
سيد قطب في ظلال القرآن (4/4) – مؤلفاته وآثاره
نوفمبر 13, 2025
غارات الاحتلال داخل الخط الأصفر بقطاع غزة
نوفمبر 14, 2025بقلم: د. محمد الناهي – سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ- اليمن
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، ناصرِ الحقِّ وأهلِه، ومعزِّ المؤمنينَ بصبرِهم وثباتِهم، والصلاةُ والسلامُ على إمامِ الصابرينَ وسيِّدِ المرسلين، نبيِّنا محمدٍ ﷺ، الذي قال: “وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”.
غَزَّةُ… دُرَّةُ الصَّبْرِ فِي زَمَنِ التَّخاذُل
مدينةٌ تُقْصَفُ في النهارِ وتُصلِّي في الليلِ، تُحاصَرُ فلا تَجُوعُ أرواحُها، وتُدمَّرُ بيوتُها فلا تَنهدمُ قلوبُها.
صغارُها يَحملونَ حجارةَ الأرضِ وكأنّها مفاتيحُ السماءِ، ونساؤُها يَودِّعنَ أبناءَهُنَّ بالبكاءِ والرضا معًا، ورجالُها يُصلُّونَ تحتَ القصفِ وكأنّهم على أبوابِ الجنةِ.
يُرادُ لهم أن يَضعفوا، فيزدادونَ قوّةً.. يُرادُ لهم أن يَخافوا، فيزدادونَ إيمانًا.. يُرادُ لهم أن يَستسلموا، فيزدادونَ يقينًا بأنّ وعدَ اللهِ حقٌّ. قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْۚ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلهُدَىٰۗ﴾ [البقرة: 120]. فغَزَّةُ اليومَ تذكّرنا بأنّ الثباتَ على الطريقِ هو النصرُ الحقيقيّ، حتى وإن لم تُرفَعَ الراياتُ بعد.
صَبْرُ الأَنْبِيَاءِ.. مَنَارٌ لِكُلِّ صَابِرٍ
يا شبابَ الأمة، تعلّموا الصبرَ من نُوحٍ عليه السلام الذي لبثَ في قومِه ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا، يدعوهم إلى اللهِ ليلًا ونهارًا، فلم يَضعفْ ولم يملّ. وتعلّموا من إبراهيمَ عليه السلام حين أُلقي في النارِ فقال بطمأنينةِ الإيمان: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ؛ فجعلَها اللهُ عليه بردًا وسلامًا. وتعلّموا من يوسفَ عليه السلام حين أُلقِي في الجُبِّ وظُلِمَ في السجنِ، لكنه خرجَ من ظلمةِ الابتلاءِ إلى نورِ التمكينِ. وتعلّموا من أيوبَ عليه السلام الذي ضَرَبَه البلاءُ في جسده وأهله وماله، فما قال إلا: ﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 33]؛ فكشفَ اللهُ ضُرَّه، ورفعَ قدرَه. وتعلّموا من محمدٍ ﷺ الذي أُوذيَ وطُرِدَ وحُوصِرَ وقاتَلَه قومُه، ثم خرجَ من مكةَ مهاجرًا، ليعودَ إليها فاتحًا، رافعَ الرأسِ يقول: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ”. فأيُّ صبرٍ أعظمُ من هذا؟!
الصبر طريق النصر
إنّ المكر مهما اشتدّ، لا يصمد أمام صبر المؤمنين وثبات الصادقين.. لقد صبر موسى عليه السلام على أذى فرعون وبني إسرائيل، وصبر يوسف في الجب والسجن، وصبر أيوب على البلاء، وصبر نبينا محمد ﷺ على تكذيب قومه وأذاهم، حتى قال له ربه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35].
والصبر هو سلاح المؤمن في كل زمان، قال رسول الله ﷺ: “واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً”.
غَزَّةُ… وَرَثَتْ صَبْرَ الأَنْبِيَاءِ
أهلُ غزة يسيرونَ على خُطى أولئك الأنبياءِ، صبروا على الجوعِ، وعلى الخوفِ، وعلى الفقدِ، وعلى الألمِ، ومع ذلكَ لم يُبدّلوا ولم يَهِنوا. كم من أمٍّ في غزّةَ دفنت ابنَها وقالت: الحمدُ للهِ على ما قدّر هو أكرمُ مني به! كم من طفلٍ قالَ: سأحملُ رايةَ أبي ولن أركع! وكم من بيتٍ تهدّمَ، لكنَّ الإيمانَ في قلوبِهم ظلَّ شامخًا لا تهزّهُ الصواريخُ ولا يُطفئُهُ الغبارُ.
قال تعالى: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: 104]. وما بينَ أنينِ الطفلِ وصبرِ الأُمِّ وتكبيراتِ المجاهدين، تُسمَعُ في السماءِ صدى قولِهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 250].
فَهَذَا دِينُنَا: صَبْرٌ يُنْتِجُ نَصْرًا، وَثَبَاتٌ يُنْبِتُ عِزَّةً. قَالَ ٱللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ [ٱلْبَقَرَة: 155–157].
ابتُليَ أهلُ غزّةَ بكلِّ ما في الآيةِ من ألوانِ البلاء؛ خافوا فلم ينهزموا، وجاعوا فلم يتنازلوا، وفقدوا أبناءَهم فلم يجزعوا، ونُهبت أموالُهم ودُمّرت ديارُهم فثبتوا وقالوا: “إنا لله وإنا إليه راجعون”. فبشّرهم اللهُ بصلاةٍ منه ورحمةٍ وهدايةٍ، فهنيئًا لهم صبرُهم، وهنيئًا لهم وعدُ ربِّهم.
اليَأْسُ هَزِيمَةٌ قَبْلَ المَعْرَكَةِ
يا شبابَ الأمة، إنَّ الهزيمةَ النفسيةَ أخطرُ من هزيمةِ الميدانِ.. حينَ يفقدُ الإنسانُ الثقةَ بنفسِه وبأمتِه وبربِّه، يُغلقُ البابَ على أيِّ فجرٍ جديدٍ. لكن حينَ يُوقنُ أنَّ اللهَ لا يُضيعُ عملَ العاملين، يَنهضُ من تحتِ الأنقاضِ وهو يبتسمُ، ويقول: “غدًا سنزرعُ ما حُرِق، ونبني ما هُدِم، ونُكمِلُ الطريق.”
يا أبناءَ الأمةِ، خذوا مِن غزة درسَ العزيمةِ، ولا تجعلوا الهزيمةَ النفسيّةَ تتسرّبُ إلى أرواحِكم. إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى قلَّةِ العددِ، بل إلى صدقِ النِّيَّةِ، ولا ينظرُ إلى حجمِ الجرحِ، بل إلى عمقِ الإيمانِ الذي يتدفَّقُ منه النورُ. احذروا الهزيمةَ النفسيةَ، فإنها أخطرُ من القنبلةِ وأقوى من الحصارِ. من يَستسلمُ لليأسِ يُغلَقُ عليه بابُ السماءِ، ومن يُوقنُ بأنَّ اللهَ لا يُضيِّعُ أجرَ المحسنينَ، يُفتَحُ له بابُ الفجرِ ولو في ظلمةِ الليلِ.. لا تَيْأَسْ وإن ضاقتِ الدروبُ.. لا تَضعُفْ وإن خانَك القريبُ.. لا تَنْسَ أنَّ اللهَ مع الصابرينَ، ومع المؤمنينَ، ومع الذينَ لا يبيعونَ دينَهم بحُطامِ الدنيا.
غزّةُ لا تنتظرُ منَّا دمعًا فقط، بل عزيمةً تُحيي الطريقَ الذي سالتْ عليه دماؤُهم. أحِبُّوهم بالدعاءِ، وانصُروهم بالوعيِ، وكونوا مثلَهم: لا تُغلبونَ ما دامَ فيكم قلبٌ يَقولُ كما قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
وقال النبيُّ ﷺ: “مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ”. فإذا ضاقَتْ بكَ الدنيا، فاعلمْ أنَّ اللهَ يُربِّي فيكَ قوّةً لم تكنْ لتُولَدَ في الرخاءِ.
صَبْرًا جَمِيلًا مَا أَقْرَبَ الفَرَجَا ** مَن رَاقَبَ اللهَ فِي الأُمُورِ نَجَا
مَنْ صَدَقَ اللهَ لَمْ لم ينَلْه أذى ** وَمَنْ رَجَاهُ يكونُ حيثُ رَجَا
خَاتِمَةٌ إِلَى الأَجْيَالِ:
أيُّها الأبناءُ، أيُّها الشبابُ في كلِّ بلادِ الإسلامِ، غَزَّةُ لا تَطلُبُ منكم دمعًا فقط، بل تطلبُ إرادةً، ووعيًا، وحبًّا للأمة، واستعدادًا للعطاء. تعلموا من أطفالِها ألا تَخافوا الهزيمةَ، ومن نسائِها أنَّ الأملَ يُزهرُ في قلبِ الألمِ، ومن رجالِها أنَّ الرجولةَ ليستْ في السلاحِ فقط، بل في الثباتِ على المبدأ.. كونوا جيلًا يؤمنُ بالحقِّ ولو خالفَهُ الناسُ، ويعملُ بجدٍّ ولو قلَّ الناصرون.
فما أُطفِئَت شمسُ فلسطينَ يومًا، ولن تُطفَأَ ما دامَ في الأمةِ قلبٌ يَقولُ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوا ٱتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
اللهمَّ يا ناصرَ المستضعفين، انصرْ أهلَنا في غزّةَ نصرًا مؤزّرًا، واشفِ جرحاهم، وتقبّلْ شهداءَهم، وكنْ لهم وليًّا ونصيرًا.. اللهمَّ اجعلْ صبرَهم نورًا، وثباتَهم عزًّا، وجهادَهم في سبيلِك رفعةً في الدنيا والآخرة..
اللهمَّ ازرعْ في قلوبِ شبابِ الأمةِ العزيمةَ، وفي عقولِهم البصيرةَ، وفي أرواحِهم الأملَ، واجعلْنا جميعًا من الذين قالَ فيهم نبيُّك ﷺ: “عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ”.





