاستضعاف إلى التمكين، فقال سبحانه: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40]. وفي ذلك إشارة إلى أعظم هجرة غيّرت مجرى التاريخ، فكانت بداية التمكين لا نهاية الطريق. وهكذا يبقى المؤمن ثابتًا في مبدئه، متحركًا في ميادينه، لا تنكسر عزيمته بالنفي، ولا تذبل رسالته بالتشريد، بل يزداد يقينًا بأن ما عند الله أبقى، وأن طريق الدعوة وإن طال، فإن نهايته نصرٌ وتمكين.
إنها معادلة الإيمان التي يعجز الأعداء عن إدراكها أو تفكيك أسرارها: كلما اشتد البطش، ازداد النور إشراقًا، وكلما ضاق الطريق، اتسعت آفاق النصر وتهيأت أسباب التمكين. فالمعركة في حقيقتها ليست صراع أجسادٍ تُقهر أو تُستنزف، بل صراع معانٍ راسخةٍ في القلوب، فإذا تمكنت العقيدة من النفوس، استعصت على القتل والسجن والنفي، وبقيت حيّةً متجددة، تمضي بوعد الله فلا قتلٌ يُنهيها، ولا سجنٌ يُخمدها، ولا نفيٌ يُقصيها، حتى يتحقق وعده الحق: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وإذا نظرنا اليوم إلى واقع الأرض المباركة فلسطين، رأينا هذه السنن تتجسد بأوضح صورها وأشدها وقعًا في النفوس؛ حيث اجتمعت صنوف الابتلاء، وتعاظمت صور المعاناة، حتى غدت المأساة أعمق من أن تُختصر، وأوسع من أن تُحاط بوصف. ومع ذلك، فإن هذا الواقع ذاته يكشف عن عمق الثبات، ويُظهر كيف تصنع العقيدة من الألم قوة، ومن الجراح رسالة.
وفي قلب هذا المشهد المؤلم، برزت مفاهيم تختصر حجم المأساة وتكشف في الوقت ذاته عن علو المقام عند الله. فمن ذلك مفهوم “الشهيد الأسير”، أولئك الذين ارتقوا في سبيل الله، ثم حُرموا من حقهم الإنساني في التشييع والدفن، فاحتُجزت جثامينهم في ثلاجات العدو، في صورةٍ تعكس غاية القسوة. غير أن هذا السلوك، في ميزان الإيمان، لا ينقص من قدرهم شيئًا، بل يزيدهم رفعة، ويجعل قضيتهم أكثر حضورًا في وجدان الأمة، إذ يتحول الجسد المحتجز إلى شاهدٍ دائم على الجريمة، وإلى صوتٍ لا يخبو في الضمير الجمعي.
وفي المقابل، يبرز مفهوم “الأسير الشهيد”، أولئك الذين ينتظرون خلف القضبان أحكام الإعدام، في محاولةٍ لكسر إرادة شعبٍ وترهيب أمة. غير أن هؤلاء، بثباتهم ويقينهم، يقفون على أعتاب الشهادة بقلوبٍ مطمئنة، يستقبلون قضاء الله برضا، ويجسدون معنى العزة في أبهى صوره، وكأنهم يستذكرون قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: 139]. وهنا يتجلى الفارق الجوهري بين ميزان الأرض وميزان السماء؛ فهم في حكم البشر محكومون بالإعدام، أما في حكم الله فهم محفوظون بوعده، موعودون برحمته، مرفوعون بدرجاتهم. وبين الحكمين مسافة يملؤها الإيمان، ويثبتها اليقين، ويصنعها الصبر والتقوى. إنها المسافة التي لا يدركها الطغاة، ولا يزنون بها الأمور، لكنها عند أهل الإيمان أصل الثبات وسر الصمود.
وهكذا تتكامل الصورة: معادلة إيمانية راسخة، وسنن ربانية جارية، وواقعٌ يشهد على صدق الوعد، ونماذج بشرية تجسد المعنى في أسمى صوره. وفي هذا كله رسالة للأمة أن طريق النصر لا يُقاس بظواهر القوة وحدها، بل بعمق الإيمان وثبات المبدأ. فإذا استقرت العقيدة في القلوب، فإن كل أدوات القهر تتحول إلى وسائل إحياء، وكل محاولات الإخماد تصبح أسبابًا للاشتعال، حتى يأتي وعد الله، وهو الحق الذي لا يتخلف.
غير أن هذا الفهم الإيماني العميق، بما يحمله من معاني الصبر واليقين، لا يجوز أن يبقى حبيس دائرة التثبيت الوجداني، أو أن يتحول إلى مجرد عزاءٍ يُسكّن الألم دون أن يُحرّك الواقع؛ بل لا بد أن يرتقي إلى مستوى الخطاب الذي يستنهض الأمة ويوقظ فيها معاني المسؤولية. ومن هنا، فإن هذا المقام ينتقل من مخاطبة الصابرين إلى مخاطبة القادرين، ومن تثبيت أهل البلاء إلى استنفار أهل القوة، ليُذكِّر الأمة الإسلامية بعامة، وأهل المنعة والتأثير فيها بخاصة، أن ما يجري في الأرض المباركة فلسطين ليس شأنًا يُواسى، بل واجبٌ يُؤدّى، ولا قضيةً تُروى، بل أمانةٌ تُحمَل. فالأسرى لا ينتظرون بياناتٍ تُتلى، ولا الشهداء ينتظرون خطبًا تُرفع، وإنما تنتظر فلسطين أمةً تتحرك، وقلوبًا تصدق، وإرادةً تُترجم الإيمان إلى فعلٍ يغيّر مجرى الأحداث، ويعيد للأمة دورها الذي لا يليق بها أن تتخلى عنه.
ومن هنا، فإن تشخيص الواقع لا بد أن يكون صريحًا لا مواربة ولا تزييف فيه؛ إذ إن ما تجرأ به العدو من بطشٍ وعدوان على الأسرى ومسرى رسول الله ﷺ لم يكن ليبلغ هذا الحد لولا خذلان الأنظمة في بلاد المسلمين، واصطفافها الصريح أو الضمني مع كيان يهود، عبر مسارات التطبيع والتنسيق التي وفّرت له غطاءً سياسيًا وأمنيًا. فهو لا يخشى ردود أفعالٍ يعلم يقينًا أنها محكومة بسقوفٍ واهية، ولا يعبأ بضجيجٍ إعلامي يدرك فراغه من أي مضمونٍ حقيقي، لأن الذل الذي يطوق هذه الأنظمة يجعلها أعجز من أن تُحدث أثرًا حقيقيًا في نصرة القضية. ومن هنا، فإن جرائم المحتل لن يوقفها سيل بيانات الاستنكار، ولا مناشداتٌ باهتة لمؤسساتٍ دولية أثبتت عجزها أو تواطؤها، بل إن التعويل على هذا المسار هو في ذاته وهمٌ يُطيل أمد المأساة؛ لأنهم في حقيقتهم يشكلون الغطاء الذي يُمكّن العدو من الاستمرار في جرائمه دون خشيةٍ من حساب.
وفي مقابل هذا العجز الرسمي، يعلو نداء أهل الأرض المباركة، لأن تضحيات أهل فلسطين ليست مجرد مآسٍ تُروى، بل هي نداءٌ حيٌّ يستنهض حمية الإسلام في النفوس، نداءٌ يصدح بدماء الشهداء وآهات الأسرى، مستصرخًا الأمة وجيوشها: أن تحرّكوا لنصرة دينكم، وتلبية استغاثة إخوانكم، ويدعو جيوش المسلمين إلى أن تنهض بواجبها، فتسير لتحرير مسرى النبي ﷺ، وتلبي استغاثة الأسرى، امتثالًا لقوله ﷺ: “فكّوا العاني”. إنها دعوة لإحياء سيرة العزة، سيرة المعتصم بالله، والحاجب المنصور، وصلاح الدين الأيوبي، حيث كانت كرامة الأسير خطًا أحمر لا يُسمح بتجاوزه، وكان تحريك الجيوش لأجل أسيرٍ واحد أمرًا لا يُناقش ولا يُؤجَّل. فلم يكونوا يبيتون في ثكناتهم وفي المسلمين أسيرٌ واحد، ولا كانت ترتسم البسمة على وجوههم ومسرى رسول الله ﷺ رازحٌ تحت الاحتلال. فكيف الحال اليوم، والأسرى بالآلاف، والمسرى في القيد، والعدوان يتكرر بلا رادع؟
وقد قرر فقهاء الأمة بوضوحٍ لا لبس فيه أن فداء الأسرى واجبٌ لا يسقط، وأنه يُقدّم له كل ما في بيت مال المسلمين في سبيل تحريرهم، حتى لو استُنفد كله، لأن كرامة المسلم وحريته ليست شأنًا هامشيًا، بل من صميم الدين وأساسه. فكيف إذا ارتبط الأمر بالأرض المباركة، وبمسرى رسول الله ﷺ، حيث تتضاعف المسؤولية، ويعظم الواجب، ويصبح التقصير فيه خذلانًا لا يُغتفر؟
ومن هنا، فإن قضية الأرض المباركة فلسطين لا يمكن أن تُفهم أو تُحل ضمن أطرٍ سياسيةٍ ضيقة، أو عبر مفاوضاتٍ عبثية أثبتت عقمها، ولا من خلال مؤتمراتٍ وشعاراتٍ تُستهلك بلا أثر، ولا أن تبقى رهينة قراراتٍ دولية لا تُنفذ. إنها قضية عقيدة قبل أن تكون قضية أرض، وقضية أمة قبل أن تكون قضية شعب. وحلّها لا يكون إلا بردّها إلى أصلها الصحيح: إلى الأمة الإسلامية التي تحمل مسؤوليتها، وتدرك أن الواجب الشرعي يفرض عليها الثبات والرباط، ورفض كل المشاريع التي تنتقص من الحق أو تُشرعن الاحتلال ومن يقف خلفها.
وكذلك فإن قضية الأسرى، بوصفها جزءًا لا يتجزأ من هذه القضية، لا تُحسم إلا بإعادتها إلى موقعها الحقيقي: قضيةً مركزيةً تستوجب تحركًا حقيقيًا، لا مجرد تعاطفٍ عاطفي. وعليه فهي قضيةٌ عسكرية بامتياز، تستوجب استنفار الأمة وجيوشها، وتستدعي مشروعًا جامعًا يعيد للأمة قدرتها ووحدتها، وتوجيهًا لبوصلة الأمة نحو فعلٍ يُنهي المعاناة لا يُديرها. وهذا لا يتحقق إلا بإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، التي بشّر بها رسول الله ﷺ، والتي بها تُساق الجيوش لتحرير بيت المقدس ومسرى رسول الله ﷺ والأسرى وسائر بلاد المسلمين، فيتحقق وعد الله، وتُصان كرامة المسلمين.
وفي هذا المقام، لا بد من رفع الصوت عاليًا، ووضع الأمور في نصابها، بمخاطبة جيوش المسلمين كافة في الأردن ومصر والجزائر والحجاز وتركيا وباكستان وسائر بلاد المسلمين فهم الذين يملكون القدرة والعدة: إن شهداء فلسطين، بإمكاناتهم المحدودة، يضربون أروع الأمثلة في الثبات والتضحية، ويستثيرون فيكم معاني العزة، أفلا تتحرك فيكم الحمية؟! أفلا تشتاق النفوس إلى ساحاتٍ يُرفع فيها التكبير، وتُستعاد فيها كرامة الأمة؟ وهل يرضى أصحاب القوة أن يبقوا مقيدين بقراراتٍ تحجبهم عن نصرة أمتهم؟!
ونقول لهم إن كانت هناك عروشٌ تحول بينكم وبين نصرة إخوانكم، فإن الواجب لا يسقط، بل يتأكد، وإن طريق العزة لا يُعبد بالخضوع، بل يُفتح بكسر القيود التي تحول دون القيام بالواجب. إنها دعوة صريحة للانحياز إلى الدين والأمة، لا إلى واقعٍ مفروضٍ بقوة السياسة والهيمنة.
بالختام، تظلّ الأرض المباركة فلسطين، بما يجري على ثراها من أحداثٍ جسام، شاهدًا حيًّا لا يَخبو على عمق الجريمة وحجم التواطؤ، كما تبقى في الوقت ذاته دليلًا صارخًا على أن هذه الأمة في أمسّ الحاجة إلى تحرّكٍ جذريٍّ صادق، يطيح بأنظمة الضرار التي تحمي وتحرس كيان يهود، ويقيم دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، الدولة التي ستعيد الأمور إلى نصابها، وتنهض بالأمة من حالة التفرّق والجمود إلى موقع الفعل والتأثير. تحرّكٌ يقطع مع واقع العجز، ويستأنف مسيرة العزة، حتى تستعيد الأمة قدرتها على حماية مقدساتها، وصون كرامة أبنائها، وتحرير أسراها، فتقوم فيها قيادةٌ راشدة تعبّر عن عقيدتها، وتنهض بواجبها، وتلبّي نداء ربها: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: 72]، فلا تترك أسيرًا في قيده، ولا تُسلِم مظلومًا لظلمه، بل تجعل من نصرة الحق أصلًا لا يُساوَم عليه، وواجبًا لا يُؤجَّل.
وإني لأعتذر إليكم، أيها القرّاء الكرام، عن الإطالة، غير أن المقام أثقل من أن يُختصر، والجرح أعمق من أن يُوجز، فكان لا بد من هذا الخطاب الذي جمع بين تثبيت أهل البلاء واستنهاض أهل القوة. وعلى امتداد هذه الكلمات، تبقى الحقيقة الكبرى التي ينبغي أن تستقر في القلوب جميعًا: أن الفوز ليس في سلامةٍ عارضة، ولا في النجاة من الابتلاء، بل في الثبات على الحق حتى لقاء الله، وفي الظفر برضوانه؛ فإذا استقام هذا الميزان في نفوس الصابرين والمتحركين على السواء، هان كل ما سواه، واستحال الألم وقودًا، والمحنة طريقًا، وكل ما يقع في ميزان الخير عند الله. فهنا يلتقي خطاب الصبر بخطاب العمل، ويجتمع اليقين مع المسؤولية، ليكون شعار المؤمنين جميعًا: من كان الله معه فمن عليه، ومن لم يكن الله معه فمن معه. ولما كانت غاية إرضاء الناس لا تُدرك، وغاية إرضاء الله لا تُترك، كان لزامًا على الأمة أن تأخذ بما لا يُترك، وتدع ما لا يُدرك، فتُترجم إيمانها إلى فعل، ويقينها إلى حركة. وهكذا تمضي هذه الأمة، وإن اشتد عليها البلاء، ثابتةً على سننٍ لا تتبدل، وموعودةً بوعدٍ لا يتخلف، تنتظر فجرًا لا بد أن يطلع، لأن وعد الله حق، وما ذلك على الله بعزيز. فرحم الله الشهداء الأبرار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وشفى الجرحى، وفكّ بالعز قيد الأسرى من سجون بني صهيون، وفك بالعز قيد المختطفين سياسيًا من سجون وكلاء بني صهيون، وجعل من هذه المحنة باب عزٍّ وتمكين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.





