
الإسلام.. انتشار بلا إجبار!
أبريل 14, 2026
الجيش والمقاومة السودانية تفشلان هجوم مليشيات على مدينة الدلنج
أبريل 15, 2026هنري كيسنجر
مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق
| مقدمة بقلم تحرير المجلة: في هذا القسم من المجلة نختار المقالات القيمة التي كتبها غير المسلمين عن النبي والإسلام والحضارة الإسلامية، ومع هذه الحرب المشتعلة الآن، قررنا أن قراءة جذورها بقلم واحد من أشهر صناع القرار الأمريكان يكون مفيداً للقارئ المسلم. نؤكد على أن قسم “المنصفون” من هذه المجلة ينشر بالأساس المقالات المنصفة، ولكن ضرورة الوعي تحملنا أحياناً على نقل مقالات قيمة وإن كتبها الأعداء غير المنصفين. |
سيظل مستقبل العلاقات الإيرانية-الأمريكية -أقله على المدى القصير- متوقفًا على حل مسألة تبدو تقنية عسكرية ظاهريًا. مع كتابة هذه الصفحات، من شأن نوع من التحول التاريخي في ميزان المنطقة العسكري وتوازنها الاستراتيجي أن يكون جاريًا على قدم وساق. لقد دُشن التحول جراء تقدم إيران السريع نحو موقع دولة ذات أسلحة نووية في زحمة التفاوض بينها وبين أعضاء مجلس الأمن الدولي الدائمين الخمسة إضافة إلى ألمانيا (5+1). ومع أنها موضوعة في إطار قُدرات تقنية وعلمية، فإن القضية متعلقة، في لبها، بالنظام الدولي -بقابلية الأسرة الدولية لفرض شروطها في ظل أشكال متقنة من الرفض، في ظل هشاشة نظام حظر الانتشار العالمي، وفي ظل احتمالات انطلاق سباق تسلح نووي في أكثر مناطق العالم سرعة اشتعال وعَطَب.
قام التوازن التقليدي للقوة على تأكيد القدرة العسكرية والصناعية. وكان من غير الممكن إحداث أي تغيير فيه إلا تدريجيًا أو عن طريق الغزو. أما توازن القوة الحديث فيعكس مستوى تطور المجتمع العلمي ويمكن أن يتهدد جديًا جراء تطورات حاصلة كليًا داخل حدود هذه الدولة أو تلك. ما من غزو، أي غزو، كان قادرًا على مضاعفة قابلية السوفييت العسكرية بالقدر الذي فعله كسر الاحتكار النووي الأمريكي في 1949. وبالمثل، فإن انتشار أسلحة نووية قابلة للإيصال إلى أهدافها محكوم بأن يؤثر في التوازنات الإقليمية -كما في النظام الدولي- على نحو مسرحي مثير مع استثارة سلسلة من ردود الأفعال المتصاعدة.
جميع إدارات الحرب الباردة الأمريكية كانت ملزمة برسم استراتيجيات دولية في سياق حسابات الردع الباعثة على الرعب: معرفة أن من شأن أي حرب نووية أن تنطوي على إصابات على مستوى مؤهل لتهديد الحياة المتحضرة. كانوا مسكونين أيضًا بوعي أن أي استعداد معلن للمخاطرة -أقله إلى حد معين- كان أساسيًا للحيلولة دون وقوع العالم تحت رحمة أنظمة شمولية لا تعرف معنى الرحمة. فعل الردع فعله في التصدي لهذين الكابوسين المتوازيين لعدم وجود سوى قوتين نوويتين عظميين. كل منهما كانت تعكف على تقويمات متناظرة لجملة الأخطار الكامنة في استخدام الأسلحة النووية. أما مع انتشار الأسلحة النووية بين المزيد المتزايد من الأيدي فإن حسابات الردع تغدو أسرع زوالًا، ويغدو الردع نفسه أقل جدارة بالثقة باطراد. وفي عالم واسع الانتشار (التلوث النووي)، بات من الصعب، على نحو متصاعد باستمرار، تحديد مَنْ يردع مَنْ وعبر أي حسابات؟
حتى إذا تم افتراض أن البلدان النووية الساعية لامتلاك القدرة النووية تنطلق من نفس حسابات البقاء مثل البلدان الراسخة من حيث المبادرة إلى اشتباكات فيما بينها -وهو افتراض يلفه قدر مفرط من الشك- فإن دولًا جديدة التسلح بالأسلحة النووية قد تنسف النظام الدولي بطرق عديدة. ومن شأن تعقيدات حماية الترسانات والمرافق النووية (مع بناء منظومات الإنذار المتقنة والمتطورة المتوفرة لدى الدول النووية المتقدمة) أن تزيد خطر الاستباق عبر ترجيح كفة دوافع الهجوم المباغت. يمكن أيضًا توظيف مثل هذه الدوافع درعًا لردع الانتقام من الأعمال النضالية التي تلوذ بها جماعات غير دولتية. كذلك لا تستطيع القوى النووية تجاهل احتمال وقوع حرب نووية على أعتابها. أخيرًا، تبين تجربة شبكة الانتشار “الخاصة” للباكستان الصديقة تقنيًا مع كل من كوريا الشمالية، ليبيا، وإيران جملة العواقب الوخيمة لانتشار الأسلحة النووية بالنسبة إلى النظام الدولي، حتى عندما لا تتوفر في البلد الساعي إلى الإفادة من الانتشار، المعايير الرسمية لدولة مارقة.
لا بد من التغلب على ثلاث عقبات لامتلاك قدرة نووية قابلة للنشر: حيازة منظومات إيصال، إنتاج مادة انشطارية، وبناء رؤوس نووية. بالنسبة إلى منظومات الإيصال، ثمة سوق مفتوحة أساسًا في كل من فرنسا، روسيا، والصين إلى حد معين؛ يتطلب الأمر توفر موارد مالية في المقام الأول. باتت إيران حاصلة سلفًا على منظومة إيصال وتستطيع أن تزيدها كما تشاء. معرفة كيفية بناء رؤوس سهل الإخفاء نسبيًا. الطريقة الفضلى -لعلها الوحيدة- للحيلولة دون بروز قدرة نووية حربية هي منع تطوير أي عملية تخصيب لليورانيوم. والعنصر الذي لا يمكن الاستغناء عنه في العملية هو جهاز الطرد المركزي -تلك الآلات التي تنتج اليورانيوم المخصب. (كذلك يجب منع تخصيب البلوتونيوم كجزء من التفاوض نفسه).
منذ ما يزيد على عشر سنوات تعكف الولايات المتحدة وأعضاء مجلس الأمن الدولي الآخرون على التفاوض عبر إدارتين عائدتين للحزبين كليهما لمنع انبثاق مثل هذه القدرة في إيران. ثمة ستة قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي منذ عام 2006 قضت بإلحاح بأن تبادر إيران إلى تعليق برنامجها الخاص بالتخصيب النووي. ثلاثة رؤساء جمهورية أمريكيون من الحزبين كليهما، وجميع أعضاء مجلس الأمن الدولي (بمن فيهم الصين وروسيا) إضافة إلى ألمانيا، مع حشد من التقارير والقرارات الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنوا رفضهم لتسلح إيران النووي وطالبوا بوقف غير مشروط للتخصيب النووي الإيراني. ما من خيار كان “مستبعدًا” -أقله حسب تعبير اثنين من رؤساء الجمهورية الأمريكيين- على صعيد متابعة هذا الهدف.
تبين الوقائع أن هناك قدرات نووية إيرانية متقدمة باطراد في حين أن الموقف الغربي صار أكثر مرونة تدريجيًا. ومع تجاهل إيران لقرارات الأمم المتحدة وقيامها ببناء أجهزة الطرد المركزية، تقدم الغرب بسلسلة من الاقتراحات الرامية إلى زيادة مستوى التساهل -من الإصرار على إلزام إيران بوقف برنامجها الخاص بتخصيب اليورانيوم وقفًا دائمًا (2004)؛ إلى السماح بإمكانية مواصلة إيران بعض التخصيب على مستويات متدنية، أقل من 20 بالمئة (2005)؛ إلى اقتراح قيام إيران بترحيل أكثرية كميات اليورانيوم المخصب بدرجات دنيا من البلد كي تتمكن فرنسا وروسيا من تحويله إلى قضبان وقود مشحونة بيورانيوم مخصب بدرجة 20 بالمئة (2009)؛ إلى اقتراح يتيح لإيران فرصة الاحتفاظ بما يكفي من اليورانيوم المخصب بدرجة 20 بالمئة لتشغيل مفاعل بحثي مع تعليق عمليات الطرد المركزي على إنتاج المزيد في مرفق فوردو (2013). فوردو بالذات كان موقعًا سريًا ذات يوم؛ بعد كشفه، أصبح هدفًا لمطالبات غريبة بإغلاقه كليًا. أما الآن فإن الاقتراحات الغربية ترى وقف النشاط في المرفق، مع ضمانات تجعل استئنافه صعبًا. ولدى تشكل الفريق 5+1 بداية 2006 لتنسيق مواقف الأسرة الدولية، أصر مفاوضوها على مبادرة إيران إلى وقف نشاطاتها ذات العلاقة بتدوير الوقود قبل انطلاق المفاوضات؛ لكن هذا الشرط تم إسقاطه في 2009. في مواجهة هذا السجل لم يكن لدى إيران أي حافز جدي للتعامل مع أي اقتراح على أنه نهائي. بدهاء مع قدر غير قليل من الجرأة، تظاهرت في كل من المراحل بأنها أقل حرصًا على التوصل إلى حل من قوى العالم الرئيسية مجتمعة داعية إياها إلى تقديم تنازلات جديدة.
عند بدء المفاوضات في 2003 كانت إيران متوفرة على 130 جهاز طرد مركزي. باتت الآن عند كتابة هذه الأسطر تنشر نحو 000.19 (رغم أن النصف فقط هو الشغال). عند بدء المفاوضات، لم تكن إيران قادرة على إنتاج أي مواد انشطارية؛ في اتفاقية تشرين الثاني/نوفمبر 2013 المؤقتة، أقرت إيران بحيازة سبعة أطنان من اليورانيوم المخصب تخصيبًا متدنيًا. ومع أعداد أجهزة الطرد المركزي التي تملكها إيران، من الممكن تحويل تلك الأطنان إلى مادة على درجة مناسبة لصنع الأسلحة في عدد من الأشهر (كمية كافية لصنع سبع أو عشر قنابل من نمط هيروشيما). في الاتفاقية المؤقتة، وعدت إيران بالتخلي عن نحو نصف مخزونها من اليورانيوم المخصب بدرجة 20 بالمئة ولكن عبر طرق التفافية؛ تعهدت بتحويل المادة إلى صيغة سهلة الاستعادة إلى حالتها الأصلية، واحتفظت بالوسيلة اللازمة لذلك. ومهما يكن، فإن مرحلة درجة العشرين بالمئة، مع توفر هذا العدد من أجهزة الطرد المركزي بحوزة إيران، باتت أقل أهمية لأن اليورانيوم المخصب إلى درجة 5 بالمئة (العتبة التي يُزعم أنها من إنجازات التفاوض) يمكن رفعه إلى مستوى يكفي لتصنيع الأسلحة إبان أشهر.
كان موقفا فريقي التفاوض عاكسين فهمين مختلفين للنظام العالمي. أبلغ المفاوضون الإيرانيون معارضيهم بأنهم لن يرتدعوا عن متابعة مسارهم ولو في ظل خطر تعرض مرافق إيران النووية للهجوم. كان المفاوضون الغربيون مقتنعين (ومشيرين بين الحين والآخر إلى هذه القناعة، مع تأكيد التزامهم بالسلم والدبلوماسية) بأن عواقب أي هجوم عسكري على إيران يؤدي إلى تقزيم مخاطر حصول نمو في القدرة النووية الإيرانية. وقد تعززت حساباتهم بأثواب احترافية: لا بد لحل كل مأزق من اقتراح جديد، تولوا هم مسؤولية استحضاره. بالنسبة إلى الغرب، كانت المسألة المركزية متمثلة بما إذا كان أي حل دبلوماسي يمكن الاهتداء إليه، أم أن من شأن تدابير عسكرية أن تكون ضرورية. أما في إيران، فقد تم التعامل مع القضية النووية كما لو كانت أحد جوانب ووجوه صراع عام حول النظام الإقليمي والتفوق الإيديولوجي، صراع دائر في سلسلة من الساحات والميادين بأساليب ومناهج تتسع لمجمل طيف الحرب والسلم -عمليات عسكرية وشبه عسكرية، دبلوماسية، تفاوض رسمي، دعاية تحريضية، تخريب سياسي- في خلطة سائلة متبادلة التعزيز. في هذا السياق، يتعين على التماس نوع من الاتفاق أن يتصارع مع احتمال إصرار طهران أقله على استكشاف استراتيجية مفضية إلى إحداث انفراج في التوترات لا يكفي إلا لكسر طوق العقوبات ولكنه يبقى على بنية تحتية نووية ذات شأن مع حد أقصى من حرية الحركة اللازمة لتحويلها إلى برنامج حربي-تسلحي لاحقًا.
تمخضت السيرورة في تشرين الثاني/نوفمبر 2013 عن اتفاقية مؤقتة، وافقت فيها إيران على نوع من التعليق المؤقت، المشروط لعملية التخصيب، مقابل رفع بعض العقوبات الدولية المفروضة عليها جراء تحديها لمطالب مجلس الأمن الدولي. غير أن استمرار الاتفاقية وتطبيق قيود أشمل سيندمجان مع الموعد النهائي لإنجاز الاتفاقية المؤقتة الستة. كانت النتيجة العملية متمثلة بنوع من التسليم الواقعي ببرنامج تخصيب إيراني، تاركة مداه (فقط في الجانب الغربي) دون حل.
المفاوضات الهادفة إلى اتفاق دائم جارية على قدم وساق هذه الأيام. ومع أن بنود الاتفاق المنتظر -أو ما إذا كان قابلًا للتحقق- غير معروفة بعد، فإن من الواضح بأنها ستكون، مثل كثير من القضايا في الشرق الأوسط، حول “خطوط حمراء”. هل سيصر المفاوضون الغربيون (عبر فريق 5+1) على وضع الخط الأحمر عند القدرة على التخصيب كما فعلت سلسلة قرارات الأمم المتحدة؟ من شأن هذا أن يكون عملًا شاقًا جدًا. ستكون إيران ملزمة باختزال عدد أجهزة الطرد المركزي الموجودة بحوزتها إلى مستوى مستوى متناسب مع الشروط المعقولة بالنسبة إلى أي برنامج نووي سلمي، إضافة إلى تدمير أو تخزين الباقي. ومن شأن مثل هذه المحصلة، التي ستعني عمليًا تخلي إيران عن برنامجها النووي العسكري، أن تمهد لنوع من التغيير الجذري في علاقة الغرب بإيران، لا سيما إذا جاءت معطوفة على نوع من الإجماع على أن الطرفين سيعملان على لجم الموجتين السنية والشيعية من التطرف الكفاحي المحموم الدائب الآن على تهديد المنطقة.
إذا تم النظر إلى تصريحات المرشد الأعلى الإيراني المتكررة لعدم استعداد بلده للتخلي عن أي قدرة بات يمتلكها -وهي بيانات دأب حشد من كبار المسؤولين الرسميين الإيرانيين على تكرارها- فإن التأكيد الإيراني يبدو مُزاحًا إلى نقل الخط الأحمر نحو إنتاج الرؤوس النووية، أو تقليص عدد أجهزة الطرد المركزي إلى مستوى يستمر في الإبقاء على هامش حقيقي يكفي لاستئناف برنامج نووي عسكري. وفي ظل مثل هذه الخطة ستكون إيران قد تحصنت باتفاقية دولية سبق لفتوى مزعومة من مرشدها الأعلى ضد إنتاج أسلحة نووية (فتوى لم تنشر ولم يرها أحد على الإطلاق خارج دائرة هيكلية السلطة الإيرانية)؛ ستتعهد للـ 5+1 بعدم بناء أسلحة نووية، وستمكن المفتشين من مراقبة مدى الالتزام. من شأن التأثير العملي لمثل هذه التدابير أن يكون متوقفًا على الفترة الزمنية التي ستستغرقها إيران في إنتاج السلاح بعد إلغاء أو انتهاك مثل هذه الاتفاقية. وبالنظر إلى حقيقة أن إيران نجحت في بناء مشروعي تخصيب مركزي وهي خاضعة للتفتيش الدولي، فإن من شأن هذا الانفلات المحتمل أن يوجب توقع إمكانية حصول انتهاكات مخفية. أيُّ اتفاقية لا يجوز لها أن تُبْقي إيران قوة نووية “افتراضية” -بلدًا قادرًا على أن يصبح صاحب قوة نووية عسكرية في إطار زمني أقصر من الوقت اللازم لأي بلد مجاور غير نووي كي يوازي إيران على هذا التصعيد أو لأي قوة نووية كي تتمكن من منع إيران على نحو مطمئن.
بقدر استثنائي من المهارة والمثابرة المطردة حاولت إيران خدمة هدفها المتمثل بتقويض المنظومة الإقليمية لدول الشرق الأوسط طاردة النفوذ الغربي من المنطقة. سواء أكانت إيران ستنتج وتختبر سلاحًا نوويًا في المدى القصير أم أنها “ستحتفظ” فقط بالقدرة على ذلك في غضون أشهر بعد اعتمادها هذا الخيار، فإن المضاعفات على النظامين الإقليمي والعالمي ستكون مشابهة. حتى إذا بادرت إيران إلى التوقف عن إنتاج واختبار قدرات حربية نووية افتراضية، فإنها ستظهر كما لو كانت قد بلغت هذا المستوى من التحدي لأكثر العقوبات التي سبق لها أن فُرضت على أي دولة شمولًا، والإغراءات التي ستتعرض لها منافسات إيران الجيواستراتيجية -مثل تركيا، مصر، والمملكة العربية السعودية حافزة إياها على تطوير أو ابتياع برامجها النووية الخاصة لمواكبة القدرة الإيرانية ستغدو غير قابلة للمقاومة. ومن شأن خطر حصول هجوم وقائي- استباقي من إسرائيل أن يتزايد كثيرًا. ونظرًا لصمودها أما العقوبات من أجل تطوير قدرة حربية نووية، فإن إيران ستفوز بقدر من الاعتبار، بقدرات تخويف جديدة، وبأهلية معززة للتحرك بأسلحة تقليدية أو لشن أشكال غير نووية من الحروب غير التقليدية.
كثيرًا ما قيل إن مقاربة جديدة للعلاقات الأمريكية-الإيرانية ستخرج من رحم المفاوضات النووية، مقاربة سوف تعوض عن التخلي عن مواقع الغرب التاريخية. وكثيرًا ما يتم الإتيان على ذكر مثال علاقة أمريكا بالصين على هذا الصعيد، لأنها تحولت من العداء إلى القبول المتبادل بل وإلى التعاون في فترة زمنية قصيرة نسبيًا في سبعينيات القرن العشرين. يقال أحيانًا إن إيران قد تكون مستعدة للجم توظيفها الدبلوماسي لبرنامجها النووي العسكري الافتراضي مقابل حسن نية الولايات المتحدة وتعاونها الاستراتيجي.
المقارنة خائبة. كانت الصين تواجه اثنتين وأربعين فرقة عسكرية سوفيتية على حدودها الشمالية بعد عقد من الخصومة البينية المتصاعدة إضافة إلى اضطرابات داخلية. كانت مدفوعة بقوة إلى استكشاف نظام دولي بديل تلوذ به وتستند إليه. ليس ثمة أي حافز واضح ذاتيًا بالنسبة إلى نشوء علاقات إيرانية -غربية. ففي العقد المنصرم، شهدت إيران إزاحة اثنين من أهم وأشرس خصومها، نظام الطالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق -ويالها من مفارقة باعثة على السخرية! – وعمَّقت نفوذها ودورها العسكري في كل من لبنان، سورية والعراق. اثنتان من منافساتها، مصر والمملكة العربية السعودية، ظلتا مشغولتين بتحديات داخلية حتى لدى إقدام إيران على التحرك بسرعة ونجاح على ما يبدو لسحق معارضتها الداخلية عقب انتفاضة مطالبة بالديمقراطية في 2009. وإلى حد كبير ظل قادتها يَلْقون الترحيب لدى الأوساط الدولية المحترمة دون الالتزام بأي تغيير جوهري كبير في السياسة، ويجري تملقهم من قبل الشركات الغربية الساعية لاقتناص فرص الاستثمار حتى مع بقاء العقوبات كما هي. ومن المفارقات الباعثة على السخرية أن صعود الحركة الجهادية السنية على الحدود الإيرانية من شأنه أن يدفع إيران إلى تغيير رأيها. غير أن من المعقول والوارد بالقدر نفسه من القوة أن إيران ترى أن المشهد الاستراتيجي يتحول بما يخدم مصلحتها وبما يؤدي إلى تسويغ مسارها الثوري. إن البديل الذي ستختاره إيران سيتقرر وفقًا لحساباتها الخاصة، لا حسب أي تصورات أمريكية مسبقة.
حتى الآن ظلت إيران والغرب تضفيان معنيين مختلفين على مفهوم التفاوض. ففيما كان المفاوضون الأمريكيون والأوروبيون يتحدثون بتفاؤل حذر حول آفاق حصول اتفاق نووي ويمارسون أقصى درجات التحفظ في تصريحاتهم أملًا في إيجاد أجواء مريحة ومناسبة، بادر آية الله خامنئي إلى وصف المباحثات النووية على أنها جزء من صراع ديني خالد، صراع ليس التفاوض في إطاره سوى إحدى صيغ القتال حيث الحلول الوسط والمساومات محظورة. حديثًا، في أيار/مايو 2014، ولما يبق لانتهاء فترة الاتفاقية المؤقتة سوى ستة أسابيع، قيل إن المرشد الأعلى الإيراني قد وصف المفاوضات النووية بالعبارات التالية:
“ليس السبب الكامن وراء تأكيد مواصلة القتال هو ولع المؤسسة الإسلامية بالحرب والاتجار بها. من غير المعقول على الإطلاق ألا يحرص أولئك الذين يعبرون منطقة ملأى بالقراصنة، على التسلح والتحلي بالاستعداد مع امتلاك القدرة على الدفاع عن أنفسهم. في مثل هذه الظروف ليس أمامنا أي خيار سوى مواصلة القتال وجعل فكرة القتال طاغية على سائر شؤون البلاد الداخلية والخارجية. أولئك الذين يدعون إلى تقديم التنازلات والإذعان أمام المستكبرين ويتهمون المؤسسة الإسلامية بالاتجار بالحرب ليسوا في الحقيقة إلا خونة. على جميع موظفي البلاد في مجالات الاقتصاد، العلوم، الثقافة، السياسة، التشريع، والمفاوضات أن يبقوا واعين لحقيقة أنهم يكافحون ويواصلون القتال دفاعًا عن المؤسسة وفي سبيل بقاء النظام الإسلامي؛ فالجهاد لا نهائي، أبدي، لأن الشيطان والجبهة الشيطانية سيكونان موجودين إلى الأبد”.





