
النبي القائد ﷺ
مارس 5, 2026
رمضان شهر الجهاد
مارس 7, 2026د. محمد الناهي
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في اليمن
حين ينتصف رمضان، لا يكون السؤال: كم يوماً صمنا؟ بل: كم قلباً تغيّر؟ رمضان لا يأتي ليعدّ ساعات الجوع والعطش، بل ليوقظ القلوب التي أثقلها الاعتياد، ويهز الأرواح التي نامت تحت ركام الانشغال.
رمضان رسالة رحمة قبل أن يكون فريضة، ومشروع إصلاح قبل أن يكون موسماً عابراً. يزور بيوتنا وأسواقنا ومساجدنا، فإن لم يترك أثراً فيها، فالمشكلة ليست في رمضان، بل في القلوب التي لم تُحسن استقباله.
البيت وحقيقة الصيام
في البيت تظهر حقيقة الصيام. ليس عند مائدة الإفطار، بل عند لحظة الغضب، وعند كلمة قاسية كان يمكن كتمها، وعند صبرٍ يراه الأبناء فيتعلمون دون درس.
كم بيت صام أهله عن الطعام، ولم يصوموا عن القسوة؟ وكم أب وأم رفعا أيديهما بالدعاء، لكنهما لم يرفعا عن أبنائهما ثقل التوتر والحدة؟
رمضان يريد بيوتاً أهدأ، وقلوباً ألين، ونفوساً تتعلم أن العبادة أخلاق تمشي على الأرض.
في السوق يظهر صدق الصيام
في السوق لا تختبئ النيات. إما صدقٌ في الميزان، أو خيانة باسم الحاجة. إما رحمة بالناس، أو استغلال لرمضان لرفع الأسعار وكسر الضعفاء.. رمضان لا يقبل أن نجوع ساعات، ثم نشبع ظلماً. ولا يرضى أن نرفع أصوات التراويح، ونخفض ضمائر المعاملات.
الصيام الحقيقي أن يمرّ الناس من عندك آمنين: على أموالهم، وعلى كرامتهم.
المال في رمضان.. هل يُزكّي أم يُفضَح؟
رمضان شهر الزكاة، لكنه أيضاً شهر كشف القلوب. يكشف من يرى المال أمانة، ومن يراه صنماً.. كم موائد فاخرة تُرمى بقاياها، وكم بيوت لا تجد ما تُفطر عليه؟ وكم يدٍ امتدت بالصدقة، فرفعت معها ألماً وحياة؟
ليس الكرم في كثرة العطاء فقط، بل في الإحساس بالآخر، وفي أن تشعر أن جوع غيرك مسؤوليتك لا خبراً عابراً.
وحدة الأمة في رمضان
في رمضان، لا يجوز أن تنام القلوب.. أمة كاملة تصوم، لكن بعض أطرافها تفطر على الألم، والحصار، والخوف.
رمضان يعلّمنا أن الدعاء موقف، وأن الشعور بالآخر عبادة، وأن الصمت عن الظلم قسوة لا صيام معها.. ليس المطلوب خطابات، بل قلوباً حية تشعر، وتدعو، وتتحرك بما تستطيع.
بين صُنّاع الخير ومروّجي الغفلة
إلى أهل الخير: رمضان لا ينتظر المترددين، كل فكرة صادقة، وكل مبادرة، وكل كلمة تذكير، قد تكون سبب هداية أو ستر بيت أو إحياء أمل.
وإلى صُنّاع الغفلة: اتقوا الله في هذا الشهر. لا تكونوا جسوراً يعبر عليها الناس إلى اللهو، وهم في أمسّ الحاجة إلى من يدلهّم على النور.. رمضان ليس وقتاً لقتل المعاني، بل لإحيائها.
لا تدع رمضان يخرج وحيدًا
رمضان لا يطلب منا الكمال، بل الصدق. لا يطلب أن نصبح ملائكة، بل أن نكون أقرب إلى الله مما كنا.
إن أعظم الخسارة أن يمرّ هذا الشهر، وتبقى القلوب كما دخلته: قاسية، مشغولة، غافلة. وأعظم الربح أن يخرج رمضان، وقد ترك فينا صلاة لا تُترك، وذنبًا لا يُعاد، ودمعة صادقة لا تُنسى.
فلا تودّعوا رمضان بالفتور، ولا تخرجوه من بيوتكم دون أثر. اجعلوه شاهدَ إصلاح، وبداية طريق، ونقطة تحوّل. فما بقي من رمضان يكفي.. إن صدقت النية. وما بعد رمضان هو الامتحان الحقيقي.
ختاماً..
نحن اليوم لسنا في أول رمضان، حيث العزائم مشتعلة، ولا في آخره، حيث الدموع سهلة،
نحن في منتصفه.. وهنا يُقاس الصدق، وتُكشف النيات، ويُعرف من كان لله، ومن كان للعادات.
نصفٌ مضى، كُتبت فيه الأعمال، فمَن أحسن فليحمد الله، ومَن قصّر فلا يأمن… فإن الباب ما زال مفتوحًا، ولكن ليس إلى الأبد. يا من صمتَ عن الطعام، هل صام لسانك عن الزور؟ يا من قمتَ بالليل، هل نهارك يشهد لك أم عليك؟ يا من قرأتَ القرآن، هل وقف قلبك عند آيات الوعيد كما وقف عند آيات الوعد؟
رمضان لا يُريد أجسادًا جائعة، بل قلوبًا خاشعة، ولا يريد أعينًا ساهرة، بل نفوسًا منكسرة بين يدي الله. ألا فانتبهوا.. فكم من عبدٍ بلغ رمضان، ثم خرج منه مثقلاً كما دخل، وكم من عبدٍ أدرك الشهر، ثم أدركته المغفرة لأنه صدق في النصف الأخير.
إنها الأيام الفاضلة تمضي، وليالي العتق تقترب، وليلة القدر لم تُرفع بعد، والمنادي ما زال ينادي: يا باغي الخير أقبل.
فلا تكن من الذين يُنادى عليهم فلا يجيبون، ولا من الذين تُفتح لهم الأبواب فلا يدخلون، ولا من الذين تُعرض عليهم المغفرة فيعرضون عنها بذنوبٍ لم يتركوها، أو غفلةٍ لم يستيقظوا منها.
يا من بلغتم نصف رمضان.. اجعلوا ما بقي أصدق مما مضى، وأخفى مما مضى، وأقرب إلى الله مما مضى.
اللهم إنّا نعوذ بك أن ندرك رمضان فلا تُدركنا فيه رحمتك، ونعوذ بك أن نصوم فلا تُغفر ذنوبنا، ونعوذ بك أن نقوم فلا تُرفع درجاتنا، واجعل خواتيم أعمالنا فيه خيرًا من أوائلها،
واكتب لنا فيه العتق من النار، والقبول، والرضوان.




