
بيان إلى أمة الإسلام حول القتل بالبرد في غزة
ديسمبر 16, 2025
بيان في التحذير من التطاول على صحابة رسول الله ﷺ
ديسمبر 18, 2025حازم صلاح أبو إسماعيل
فك الله أسره*
فقه سيدنا أبي بكر الصديق يذكّرنا بفقه كل صحابي من الصحابة، الأمر لا يقوم على العنترية.. الأمر يقوم على الفقه، والذي يلفت نظري في خلافة سيدنا أبي بكر أنه كانت هناك نقلة كبيرة جدًا: رئاسة الدولة كانت نبوة يُوحى إليها، أن يكون رئيس الدولة موحَى إليه من رب العالمين، ثم آلت إلى رجل لا يُوحى إليه..
فكانت خطبة لسيدنا أبي بكر عبارة عن منظومة من الفتاوى المحكمة التي أصدرها، فلما غدا في صباح اليوم التالي وأثناء سيره قال له أحد من الصحابة واحد من المسلمين: “يا خليفة الله” فقال أبو بكر: “أنا لست خليفة الله، أنا خليفة رسول الله ﷺ”!
هذه الكلمة التي قد نراها بسيطة هي أبواب في الفقه الدستوري، مجلدات اسمها: الفارق بين الحكومة الدينية والحكومة المدنية، الفارق بين الحكم الثيوقراطي والحكم الديمقراطي، بين أن يكون الإنسان حاكمًا بالحق الإلهي، أو حاكمًا بحق بشري مُستقى من الناس، أبو بكر يقول هذا الكلام، ومع الأسف هناك عقول تأخذ هذا الكلام على أنه موعظة: أنا لست خليفة الله أنا خليفة رسول الله، فإذا بها أبواب محترمة من الفقه الدستوري، تكفي للرد على العلمانيين الذين يجهلون الثقافة الإسلامية.
العملة الموحدة في عهد الصديق
كذلك عندما يقف أبو بكر الصديق ليلقي هذه الخطبة كمنظومة من الفتاوى يحدد العملة، العملة الموحدة: يا جماعة أنتم فيكم ناس من عائلة كبيرة، وناس أقوياء، وناس عندهم أموال، وناس ضعفاء، اتركوا هذا كله، لأني غيّرت العملة! وأنا أذكر أن بعض البلاد لما أرادت أن تصادر أموال الناس غيرت العملة، وقالوا مَن عنده مليون جنيه يأتي بها ويودعها في البنك، ويستلم مليون جنيه جديدة، فلما وجد الناس أن ما معهم من الأموال سيصبح بلا قيمة، اضطروا للذهاب للبنك كي يبدلوا العملة، فذهبوا فصودرت أموالهم ظلمًا وعدوانًا، والحاكم الذي فعل هذا حاكم أحد الدول العربية، أبو بكر الصديق أراد أن يصادر هذه العملة، فقال لهم هذه العملة التي سوف أنتهجها، أو سوف تصير، لها قيمة اسمها الحق:
“والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله”.
فأصبحت العملة أن الإنسان المبطل أو الظالم يمشي خائفًا، قوي.. ضعيف.. غني.. فقير.. يمشي خائفًا، والإنسان الذي لم يظلم بل له حق فهو قوي سواء كان ضعيفاً أو قوياً أو غنياً أو فقيراً.
لماذا أصر الصديق على إنفاذ بعث أسامة
النقطة الثانية: هو لا يقول مواعظ بل يقول لهم مثلًا عن الجهاد في سبيل الله إن الروم إذا لم تُغز غَزت، وهذا يفسر لي شيئاً قد يكون غير مفهوم لدى البعض:
لماذا أصر الصديق على إنفاذ بعث أسامة؟
الموضوع أن رسول الله ﷺ جهّز جيشًا على رأسه أسامة بن زيد، وأمره أن يذهب لقتال الروم، لماذا أسامة بن زيد الشاب الصغير يقود جيشًا فيه أبو بكر وعمر وأكابر الصحابة؟
فإذا بك ترى أن الذي قتل أبا أسامة زيد بن حارثة هم الرومان، قتلوه في غزوة مؤتة، فكان أول شهيد في هذه الغزوة، حيث كان القائد الأول “فاستشهد زيد، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة”، فلما أراد النبي ﷺ أن يرسل إلى الروم قائدًا للجيش، جاء بابن الشهيد، وجعله قائدًا على الجيش ليدرك ثأر أبيه، ليس هو وحده بل ليرى المسلمون أن القائد الجديد هو ابن القائد القديم لن يتركوه يُقتل.
عندنا في الجيش يقول لك: أبناء الشهداء يُعفون من الخدمة العسكرية، لماذا ابن الشهيد يأخذ إعفاء من التجنيد؟ يقول لك يكفي أن أباه قُتل في الحرب! ولو كنت مكان أبي بكر الصديق –والحمد لله أني لم أكن مكانه في هذا الموقف العصيب- لم أقدم على ذلك، ولكنه أصر وأنفذ بعث أسامة بن زيد.
سبب الخلاف على قيادة أسامة بن زيد
وقد كان الخلاف حول سيدنا أسامة بن زيد في أمرين:
الأمر الأول: أن يُستَبدل لأنه صغير في السن، وإن كان الرسول قد اختاره فقد كان ذلك في حياة الرسول، أما الآن فقد تغيرت الظروف.
والثاني: أن هذا ليس وقت إرسال البعث، فقال الصديق: “والذي لا إله غيره لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشاً وجّهه رسول الله ﷺ، ولا حللت لواء عقده رسول الله ﷺ”، يعني لو وصل الأمر بالعدو أن يدخل المدينة لأفعلنّ هذه الأمور.
الحدة والغضب في شخصية الصديق
كان عند سيدنا أبي بكر شيء من الحدة على عكس ما يتصور الناس؛ قيل إنه جبذ سيدنا عمر من لحيته، وقال: ما أردت إلا خلافي، ولما تكلم عروة بن مسعود في صلح الحديبية فتجرأ وأمسك برسول الله ﷺ من لحيته فيضربه المغيرة بن شعبة على يده، ثم قال عروة: “إني أرى وجوهاً وأرى أشواباً من الناس خُلقاء أن يفروا ويدعوك”، أي: يا محمد هؤلاء الذين يقفون معك الآن عندما يحصل شيء كبير لن تجدهم حولك بهذا الشكل، فيقف الصديق ويقول: “أنحن نفر عنه وندعه”، أنحن نتركه؟ وقال له كلمة لا أستطيع قولها أهان بها عروة بن مسعود.
هذا الذي قام هذا المقام نفسه هو سيدنا أبو بكر الذي وضع الحصاة في فمه حتى إذا أراد الكلام عطّلته فيخاف أن يبتلعها، فيسأل نفسه لماذا وضعت هذا الأمر المتعب فيتذكر أنه لكي يحكم لسانه! وكان يمسك بلسانه ويقول: “هذا الذي أوردني المهالك”.
ولما كانت قصة السيدة عائشة رضي الله عنها هو الذي حلف، فليس أبو بكر كما يتصور الناس فقط.. هذا الإنسان الهادئ، لا بل كان متفجراً أيضاً فكان فيه رضي الله عنه اندفاع القوة، لكن على خلاف طريقة عمر بن الخطاب، الفاروق رضي الله عنه.
نوعية الجند في جيش الصديق
على كل حال هذا الكلام العظيم عن سيدنا أبي بكر وقدرته على تحريك كل هذه الجيوش في الحقيقة يستدعي درجة الوثوق في نوعية الجند في الدولة الإسلامية، هؤلاء الصحابة هو متأكد أنهم معه.. لن ينتقدوه ويقولوا له: كيف ستحارب في إحدى عشرة جبهة في ذات الوقت؟ بالإضافة أنك ستحارب الرومان القوى العظمى؟ لكنه يعرف طبيعة من معه من الجنود، لا يراعي توازنات، هو يعلم أن من معه سامعون مطيعون.
مفهوم الورع الكاذب
ومن النقاط المهمة والتي ينبغي التأكيد عليها: أننا لا نقول ذلك من باب التحمس للصحابي، نحن ننقل جوانب فقه فعلًا لكي نفهمه..
من جوانب العظمة في حياة الصديق والتي لا ينتبه لها كثير من الناس، أنه لم يكن عنده الورع الكاذب، اليوم لو ذهبت إلى مكان لأداء صلاة الجمعة، وجاء وقت خطبة الجمعة، أنا أستحيي أن أتقدم وهناك داعية آخر موجود، أقول له تفضل فيقول لي تفضل أنت، وعندما تأتي وتقول لي: تولّ أنت الشيء الفلاني أقوم أنا أتورع وأقول لا، إنما أبو بكر الصديق لأنه يعلم أنه يحسم اختلافات: تُفاجأ منه بأمور عجيبة جدًا!
مثل موقفه الحاسم بعد خبر موت النبي ﷺ، وفي سقيفة بني ساعدة رُوي أن عمر همّ أن يتكلم فأسكته أبو بكر وقال: “فبايِعوا عمر، أو أبا عبيدة بن الجراح”، فقال عمر: “بل نبايعك أنت؛ فأنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ، فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس” فيقبل الخلافة فورًا ولا يرفضها لأنه ينقذ موقفاً في طرفة عين، وكان من الممكن لو قال لا أنا لست بخيركم والتي قالها في الخطبة بعد ذلك، كان من الممكن أن يخرج مائة اقتراح، ولكنه قبل البيعة، ولم يستعمل الورع الكاذب.
هذا إنسان فقيه أراد أن يحسم أمر الأمة، عمر بن الخطاب على جلالة قدره قال لا أحملها أي الخلافة حياً وميتاً، ولم يرشح أحداً بل اقترح ستة يختار الناس الخليفة منهم، أما أبو بكر لما أتته المنية كتب ورقة وقال بايعوا لمن في هذه الصحيفة شخص واحد، يا أبا بكر أتحملها حيًا وميتًا قال نعم أنا مسئول أنا اخترت لهم أرضاهم لله، لأنه يعلم أن قتله بداية الفتنة فلم يرد أن تبدأ الفتنة بقرار منه، ولم يلجأ إلى الورع الكاذب الذي يجعله يقول أنا سأموت المسألة انتهت.
فلو أنت طيار ماهر وموجود في طائرة ووجدت أن الطائرة ستقع وأنت أقدر من الطيار وأقدم منه ورئيسه تقول له تفضل؟ بل تقول له اترك لي القيادة لأن الموضوع حياة أو موت!
فحينما يعرف أبو بكر رضي الله عنه يتقدم، حتى لما أشهر سيدنا عمر السيف وهدد من يقول إن محمداً مات أنه سيضربه به، قال سيدنا أبو بكر: “من كان يعبد محمداً فإن محمد قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولࣱ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِی۟ن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰۤ أَعۡقَـٰبِكُمۡ﴾ [آل عمران: ١٤٤]”..
قال: “محمد قد مات”، ألا يوجد تعبير لطيف مثلاً: محمد انتقل إلى الرفيق الأعلى، أو ذهب إلى ربه مرضياً، لم يقل ذلك، حتى قيل إن سيدنا عمر لم تحمله قدماه فوقع على الأرض.
إن حسم المواقف كان ظاهراً في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- المقال مقتبس من عدة مواضع من حلقة حوارية متلفزة شارك فيها الأستاذ الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل، موقع إلكتروني (يوتيوب) منشورة في 12-5-2020م، بعنوان: أبو بكر الصديق 2 برنامج مصابيح الهدى.





