
الاحتلال يهدم منشآت فلسطينية ومستوطن مسلح يقتحم مدرسة بالضفة
مايو 6, 2026
محكومون بالإعدام ومحفوظون بوعد الله.. أهل الأرض المباركة فلسطين بين الابتلاء والاصطفاء
مايو 6, 2026بقلم: أ. عماد إبراهيم – مدير مشروع بصيرة الدعوي
يا بِلادَ الإسلامِ لِماذا الخِلافُ ** وَلِماذا التَّمزيقُ وَالإرجافُ!
كُنتِ بالأمسِ أُمَّةً بِالتَّآخي ** فَلِماذا يَثورُ فيكِ الخِلافُ!
كَيْفَ أَصبَحتِ كالفَريسةِ ** لِلأعــــــداءِ هذا يَسطو وذاكَ يَعافُ!
كَيْفَ أَصبَحتِ مَسرَحًا يَتبارى ** فيهِ أَعداؤُنا وَنَحنُ الضِّعافُ!
الحمد لله معز أوليائه المؤمنين، وناصر المستضعفين ومعلى راية الدين، وقاهر المتجبرين، والآمر بالجهاد في سبيله إلى يوم الدين، والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه، نبينا وقدوتنا وقائدنا محمد ﷺ إمام المجاهدين وخاتم الأنبياء والمرسلين.
لا أحسبُ أنَّ على أمة الإسلام في هذه اللحظة الفارقة واجباً أجدرَ بأن يوصف بـ”واجب الوقت ” من هذه الغاية الجامعة التي يغفل عنها كثير من المسلمين، واجب وحدة الأمة، فإذا كان ذروة سنام الإسلام والذود عن الحرمات والعمل لرفعة الإسلام من أعظم التكاليف التي يستوجبها واقع أمتنا المرير؛ فإنَّ هذه التكاليف الجسيمة لا سبيل إلى الوفاء بها دون وحدة إسلامية صادقة، ومن ثَمَّ -وبمقتضى القاعدة الأصولية الثابتة “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”- فإنَّ هذه الوحدة فريضة شرعية وضرورة اجتماعية.
ومفهوم وحدة المسلمين مفهوم بيِّن ومحدد، يقوم على وحدة الاعتقاد والإيمان بين جميع المسلمين،
جوهره أن يكون المسلمون أمةً واحدة متآزرة لا مجرَّد شعوب متباعدة متشرذمة تتشارك الانتماء الديني وفقط! والفارق بين الحالتين يتجلى في وحدة الغاية التي ينصبُّ نحوها مسعى الجميع. وتقتضي هذه الوحدة أن لا تُمزِّق وتُشرذم الأمةَ قوميةٌ أو عصبية أو أيديولوجية تناقض صميم عقيدتها، وأن تسود بين أبنائها روح التآلف والاجتماع والاتفاق والتكامل بعيداً عن التنازع والتناحر والتشرذم! قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، وقال سبحانه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
وإذا كانت الفرائض كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها لها أثرها في تزكية النفس، فإن فريضة الوحدة بين المسلمين لها أثر في تزكية الأمة وقوتها، بأفرادها ومجموعها، وما يترتب على هذه الفريضة من قوة وتناصر؛ له أثره في دعوة الأمم الأخرى إلى الله وهدايتها إلى دين الله وإصلاحها. بيد أنَّ هذا المفهوم المحدَّد والمنضبط لا يعني الجمود على هيئة واحدة لا تتغير، إذ يتسم بتشعُّب أبعاده وتنوع آفاقه وتعدد أطره ودوائره وتطور وكثرة أدواره وأشكاله؛ مما يجعله قادراً على الانسجام والتكيف مع مختلف الظروف والأحوال، ومتوافقاً مع روح الشريعة المبنية على قاعدة التكليف الإلهية الثابتة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. [البقرة: 286].
هذه الوحدة المرجوة في بُعدها السياسي ذات مستويات عدة ومتفاوتة؛ فالخلافة الراشدة الواحدة الجامعة أرفعها درجة، ثم تليها السلطة الإسلامية الموحَّدة الجامعة للأمة، ثم تأتي الممالك الإسلامية المتعددة التي تنشأ بينها أحلاف سياسية وعسكرية وتكامل اقتصادي، وفي مرتبة دونها تقف الدول الإسلامية التي يقوم فيما بينها تعاون وتنسيق وولاء، وتجمعها رابطة إسلامية مشتركة، وهذا المستوى الأخير ربما يمثل الحدَّ الأدنى من مستويات الوحدة في إطارها السياسي. فمتى بلغت الأمةُ ما في طوقها من هذه المستويات كانت قد أدَّت ما يُلزمها به الشرع؛ إعمالاً للقاعدة القرآنية: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، و”إذا ضاق الأمر اتسع” . ولا يجوز إضاعة المصلحة في المستوى الأدنى بحجة انتظار الأعلى؛ لأنَّ “الميسور لا يسقط بالمعسور” و”ما لا يُدرك كله لا يُترك كله”، وهي قواعد شرعية وعقلية تظافرت على تأصيلها الشرائع والعقول السليمة.
أما الوحدة في بُعدها العقدي والفكري فلها كذلك مستوياتها المتباينة؛ إذ يُمثِّل انحصار الخلاف في الفروع وموارد الاجتهاد مع بقاء الأصول والثوابت بمنأى عنه، مع رعاية آداب الاختلاف وضوابطه – أرقى مستوياتها، وقد كان ذلك سمة من سمات الخلافة الراشدة الجامعة في ذروة مجدها. ودون هذا المستوى مستوياتٌ أخرى تتنازل حتى تصل إلى حدها الأدنى، وهو توافر الإرادة الصادقة والنية الجازمة على تحرير الثوابت وتمييزها من المتغيرات، وتربية الأمة على أدب الحوار وأخلاق الاختلاف، مع الشروع في إرساء مؤسسات رصينة مستقلة تتولى رعاية مشروع النهوض بالوعي الأمي نحو المستوى المنشود.
والوحدة الإسلامية في بُعدها الأخلاقي السلوكي تكتنفها جملة ثرية من الأحكام الشرعية والآداب الإسلامية، تلك الأحكام والآداب التي ترسِّخ روح الأخوة وتُوثق عُراها، وتُنظِّم العلاقات بين الناس داخل الأسرة والمجتمع والدولة، وهي موجودة في آيات وسور القرآن الكريم، ولا سيما سور الأحزاب والنور وسواها، ومنثورة في فضاءات السنة النبوية العطرة. ولا ريب أنَّ مقدار التمسك بها يتفاوت من حقبة إلى أخرى ومن ظرف إلى آخر، وهذا التفاوت بذاته يرسم مستويات يسير فيها العمل التربوي محاذياً للتدرج في تطبيق الوحدة في سائر مستوياتها.
نَحْنُ فِي حَاجَةٍ إِلَى إِيمَانٍ ** وَيَقِينٍ بِهِ الْقُلُوبُ تَفِيضُ
نَحْنُ فِي حَاجَةٍ إِلَى إِقْدَامٍ ** كُلُّ حَلٍّ مِنْ دُونِهِ مَرْفُوضُ
نَحْنُ فِي حَاجَةٍ إِلَى وَحْدَةِ الصَّفِّ ** كَمَا احْتَاجَ لِلدَّوَاءِ الْمَرِيضُ
أمّا السبل التي تتحقق بها هذه الوحدة المرجوة، فلا يمكن حصرها في قالب واحد، وهي خاضعة دائما لمجريات ومعطيات العصور وملابساتها؛ فقد تتحقق في حقبة ما عبر بسط نفوذ كيان إسلامي يظهر مبكراً فيسعى إلى ضم الرايات الأخرى تحت لوائه قسراً أو طوعاً، ثم تأتي مرحلة التكييف التربوي للناس على المستجد والمتغير. وقد تكرَّر ذلك في صفحات التاريخ مرات عدة، وهو أمر وارد الحدوث مستقبلاً، وإن كنا لا نرى له طريقاً في المدى القريب المنظور. وقد تتحقق الوحدة عن طريق تنامي ظاهرة نشوء كيانات صغيرة أو دول إسلامية رشيدة تتواصل وتتكامل وتُمثِّل بذلك قطباً جاذباً تجد الأمم الإسلامية الأخرى نفسها مدفوعةً إلى الدوران في فلكه صوناً لمصالحها.
غير أننا مُطالَبون بواجب لا يُمهل ولا يُهمل؛ لذا يتعيَّن السعي لتهيئة البيئة المواتية لتحقيق الوحدة في أيِّ صورة أمكنت وعلى أي مستوى تيسَّر، يُعد هذا واجباً عاجلاً لا يسقط بذريعة انتظار الظروف والبيئة المثلى لذلك. والعمل بها استجابةٌ لأمر الله في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]، وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105].
وحدة الأمة الإسلامية لن تتحقق بالتمني، بل بجملة من الأسباب العملية المتكاملة. فالأمة متفقة في حقيقتها على أكثر من خمسة وتسعين بالمئة من عقائدها وفقهها، غير أن إثارة المسائل الخلافية باستمرار وإهمال مسائل الاتفاق أوجد وهماً بأن الخلاف أعمق مما هو عليه، فصار وقوداً للتفرق والحقد. وجذر الفرقة في حقيقته انحرافٌ عن منهج الله، لأن الأهواء لا تجتمع، وما عانته الأمم السابقة من عداوة وبغضاء إنما نشأ عن نسيان جزء من الدين والتشبث بجزء آخر، وهذا بعينه ما تعيشه الاتجاهات الإسلامية اليوم. والحل ليس في إلغاء التنوع بل في استيعابه، إذ يُكمّل بعضُ الاتجاهات بعضاً كأعضاء الجسد الواحد، وليس العلاج البتر بل التناصح والتعاون. ويستلزم ذلك الرجوعَ إلى أهل الحل والعقد ممن تجتمع عليه الأمة من العلماء الراسخين والكفاءات من المتخصصين وإنشاء مرجعية عليا للأمة تضبط الفتوى وتوحد الكلمة. ولن يكتمل هذا البناء إلا بفتح باب الحوار وإغلاق باب الإكراه، فالحق يثبت بالحجة لا بالقوة، وفرض الآراء بالتهديد لا يصنع إلا نفاقاً يهدم الأمة من الداخل قبل الخارج وفوق كل ذلك يجب التواضع في المسائل الاجتهادية ونبذ ادعاء العصمة في فهم النصوص، والتعامل بالإنصاف وحسن الظن، فلا وحدة مع ازدواجية المعايير، ولا اجتماع مع التخوين بغير دليل.
ولنعلم جميعاً أن وحدة الأمة فريضة لا تقل أهمية عن فريضة إقامة الدين بل هي الركن الركين والأساس المتين في إقامته، لذلك أمرنا الله تعالى بالأمرين معاً، فقال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]، فكما أن إقامة الدين فرض من الفرائض؛ كذلك عدم التفرق فيه فرض أيضاً، فهل في الأمة من يمتلك العزيمة على السعي، ومن يجرؤ على بذل شيء من وقته وجهده ثمناً لبلوغ هذا الحلم الكبير؟!
والحمد لله رب العالمين.





