
وقفات مع الفئة المستسلمة!
نوفمبر 4, 2025
اقتحامات واعتداءات متواصلة من الاحتلال في مدن الضفة
نوفمبر 5, 2025عماد إبراهيم
مدير مشروع بصيرة الدعوي
يا أمتي إن الجهاد هو الهُدى … والنورُ والإيمانُ للأجيال
هو ذروةٌ لسنامِ دينِ مُحمَّدٍ … وبه نصونُ الدينَ من إخلال
وبه نصون عقيدةً وشريعةً … وبه نصون العِرضَ من أهوال
الحمد لله معز أوليائه المؤمنين، وناصر المستضعفين ومعلي راية الدين، وقاهر المتجبرين، والآمر بالجهاد في سبيله إلى يوم الدين، والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه، نبينا وقدوتنا وقائدنا محمد ﷺ إمام المجاهدين وخاتم الأنبياء والمرسلين. وبعد..
فهل حقاً انتصرت المقاومة في غزة؟
أم أننا نعيش حالة شعبية من “جبر الخواطر المنكسرة” ومواساة النفوس التي طال عليها أمد الشقاء والإحباط واليأس والركون إلى القنوط؟
أيُعَدُّ انتصارًا مجرد تحرير بعض من الأسرى من سجون الاحتلال، أو إطلاق بضع رشقات هنا وهناك من الصواريخ، يعقبه بعض العمليات التفجيرية للآليات والمجنذرات، في وقت نعلم جميعاً أن هذه الوسائل -برغم إمكانية تطورها وزيادة عددها مستقبلاً- لن تستطيع مواجهة ترسانة عسكرية هائلة لأعتى جيش في المنطقة، تمتلكه أقوى دولة في الشرق الأوسط من الناحية السياسية والاقتصادية والتخطيط، وهي مدعومة من قوى عالمية كبرى عاتية، ومن نظام دولي بلغ غاية المدى في التواطؤ مع المخطط الصهيوني لإقامة ما أسموه “دولة إسرائيل الكبرى”؟!
ذلك سؤال يتردد على ألسنة الكثيرين ويدور في أذهان الأكثر من القريب قبل البعيد، وربما تكون أنت عزيزي القارئ وأنا شخصياً ضمن هؤلاء!
ما حقيقة ما حدث خلال عامين من الطوفان؟ وإلى أي مرتبة يرتقي؟ هل يمكننا تقديم تقييم منطقي متزن وحساب عقلي رصين نستطيع من خلاله تقدير مدى تحقق الأهداف في ضوء النتائج الميدانية؟ كم عدد القتلى من الطرفين؟ وما حجم الخسائر هنا وهناك؟ وإلى أي مدى يمكن أن تصمد كل من القوتين أمام الأخرى؟ وكم يبلغ المخزون الاستراتيجي لكلا المعسكرين؟ وهل تحققت المصالح المرجوة؟ وبأي قدر من المفاسد المقابلة؟ وبأي معيار يمكن موازنة المصالح المتحققة بالمفاسد الواقعة؟
جميعها تساؤلات تبدو منطقية وواقعية إلى أبعد حد، وبرغم ذلك تخلو من المضمون الصحيح السليم الذي يؤيده الواقع والتجربة ويؤكده الحق النابع من الوحي السماوي المعصوم؛ فكل سؤال منها كمسدس صوت يصم الآذان بدويّه ويخطف الأبصار ببريقه، ثم يتبدد كسحابة ترمق بالبرق وتقذف بالرعد دون أن تنضح بقطرة ماء واحدة!!
من الذي يجرؤ على الادعاء بأن النتائج العسكرية لا تُقاس سوى بالأرقام التي تحصي أعداد القتلى وتقدر حجم الخسائر المادية؟ ومن يتهور بإصدار أحكام سريعة حول مستقبل القوى ومدة صمودها المتوقع بمجرد النظر إلى حجم العتاد الحربي والمخزون التسليحي وأعداد المقاتلين وغير ذلك؟! ثم بأي ميزان من الموازين تُقدّر المصالح والمفاسد في مثل هذه القضايا، التي يُفترض أن يناط النظر فيها أصلاً بعلماء الأمة والصالحين والحكام الذين يمتلكون رؤية مستقيمة نابعة من هوية الأمة ومحققة لآمالها وأهدافها، والذين نفتقدهم كثيراً في زماننا هذا؟! لقد أصبح لكل فرد في الأمة ميزانه الخاص الذي يرى أنه الميزان الذي نزل القرآن ليحكم به!
لن أتطرق إلى حجم الخوف والذعر الذي استولى على المستوطنين اليهود، والذي تعكسه على أرض الواقع تلك الحملات الإعلامية الضخمة التي شنتها الدولة الصهيونية لطمأنة شعبها وغرس الطمأنينة في قلوبهم تجاه دولتهم التي يرونها تتخبط بعد أن رأوا “القبة الحديدية” تتهاوى بسرعة مروعة. لن أتحدث عن هذا الأثر البادي للعيان، ولا عما سيترتب عليه حتماً من هجرة معاكسة قد تكون سبباً على المدى البعيد في انهيار فكرة قيام الدولة الصهيونية من جذورها ثم انهيار المشروع كله.
ولن أتحدث عن هيبة “إسرائيل” التي تعتمد عليها اعتماداً كلياً في إخضاع العرب وكسر إرادة زعمائها لتحقيق أهوائها، تلك الهيبة التي تداعت بالفعل أمام الصمود الأسطوري لشعب أعزل ومقاومة محاصرة من القريب قبل العدو.
لن أخوض في شيئاً من ذلك كله برغم وضوح آثاره وقرب ثماره، لكنني سأمضي بالحديث إلى المدى الأبعد لهذه الانتصارات العظيمة والثبات اللافت الذي لا يبلغه العقل، وهو المدى الذي أظنه يزعج أنظمة العالم المنافق شرقاً وغرباً، وربما يدفعها للاعتراض على “دولة الاحتلال” والتبرؤ منها للحفاظ على عروشهم -بطبيعة الحال دون تقديم أي دعم حقيقي للمقاومة- خوفاً من تحقق الثمرة الأعظم للمقاومة، ألا وهي تقديم النموذج الذي يُحتذى به لتحقيق النجاح الذي طالما حلمت به الشعوب كثيراً ولم تبلغ منه شبراً واحداً!
إن شعوب الأمة الإسلامية اليوم تعيش حالة من القنوط وفقدان الثقة في كل التجارب والنماذج التي مرت بها خلال عقود من الزمن، سواء تلك التي اتخذت من العمل السياسي مسلكاً للتمكين، أو تلك التي انتهجت الجهاد لانتزاع النصر وتحقق التمكين من بين أنياب الوحوش والطغاة، أو تلك التي اعتمدت منهج التغيير التدريجي الثابت الذي يسير بالأجيال عبر العملية التربوية المدعومة بالوسائل الدعوية في طريق الإعداد طويل الأمد، فجميع النماذج والتجارب مضت ولم تحقق للشعوب ما تتطلع إليه.
لا أقول إنها انتهت إلى الفشل، فهذا أيضاً حكم اليائسين العاجزين المفلسين من كل رؤية منصفة، فما من حركة إسلامية أيّاً كان منهجها إلا وقد حققت للإسلام من الخير ما يذكر ويخلد، غير أنه -لأسباب ليس هذا مكان بسطها ولا موضع سردها- غلبت المفاسد في مرحلة من مراحل كل حركة على المصالح التي سعت إليها، فتقلصت النتائج وتقلصت معها الآمال التي دأبت الشعوب على الحلم بها، وحل محل الثقة اليأس والإعراض.
يا إخوتي أهل العقيدةِ ما لكم… وسبيلَ أهلِ الغيِّ والأقوال!
أوَ قد ظننتمْ أن تنالوا عِزَّةً … بِسلامةٍ تدعو إلى الإذلال؟!
أم قد ظننتم عِزَّ دينِ مُحمَّد ٍ… يأتي بأقوالٍ بغيرِ فِعال؟!
إن الأحرار من أبناء الأمة اليوم في حالة من الترقب والانتظار؛ انتظاراً لما قد تفصح عنه النتائج القريبة لهذه المقاومة؛ وهم يرون الصراع الدائر ويبصرون المعركة المحتدمة بعين غير تلك التي ينظر بها النظر الفاتر للمُنَظِّرين المحبوسين في أقفاص الأطر الكلامية الجافة العقيمة، إنهم يبحثون عن الطريق القويم لا سواه، إنهم لا يسألون عن أقرب طريق للخلاص بقدر ما يبحثون عن أقوم السبل للنضال وأعدلها، إن الأحرار من أبناء الأمة قد اكتووا كثيراً بنار الرؤى المزيفة والتجارب الفاشلة؛ لذلك فهم لا يأملون إلا أن يجدوا نموذجاً يثبت الواقع أنه النموذج الأكمل والأمثل، وحينها لن يتوانوا عن استنساخه والسير على منواله. حتى يصلوا إلى المحطة الأخيرة من طريق التغيير.
وليس في التجارب المعاصرة -على ما حققته من إنجازات لا نقلل من قيمتها- تجربة واحدة نجت من الإخفاقات وثبتت أمام التحولات واستعصمت بالرشاد وأُلهمت التوفيق والسداد مثل هذه التجربة الأصيلة العريقة والفريدة، تجربة المقاومة الفلسطينية، ولا سيما في طورها الإسلامي الأخير المتمثل في حماس والجهاد الفلسطيني؛ ومن هنا ينبثق السؤال الذي يحي الأمل في قلوب الشباب ويُفجر الرعب في قلوب أنظمة العار والدمار: لماذا لا يكون هذا السبيل –سبيل المقاومة الرشيدة– هو طريق الخلاص للأمة العربية جمعاء؟ وما الفارق بين العدو الذي يحتلنا والعدو الذي يحتل القدس وفلسطين؟ أليس هؤلاء صهاينة العرب كما أن أولئك صهاينة اليهود؟ ومتى فرق المسلمون بين ابن سلول وأبي لهب لمجرد أن الأول كان يحمل هوية المسلمين والثاني بهوية قرشية مشركة؟ ما الفرق الجوهري الحقيقي بين نظام يحاصر غزة من الشمال وآخر يحاصرها من الجنوب؟ أليس المشروع واحداً؟!
إن انتصار المقاومة اليوم في حجمه الراهن انتصار جزئي، لكنه بالنظر إلى المستقبل البعيد فتح مبين، وقد أنزل الله تعالى قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] في طريق العودة من الحديبية وقبل فتح مكة بعامين، وسواء كانت الحديبية هي الفتح، أو كان الفتح هو فتح مكة ولم تكن الحديبية إلا مقدمة له؛ فإنّ الآية تتنزل بفحواها على واقع هذه الانتصارات، فهي مقدمة للانتصار الكبير وللفتح المبين، وهذا في منطق الصراع وتاريخ التدافع أمر محفوظ في ذاكرة التاريخ، أمّا هذه الطريقة التي يفكر بها البعض فليست من التفكير العلميّ في شيء، ولقد رأينا من قبل أبواق الميديا في مختلف الأمصار يستنكرون على المقاومة أنّها تضرب الصواريخ (الفشنك!) على تلّ أبيب فتجلب الغارات والمجازر على (الشعب المسكين الآمن!) وكم صرخ المشايخ: أين المصالح والمفاسد؟ أين حقن الدماء؟ وكأنّ العدو المحتل سيتوقف عن المجازر إذا تخلت المقاومة عن سلاحها وعن جهادها!
يا إخوتي إن الجهاد هو الذي … يُلقي بِهامِ الكفرِ في الأوحال
إن الجهاد طريقنا وسبيلنا … وسبيلُ أُسدِ الله والأبطال
أما القعودُ عن الجهاد فخِدعةٌ … بل حيلةٌ لِمُراوغٍ مُحتال
إن الصراع لا يُدار بهذه النظرة الانهزامية، وإن النصر والتمكين ثمرة لجهاد مستمر وعمل تراكمي متواصل، وإن الأمور لا تُقاس بهذه النظرة العاجزة القاصرة، وإن الشباب ليفهمونها بطريقة أيسر؛ لأن عقلية الشباب لم تتلوث بالثقافات المشوشة ولا بالتنطع الفلسفيّ، ولسوف يأتي اليوم الذي يزول فيه هذا “الكيان اللقيط” ويزول بزواله كل عملاء هذا الكيان ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
إنَّ هؤلاء الشهداء قد اتخذهم الله، ليس هذا وحسب، بل إنَّ الله تعالى صنع هذا الحدث وأوقع هذا البلاء لأجل أن يتخذ هؤلاء، أن يتخذهم شهداء، إنها لَقِيمة -وإن عجز عن إدراكها والإحاطة بها شعورنا البارد وتفكيرنا الباهت- ذات ثقل في ميزان رب العالمين، الذي خلق الخلق ويعلم وحده مقاديرهم ومنازلهم، فلئن كان النبي ﷺ ومَنْ حولَه من كبار هذه الأمّة يدخرون حمزة للملمات، ويعدون مصعباً للنائبات، ويعولون في مستقبل أيامهم على شباب في جمال الزهور وجلال البدور؛ فإنَّ الحقَّ تبارك وتعالى قد سبقت مشيئته بأن يسبق هؤلاء إلى جواره، فليسكت الكل وليمسك الجميع، فإنَّ من وراء ذلك تدبير العليم الخبير.
لكن لا تجعل سحر هذه الحقيقة يذهلك عما وراءها من أبعاد وآماد؛ وحاول أن تخلص من أسر المشهد الخلاب لترى ما لم يره الكثيرون، لترى البشرى التي لم تكن تتوقعها، إنَّ هؤلاء الشهداء مقدمة لحادث مزلزل سوف يكون له أثره الهائل في التحول الحضاريّ الكبير على هذا الكوكب، إنَّه حادث المحق للكافرين؛ وهو حادث قريب جداً من مشهد اتخاذ الله للشهداء: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 140-141]. فاتخاذ الله للشهداء مقدمة لمحق الكافرين ونصر المؤمنين.
وقد تواترت شهادات التاريخ، وتحدرت من كل صوب مكاني وزمانيّ؛ لتصب كلها في مسلمة واحدة وهي أنَّ دماء الشهداء في كل أمة تكون مقدمة لبناء حضارة إنسانية راقية على حطام دولة الظلم والبغي والعدوان.
فأبشروا واستبشروا وأعدوا واستعدوا وامضوا قدماً ولا تهنوا؛ فإنّ الله تعالى أحب أن نميط عن أنفسنا الوهن والحزن؛ فقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]، والله أكبر والفردوس للشهداء.
والحمد لله رب العالمين.





