
الجيش السوري يعلن مسكنة ودير حافر منطقتين عسكريتين مغلقتين
يناير 14, 2026
تحالف دعم الشرعية في اليمن يشدد على جميع القوات العسكرية من عدن
يناير 15, 2026السابق بالإسلام والجامع للفضائل
د. سليمان بن عمّار الأحمر الأنصاري
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ بالجزائر
لقد أجمع أهل السّنّة على أن أفضل الصّحابة بعد النّبي ﷺ على الإطلاق أبو بكر ثم عمر، وممّن حكى إجماعهم على ذلك أبو العبّاس القرطبي، فقال: ولم يختلف أحد في ذلك من أئمّة السّلف ولا الخلف.
أتعبت من بعدك يا أبابكر، فلا سابق لك ولا لاحق بك!
أيها المسلمون الموحدون! لم يتردد القرشي الصديق في تصديق خبر قريش بإسراء النبي ﷺ فكان صديقاً، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: “لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ”، فهل نصدق رسول الله ﷺ في فضائل بيت المقدس وفضل الرباط فيه كما فعل الصدّيق؟
إن بيت المقدس مذكور في القرآن، تصريحاً وتلميحاً منها قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1] وأنه ثالث المساجد التي تشد إليها الرحال، أخبرك بذلك نبيك ﷺ، ففي حديث البخاري ومسلم من طريق أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: “لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى”، وأنه القبلة الأولى لنبيِّك لمدة 16 شهراً قبل الكعبة، وأن نبيك ﷺ قص الله تعالى عليه قصص بعض إخوانه من النبيين والمرسلين، الذين شدّوا رحالهم إلي بيت المقدس المبارك، منهم:
- إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، وخير الخلق بعد النبي العدنان، بعد أن نجّاه الله من النار ومن عبَّاد الأصنام في العراق، هاجر مع لوط عليه السلام إلى الأرض المقدسة التي باركها الله، بذلك يكون أول من هاجر من أرض الكفر والشرك إلى بلاد التوحيد والإيمان. قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71]، وقال تعالى على لسان إبراهيم: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: 99-101]. قال مقاتل: هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة، إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام”. فاستجاب الله له ورزقه إسحاق في الأرض المقدسة؛ ومن وراء إسحق يعقوب عليهم السلام جميعاً، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾[الأنبياء: 72]، ودُفن إبراهيم عليه السلام في الأرض المقدسة.
- يوسف عليه السلام الذي وُلد في الأرض المقدسة، تآمر عليه إخوته ألقوه في غيابة الجب، هو بئر في بيت المقدس ذكر ذلك قتادة كما في تفسير الطبري، وتتحقق رؤيا يوسف، بجمع شمله مع أبويه وإخوته بعد أن أصبح حاكماً نافذ الكلمة في مصر، وأوصى علماء بني إسرائيل أن ينقلوا جثمانه معهم عند خروجهم من مصر إلى بيت المقدس، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: أتى النَّبيُّ ﷺ أعرابيًّا فأكرَمه فقال له: “ائتِنا” فأتاه فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: “سَلْ حاجتَكَ” قال: ناقةٌ نركَبُها وأعنُزٌ يحلُبُها أهلي، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: “أعجَزْتُم أنْ تكونوا مِثْلَ عجوزِ بني إسرائيلَ؟” قالوا: يا رسولَ اللهِ وما عجوزُ بني إسرائيلَ؟ قال: “إنَّ موسى عليه السَّلامُ لَمَّا سار ببني إسرائيلَ مِن مِصرَ ضلُّوا الطَّريقَ فقال: ما هذا؟ فقال علماؤُهم: إنَّ يوسُفَ عليه السَّلامُ لَمَّا حضَره الموتُ أخَذ علينا مَوثقًا مِن اللهِ ألَّا نخرُجَ مِن مِصْرَ حتَّى ننقُلَ عِظامَه معنا. قال: فمَن يعلَمُ موضِعَ قبرِه؟ قال: عجوزٌ مِن بني إسرائيلَ فبعَث إليها فأتَتْه فقال: دُلِّيني على قبرِ يوسُفَ قالت: حتَّى تُعطيَني حُكْمي قال: وما حُكْمُكِ؟ قالت: أكونُ معكَ في الجنَّةِ فكرِه أنْ يُعطيَها ذلكَ فأوحى اللهُ إليه: أنْ أعطِها حُكْمَها. فانطلَقَتْ بهم إلى بُحيرةٍ موضعِ مُستنقَعِ ماءٍ فقالت: أنضِبوا هذا الماءَ فأنضَبوه فقالتِ: احتَفِروا، فاحتَفَروا فاستخرَجوا عِظامَ يوسُفَ فلمَّا أقلُّوها إلى الأرضِ وإذا الطَّريقُ مِثْلُ ضوءِ النَّهارِ”.
كليم الله موسى بعد نجاته ومن آمن معه من فرعون وجنوده؛ توجهوا إلى بيت المقدس، وعند دنو أجله ولعظم مكانة بيت المقدس وفضله، سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة كما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: “فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر”. قال رسول الله ﷺ: “فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر”.
- نبي الله يوشع بن نون، المذكور في سورة الكهف تلميحاً، فتى موسى، فتح الله على يديه بيت المقدس، وخصه الله بكرامة ليست لغيره، وهي أنه حبس الشمس له، قال ﷺ: “ما حُبست الشمس على بشر قط إلا على يُوشع بن نون ليالي سَار إلى بيت المقدس”.
- داود عليه السلام في تلك الأرض المقدسة أظهره الله على الكافرين، وأعطاه من الملك والنبوة والعلم، قال تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: 251].
- نبي الله سليمان في الأرض المقدسة، أعطاه الله وأجابه إلى دعائه ما لم يعطِ أحداً من العالمين، سخّر الله عزّ وجلّ له الريح غدوها شهر ورواحها شهر، ذهابها ورجوعها إلى الأرض المباركة، قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 81].
- امرأة عمران كانت عقيماً، دعت الله أن يهبها ولداً مفرغاً للعبادة وخدمة بيت المقدس، ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 36-37].
- زكريا عليه السلام تكفل مريم ابنة عمران في بيت المقدس، كلما دخل عليها المحراب وجد عندها فاكهة في غير وقتها، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، عندها دعا ربه أن يرزقه الذرية الصالحة، مع تقدم عمره وضعف بدنه، لتأتي البشارة من الملائكة. قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 36-38].
- فهذه نعمة عظيمة ومنة كبيرة على زكريا، أن بشرته الملائكة بيحيى باسمه في تلك الأرض المقدسة، ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 7]. يقول ﷺ: “ما من أحدٍ من ولدِ آدمَ إلا قد أخطأَ، أو همَّ بخطيئةٍ؛ ليس يحيي بنَ زكريا”. يحيى عليه السلام، أمره الله أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات ويعملوا بهن، فجمعهم في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد الأقصى وخطبهم.
- مريم عليها السلام، بشرتها الملائكة في الأرض المقدسة باصطفاء الله لها من بين سائر نساء العالمين، كما بشرتها بولد عظيم له شأن كبير من غير أب يكون نبياً شريفاً، ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45].
- عيسى عليه السلام نزلت عليه المائدة في بيت المقدس، ورُفع عيسى إلى ربه من بيت المقدس، وسيبقى ارتباطه بتلك الأرض المباركة، عندما ينزل في آخر الزمان شرقي دمشق عند المنارة البيضاء، ويدرك المسيح الدجال فيقتله عيسى عليه السلام، ووقتها ينتهي ويتوقف الصراع بين الحق والباطل في أرض فلسطين. يقول ﷺ: “فيُدْرِكُه عند بابِ لُدٍّ الشرقيِّ، فيقتلُه، فيَهْزِمُ اللهُ اليهودَ، فلا يَبْقَى شيءٌ مِمَّا خلق اللهُ عَزَّ وجَلَّ يَتَواقَى به يهوديٌّ”. أي: عيسى عليه السلام يقتل المسيح الدجال.
- رسول الله محمد ﷺ كان في مكة يستقبل بيت المقدس في الصلاة، ويجعل الكعبة بين يديه لمدة ثلاث عشرة سنة، ولما هاجر إلى المدينة استقبل بيت المقدس واستدبر الكعبة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، حتى تحولت القبلة. وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله لهذا الحديث بقوله: “باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة”.
أيها الدعاة الخيّرون، والصلحاء المربّون، والعلماء المبيّنون! نعلم أنكم مظلومون مقهورون ملاحقون، في السجون أو منفيون، تتجرعون غربة الدين في شتاتكم بين القارات، لكم في أبي بكر صاحب النبي قدوة ومواساة، فقد كان أول من ابتُلي وأوذي فهاجر لله وصبر وخرج من مكة إلى الحبشة كما في صحيح البخاري..
أيها العباد في محاريبكم، تمثلوا الصاحب أبا بكر لمـّا أكرهته قريش على لزوم بيته، فاتخذ مصلاه متعبِّداً ناسكًا، اتخذوا مصلياتكم لكم ولذويكم لعبادة الله، أخفوا صلوات نوافلكم..
يا دعاة الإصلاح الاجتماعي! كان أبو بكر صالحاً في نفسه مصلِحاً بين قومه، اجتمعت كلمة قومه أنه يؤلفهم ولا يخالفم، عاملاً بما في القرآن ﴿اِعتَصِمُوا﴾ ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾..
– أيها المتهَمون زوراً! اعلموا أن أبا بكر اتهمه قومه بفتنة نسائهم وأبنائهم في دينهم، كما اتُّهم قبلُ إبراهيمُ وهود وصالح وموسى بإظهار الفساد في الأرض.. اثبتوا على مبادئكم، أنتم ورثة إبراهيم في فأسه تهوون به على كل صنم ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 57-58]، وورثة مقلاع نبي الله داود بن سليمان تقذفون به كل مجرم مفسد.. قال سبحانه: ﴿وَقَتَلَ دَاودُ جَالوتَ وَآتاهُ اللهُ الـمُلكَ والحِكمةَ وعلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ [البقرة: 251].
أيها الصادعون بالحق، يا خطباء المنابر! سبقكم الصاحب أبو بكر وهو يلح على النبي ﷺ في الظهور بالدعوة والمجاهرة بها، حتى أذن له، فخطب في حضرته وهم يومئذ قلة 38 صحابياً، فقام المشركون إليه فضربوه ضرباً شديداً، وكان عتبة بن ربيعة يضربه بنعلين على الوجه حتى ما عاد يُعرف وجهه من أنفه، انثروا ميراث وتركة النبوة، لا تأبهوا، لا تترددوا، لا تتساقطوا في طريق دعوتكم، وقد توالت البِشارات من رب البريات: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]. وفي الصحيحين: “فواللهِ لَأنْ يهديَ اللهُ بكَ رجُلًا واحدًا خيرٌ لكَ مِن أنْ يكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ”.
وقوله عند الترمذي من طريق زيد بن ثابت: “نضَّرَ اللَّهُ امرأً سمِعَ منَّا حديثًا فحفِظَهُ حتَّى يبلِّغَهُ غيرَهُ فرُبَّ حاملِ فقهٍ ليسَ بفَقيهٍ ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هوَ أفقَهُ منهُ، ثلاثُ خصالٍ لا يُغلُّ عليهنَّ قلبُ مُسلِمٍ: إخلاصُ العملِ للَّهِ، والنَّصيحةُ لولاةِ الأمرِ، ولزومُ الجماعةِ فإنَّ دعوَتَهُم تُحيطُ مَن وراءهم”.
يا علماء هيئة أنصار النبي! أحسب -والله حسيبكم- أنكم تمثلتم من مواقف الصديق، أن كان أول من دافع عن رسول الله، فلئن فاتكم بالسبق فلا يفوتكم الدفاع عن جناب النبي ﷺ.
يا أهل القرآن وعلومه وقراءاته !أين جهادكم بالقرآن والبيان؟ فقد لازم أبو بكر النبي في جهاده بالقرآن كفار قريش: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52]. جاهدوا ضلالات المشركين واليهود والنصارى وشبهات الحداثيين.. جاهدوا المنافقين بردّ شُبهاتهم، والمستشرقين بتحريفاتهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73].
يا أغنياء المسلمين! أين جهاد أنفسكم بالبذل والعطاء من مال الله الذي آتاكم؟ كان أبو بكر سباقاً بالخير بين الناس، ببذل المال بين يدي رسول الله، قال عمر بن الخطاب: أمرَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ أن نتصدَّقَ فوافقَ ذلِكَ عندي مالًا فقلتُ اليومَ أسبقُ أبا بَكرٍ إن سبقتُهُ يومًا.. فَجِئْتُ بنِصفِ مالي؛ فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: “ما أبقيتَ لأَهْلِكَ؟” قلتُ: مثلَه.ُ وأتَى أبو بَكرٍ بِكُلِّ ما عندَهُ فقالَ ﷺ: “يا أبا بَكرٍ ما أبقَيتَ لأَهْلِكَ؟” فقالَ: أبقيتُ لَهُمُ اللَّهَ ورسولَهُ. قلتُ: لا أسبقُهُ إلى شيءٍ أبدًا.
عن أسماء رضي الله عنها قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر رضي الله عنه معه احتمل أبو بكر مالَه كله معه.. خمسة آلاف درهم، أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه. قالت: فدخل علينا جدِّي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأُراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: قلت: كلا يا أبت، إِنه قد ترك لنا خيراً كثيراً. قالت: وأخذت أحجاراً فوضعتها في كوّة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوباً ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس، إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحْسَن، وفي هذا بَلاغٌ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئاً، ولكن أردت أن أُسَكِّن الشيخ بذلك. كذا في البداية.
إنفاق أبي بكر رضي الله عنه ماله كله عند الهجرة: قال رسول الله ﷺ: “ما لِأَحدٍ عندَنَا يَدٌ إلَّا وقَدْ كافأناهُ، ما خلَا أبا بكرٍ، فإِنَّ لَهُ عِندنَا يَدًا يُكافِئُهُ اللهُ بِها يَومَ القيامَةِ، ومَا نفَعَنِي مَالُ أحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعِني مالُ أبي بِكْرٍ، ولَوْ كنتُ متخِذًا خَلِيلًا، لاتخذْتُ أبا بكرٍ خلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ صاحبَكُمْ خليلُ اللهِ”.
يا أغنياء المسلمين! أين أموالكم لأهل الأنفاق وجياع غزة ومرضاها؟ وقد بلغ عدد الشهداء حسب الإحصائيات الرسمية في حكومة غزة: 69513 والمفقودين 11200 وعدد الأيتام 57000 دون ذكر المرضى والجرحى والمشردين!
أين أموالكم في السودان لمن يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ويأكلون التراب؟ أين أموالكم لطباعة مخطوطات جهابذة العلماء وقد تكدس عليها الغبار؟ أين أموالكم لكفالة الأيتام، وطلاب العلم والمدارس القرآنية؟ أين أموالكم في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا لأقليات المسلمين؟
قال يعقوب بن سليمان في تاريخه: “حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، حدثنا هشام عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألف درهم، فأنفقها في سبيل الله فأعتق بلالاً وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والنهدية، وابنتها وجارية بني المؤمل، وأم عبيس كانوا يُعذَّبون في الله”. فأين أموالكم للمعذبين من إخواننا الروهنجيا في بورما، وإخوانكم الأويغور في تركستان الشرقية، وإخوانكم في كشمير وفي وفي…؟
أيها الحكام! أيها الأمراء والملوك! أيها الزعماء والوجهاء والساسة! أين أنتم من أبي بكر الخليفة؟ زهد في الخلافة وهو أول من أسلم، وهو أعلم الصحابة بالإسلام وأفقههم بالحلال والحرام، أين أنتم من سياسته الداخلية، فقد رشح غيره للخلافة حسما للخلاف! ولان الجانب مع المعارضة الداخلية -رغم شدتها- مع الأنصار بقيادة سعد بن عبادة وحكم بعدل: منا الأمراء ومنكم الوزراء، فأقر التشاركية السياسية وأبطل الإقصاء والاستئصال والفرقة حتى لا تذهب ريح المسلمين..
حارب أبو بكر المرتدين فعادوا إلى حظيرة الإسلام صاغرين، فلماذا تفتحون النوادي وتعتمون أحزاب وجمعيات المرتدين والطاعنين في الدين؟
أنفذ أبو بكر جيش أسامة إلى الرّوم، وكان قد جهزه رسول اللَّه ﷺ للخروج إليهم، أين جهادكم وأسلحتكم حماية لدينكم وأوطانكم وشعوبكم المقهورة؟
واجه أبو بكر أدعياء النّبوة من أمثال مسيلِمة الكذّاب والأسود العنسيّ وطليحة الأسديّ وسجاح التميمية وغيرهم فارتدوا خاسرين.. أين أنتم من حركات الردة في أرضكم، والطوائف الضالة المحادة لله ورسوله وشريعته؟ أين أنتم من ضلالة القرن (الإبراهيمية) حماية للإسلام والمسلمين؟ أين أنتم من غزة؟ شهداءها، مرضاها، جرحاها، مشرديها؟
إن عجزتم أن تتشبهوا بأبي بكر، فحاولوا التشبه بالمثنى والمقداد وخالد، إن عجزتم فحاولوا التشبه بصلاح بهارون الرشيد، وإلا محمود ونور الدين زنكي وصلاح الدين، حاولوا التشبه بالرجال فإن التاريخ لن يرحمكم!





