
منظمات إغاثية: الملايين في السودان يعانون المجاعة
أبريل 14, 2026
من كان محمداً ؟
أبريل 14, 2026نظمي لوقا
المفكر القبطي المصري المعروف*
إن أول مقياس يُقاس به صدق صاحب رسالة هو مبلغ إيمانه بها متى امتحنته الخطوب ولقي في سبيلها العنت والبلاء والاضطهاد.. إن الرسالة التي تسير بصاحبها على مهاد من الوُد، ويكون هدفها الغُنم له أو لذويه لا تدل على إيمان، بل على وصولية وطمع أو طموح. وأياً كان المقياس الذي تُقاس به دعوة الإسلام، فلن نجد فيها دليلاً واحداً ولا شِبه دليل على أن الغرض منها خدمة شخصه من قريب أو بعيد.
كان موفور الرزق موسعاً عليه، فبُدّل من ذلك ضيقاً وشظفاً.. كان آمناً في سربه، فبدل من ذلك قلقاً ومطاردة وارتياعاً.. كان موفور الكرامة والمكانة بين قومه، بالنسب الرفيع، والحسب المنيع، فبدل من ذلك إهانة وتحقيراً وازدراء.. كان وحيداً أعزل لا أمل له في نصرة أحد على قومه، وهم أئمة الشرك، وحراس الكفر، وأولياء عاصمته المستفيدون منه.
أما أهله فما كانت هذه الرسالة بأنفع لهم، وأوذوا بسبها في أرزاقهم، وفي أعمالهم، وفي أشخاصهم. وتعرضوا لما تعرض له من التهلكة أكثر من مرة. وما كان مضمون الدعوة حين يكتب لها النجاح ليضفي عليهم شيئاً من المنافع؛ فهذا الدين لا يجعل لرسوله مرتبة فوق مراتب البشر، أو حظاً من نعيم الدنيا ومتاعها فوق حظوظ سائر الناس فضلاً عن آله..كلا! فهذه نبوة وليست ملكاً، ولا وراثة في النبوة.
كلا! بل هذا الدين يمحو ما كان لقبيلة هذا الرسول قبل ذلك من سيادة وامتياز وطيد الأركان؛ فالناس في هذا الدين سواسية كأسنان المشط.. وهذا الرسول هو القائل: “لا فضل لعربي على أعجمي ولا لقرشي على حبشي إلا بالتقوى” و”إن عصبية الجاهلية موضوعة”!
دعوة لا تحمّل لصاحبها بموازين الدنيا جميعاً إلا الخسران، ولا تحمل لقومه -على افتراض نجاحها وظفرها- إلا ذهاب الرئاسة وضياع الجاه.
بل وحين كتب لهذه الدعوة الظهور وتم الفتح المبين، ولم يظفر صاحبها بمغنم، ولم يكن حظه من إقبال الدنيا إلا أقل من حظ عامة جنده وفقراء رعيته. لم يجعل لفئة من الناس فضلاً على فئة، بل صار الأمر كله للمؤمنين كافة.
لا منفعة إذن ولا شبه منفعة لصاحب هذه الرسالة من بداية دعوته حتى المنتهى. ولا تسخير للدعوة لخدمة مآرب ذاتية أو أهواء حزب من الناس أو فئة. وصح إذن أنه ما كان ينطق عن الهوى وأنه ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ﴾[النجم: ٢].
هي من هذا الوجه دعوة مبدأ وإيمان، وليست مطية هوى.
هذا الإيمان بماذا يقاس إن لم يكن مقياسه الثبات عليه في أشد الظروف حلكة وأدعاها لليأس؟ وإن لم يكن مقياسه الصبر في سبيله على المكاره؟ وإنها لمكاره من كل نوع، لعل المعنوي منها أقسى من المادي، ولعل حرج النفس فيها أعتى من الضرب والإيذاء البدني بالغاً ما بلغ من العنف.
لم يساوم هذا الرسول ولم يقبل المساومة لحظة واحدة في موضوع رسالته، على كثرة فنون المساومات، واشتداد المحن. وهناك موقف مشهور جداً من تلك المواقف، هو موقفه من عمه أبي طالب حين قال له: إن قريشاً تشدد عليه النكير بسبب ما يبسطه عليه من حمايته. وإنه -على كبر سنه – مهدد باجتماعهم على مقاطعته وعداوته. وقد قالوا له: “إنا والله لا نصبر على هذا، من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين”.
وتقدم عمه إليه بقوله :”فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق”. فهذا عمه، حصنه الأوحد وحاميه يوشك أن يتخلى عنه، ولن يكون بعد ذلك إلا الهلاك له هلاكاً مؤكداً، إما هذا وإما أن يحرج عمه ويبقى على حمايته له، فيتعرض معه للهلاك في تلك المعركة التي لا تكافؤ فيها.
وعمه.. من عمه؟ إنه الذي كفل وربى بعد هلاك الجد ذلك الفتى اليتيم، إنه الذي دلل وأعز هذا اليتيم، وأردفه على راحلته حين تعلق به صغيراً وقد تجهز للسفر إلى الشام، فلم تطاوعه نفسه أن يفارقه باکياً، وصحبه حيث ذهب. ومحمد أوفى الناس بالمعروف، وأحفظهم للوداد، وأبرهم وأقسطهم، أي حرج شعر به أمام ذلك الرجاء؟ أي تورط؟ أي امتحان لخلال البر وعرفان الجميل والنخوة؟ لو كان شيء من الأشياء ثانياً محمداً عن إيمانه، لكان هذا الحرج، ولو كان الأمر بيده بأي صورة من الصور لما صمد لهذا الامتحان، ولو كانت قوة لتزعزعه عما تجرد له لكان هذا التوسل من أبي طالب. إن الامتحان النفسي في هذا المقام، والإكراه المعنوي والضغط الأدبي لهي أعنف ألف مرة من اللطمات والبصقات التي كيلت له من سفهاء القوم.
وأطرق محمد.. وما أحسب هلاكه كان أهول لديه من تخييب رجاء عمه وكافله.. فحق لمن في مثل نخوته وبره أن يطرق ويهتم وهو يتعرض لتهمة العقوق. ثم كانت الكلمة التي لا تنطق إلا عن منتهى شجاعة الإيمان ورسوخ اليقين بما هو بسبيله: “يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته”.
من كابر في صدق هذا الإيمان، فهو مسكين لا يميز الإيمان من الدجل، ولا الصدق من الهزل.
ولم يخذل العم الشهم الكريم ابن أخيه، بل ثابر على نصره ومنعه وقال له مأخوذاً بذلك الإيمان : “اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء تكرهه أبداً”!
واحتمل آله العنت بسبب ذلك.. فكان فضل أبي طالب مضاعفاً بعد هذا اليوم الفاصل.
ثم يحضر الموت هذا العم النبيل الذي غمره بحنانه وحمايته وإحسانه صغيراً وكبيراً، حدثاً وكهلاً مطارداً مبغوضاً.. فإذا بالرسول يطالبه بأن ينطق بالشهادة كي يستحل الشفاعة له بها يوم القيامة.. فيأبى على أبي طالب حفاظاً وخشية أن يرى بشبهة الجبن أمام الموت والضعف أمام وعيد يوم الحساب.
وتحشرج الروح، ويميل على أبي طالب أخوه العباس يسمع ما يهمس به في لحظته الأخيرة، ثم يقول العباس لابن أخيه: إن المحتضر نطق بالشهادة وهو في الرمق الأخير..
وعلى شدة حبه لعمه الراحل، وتعلقه به، ورغبته في نجاة نفسه لقاء ما أحسن إليه ونافح عنه، لم تتحرك فيه خالجة، وقال بجمود الراسخ إنه لم يسمع. وغيره في مثل هذا الموقف كان حرياً أن يبادر إلى التصديق على عهدة الراوى، وهو عمه العباس. كي يجد في ذلك عزاء وسلواناً وراحة إلى أن عمه وكافله المحبوب لم يـمُت كافراً وليس مصيره جهنم ذات السعير. ولكن شجاعة الإيمان تأبى عليه هذه الراحة التي كان وزرها على سواه؛ فحينما تعرض الأمر لدعوته وعقيدته، فلا محل لمجاملة، مهما قويت بواعثها من كرائم الخلال.
أهذا شأن من يملك من الأمر شيئاً؟ أهذا شأن مَن لا تسيطر عليه قوة قاهرة، أقوى من مراده وهوى نفسه، هو إزاءها العبد المأمور؟
لذلك، هو الرسول الأمين حقاً، الذي يقول له ربه ﴿لَیۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَیۡءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. لا مساومة! وكيف يساوم من لا يملك من الأمر شيئاً؟
ها هو ذا يدعو القبائل في موسم الحج إلى ربه، يقف بمنازلهم. فمنهم من يعرض ومنهم من يسخر. وها هو يقف يوماً على منازل بني عامر، ويتكلم في يقين وبسلطان.. وأي سلطان أعلى من سلطان اليقين بالعزيز ذي الجلال؟ ويبهر كبير القوم بما سمع، ويراها فرصة يجدر به أن يهتبلها عسى أن تكون لقومه بذلك الداعي رئاسة أو يحدث لهم ذكراً وجاهاً. فيقول له : “أي محمد! أفإن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك”؟
مساومة معقولة لدى امرئ يعرف المساومة فإنه يطلب إلى قوم أن يتبعوه ويمنعوه حتى يبلغ أمانة الله ويؤمن به الناس كافة، وفي ذلك من البلاء والمشقة ما فيه. بل فيه من الهلاك للأنفس والأموال ما فيه، وفي منطق المساومة وتبادل المنافع لابد من مقابل لكل خدمة تؤدَّى أو منفعة ترجى.. فليكن الأمر إذن كما يطالب به شیخ بني عامر. فهو عرض معقول، يصلح أساساً على كل حال للمدارسة بين الطرفين.
ولكن محمداً لا يساوم، ولكن محمداً مأمور ليس له من الأمر شيء، ولكن محمداً لا يرى الإيمان بالله منة للمؤمنين على الله ورسوله؛ بل منة لله على المؤمنين.. هداهم من ضلال، ونصر الله حق عليهم كفاه هذا الفضل العميم، وشتان بين هذا المنطق ومنطق المساومة. وكان محمد وحيداً لا يكاد يجد لدعوته سميعاً، وكان محمد مطارداً لا يجد مانعاً ولا نصيراً، ولكن محمداً لم يقبل المساومة في أمر هو من شأن الله وحده، وهو لا يملك من الأمر شيئاً.
“الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء”! ما هذا قول مغامر مساوم مداور، هذا قول لا يصدر إلا عن شجاعة إيمان نادر، سلطان إيمانه عليه قاهر، لا حيلة له فيما يأخذ وفيما يدع.
وأكثر من هذا لا يهتز له إيمان محمد.. هؤلاء ذؤابة قومه قريش يجتمعون عند الكعبة ويرسلون إليه، ويقول قائلهم له : “يا محمد! إنا واللات ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك. فإن كنت إنما جئت بهذا الحدث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تريد به الشرف فينا فنحن نسوِّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نُعذر فيك”.
هو إذن ملك حاضر بغير عناء أو جهاد أو انتظار، وثراء ماثل لا ضرورة معه لجهد أو اصطبار؛ فما يبتغي مغامر نفعي سوى ذاك؟ وأي مساومة هذه؟ إنها أشبه بالتسليم المطلق من كل قيد، إلا أن يدع ما هو بسبيله من الدعوة، ودون هذا خرط القتاد، ودون هذا شجاعة الإيمان التي ما كان عن سواها يصدر جوابه على تلك المساومة التي يسيل لها اللعاب.
“ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثنى إليكم رسولاً وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر به حتى يحكم الله بيني وبينكم”.
كلام العبد المأمور الذي ليس له من الأمر شيء، كلام الرسول المكلف بالبلاغ الأمين، ولا مأرب له من وراء دعوته، وقد استنفدت المآرب في ذلك العرض الذي شمل كل شيء، من الجاه العريض إلى الملك العضوض. ولكن معاذ الإيمان، وشجاعة الإيمان. ما الملك؟ وما الجاه؟ وما الثراء؟ هباء هي، أو أهون من الهباء. وفي أي وقت يقول هذا؟ وفي ثبات من لا يشعر أنه يفعل أمراً خارقاً أو يهم بمقاومة إغراء تحشد الحماسة من جوانب النفس لملاقاته؟
في وقت عزّ فيه النصير، وطارده السفهاء بالأذى في قريش وغير قريش أينما ذهب يقوم بأمانة الدعوة، حتى بلغ منه الضيق مبلغه وحزبه الأمر، وصاح ذات يوم بصوت يخنقه البكاء :”اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي! ولكن عافيتك هي أوسع لي! أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك”.
أي شيء هذا إن لم يكن غاية الغايات من شجاعة الإيمان؟ ضرب وشج وتحقير في كل مكان، حتى يصرخ هذه الصرخة من قلب صديع، ثم لا يعنيه من ذلك شيء، سوى خوفه أن يكون بالله عليه غضب! فإلا يكن ربه غاضباً عليه فهو لا يبالي! ثم يمنى بانقلاب الحال إلى ملك مؤثل وثراء مذلل، فلا يفكر في شيء من ذلك طرفة عين، ويعرض عنه بغير مبالاة.
فإلا يكن هذا هو الصدق الصادق، فقد ارتكست مقاييس تجعل من صاحب هذه المواقف ومثيلاتها مساوما مغامراً طالب مغنم.
وسلام على المنصفين المقسطين الذين لا يجرمنهم شنآن قوم على ألا يعدلوا، وسلام على الصادقين.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* مفكر مصري نصراني مشهور، له عدة مؤلفات في الأديان وعلم النفس والفلسفة، شغف منذ صباه بحضور مجالس المسلمين وتذوق القرآن الكريم، وله كتب رائقة بديعة في الدفاع عن الإسلام ورسوله منها: (محمد الرسالة والرسول)، و(محمد في حياته الخاصة)، و(أنا والإسلام)، توفي سنة (1987م)، وقد عاقبته الكنيسة المصرية بالحرمان، ولها فيه أقوال وإشاعات بغيضة.
نظمي لوقا، محمد الرسالة والرسول، ط2 (القاهرة: وزارة التعليم المصرية، 1959م)، ص157 وما بعدها.





